له في الكتب، أخذ في التشنيع عليه، والطعن على علمه، والإجماع على تخطئته.
ولو نظر بعين الحق، لعلم أن ذلك لا يُخَرَّج إلا من وجهين: إما أن يكون ذلك جائزًا، لعلل تغيَّبت عنه، لم يبلغ النهاية من علمها، وهو كذلك، ووهمه الذي لعلَّه إن نُبِّه عليه، أو أعاد نظره فيه، رجع عنه إلى الصواب، وتخطاه إلى مالا مَطْعَنَ فيه من الكلام، إذ كان غير معصوم من الخطأ، ولا ممنوع من الزَّلَل.
فليس للناظر في الأصول مع تأخره عن الإحاطة بسائر الفروع، الهجومُ على ما لَعلَّه جائز عند المتقدمين في العلم، الناظرين بعين الحقّ؛ كأخذهم على أبي نواس، في قوله:
نَبِّه نَدِيمَك قد نَعَسْ يَسْقيكَ كأسًا في غَلَسْ
قالوا: كان الوجهُ يَسْقِكَ؛ لأنه جواب الأمر، وهو جزمٌ، تسقط له الباءُ من يسقيك، كما تقول في مثله: ارْمِ زَيْدًا يَرْمِك، فتحذف الياء للجزم.
وهذا على ما أُصِّل في الكتب المختصرات على ما قيل، غير أن لجوازه وجهًا من العربية، وهو أن الشاعر له أن يُجْرِيَ المعتلّ مُجرى السالم، فيتوهم
[ ١٠٠ ]
أن الياء كانت متحركةً، وأنه أسكنها للجزم على أصل ما يفعل في السالم.
ومثله قوله الشاعر:
ثم نادِي إذا دخلت دِمَشْقًا يا يزيدَ بن خالدِ بن يزيدِ
فقال: نادِي وهو أمرٌ، فأثبت الياء على ما ذكرنا، وهو كثير يمرُّ في داخل الكتاب؛ لأن هذا موضعُ اختصار.
وأُخذ أيضًا عليه قولُه:
كَمَنَ الشَّنْآنُ فيه لنا ككُمون النار في حَجَرِهْ
قالوا: والنار مؤنثة، فكان الوجهُ أن يقول: ككمون النار في حجرها. وهذا ظاهِرُهُ على ما قالوا، ولكنَّ العربَ تتَّسع، فتذكِّر المؤنث لمعنى تُخْرِجه له، يَئُول به إلى التذكير؛ كما قال امرؤ القيس:
بَرَهْرَهَةٌ رَخْصَةٌ رُؤْدَةٌ كخُرعوبةِ البانةِ المنفطرْ
[ ١٠١ ]
فذكَّر الخُرعوبةَ والبانةَ، لأنه يريد الغصنَ أو نحوه من المذكر. وكما قال الآخر:
لو كان مِدْحةُ حَيٍّ مُنْشِرًا أحدًا أحيَا أباكنَّ يا لَيْلَى الأَمادِيحُ
فقال: منشرًا وهو للمِدحة فذكّر؛ لأنه يريد المدح أو غيره، مما هو في معناه من المذكّر. وكثير مثل هذا يُذكر في مواضعه.
هذا، على أن بعض النحويين يقول: كل ما لا رُوح له، يجوز تذكيرُه وتأنيثه. وهذا، وإن لم يكن بشيء، فقد ذكرنا ما يعضدّه من شعر العرب، ونذكر فيما يُستقبل أكثر من هذا.
على أن بيت أبي نواس له وجه، لا ضرورة فيه، وهو أن الكُمون مذكَّر مضاف إلى النار، فيرد الهاء عليه، فكأنه قال: ككمون النار في حجر الكمون، أي في الحجر الذي يكمن فيه النار.
[ ١٠٢ ]
وأخذ عليه قوله:
كيف لا يُدْنيك مِن أمَلٍ مَنْ رسولُ الله من نَفَرِهْ
قالوا: وهذا قلب المعنى، وإنما الوَجْهُ: مَنْ هو مِنْ نفر رسول الله. وهذا ليس فيه نَقْصٌ، لأنه إذا كان من نفر رسول الله، فرسول الله من نفره.
ومنه قول الآخر:
وما زال في الإسلام من آل هاشمٍ دعائمُ عِزٍّ لا تُرَامُ ومَفْخَرُ
بهاليلُ منهم جعفرٌ وابنُ أُمِّه عَلِيٌّ ومنهم أحمدُ المتخيَّرُ
فجعل مَنْ ذَكَرَ منهم، كما جعل الأوّل محمّدًا ﷺ، من نفر الممدوح.
وأُخذ عليه قوله:
شَمُولٌ تخطَّاها المنونُ فقد أتتْ سِنُونٌ لها في دّنِّها وسِنُونُ
تُراثُ أناسٍ عن أناس تُخُرِّمُوا توارَثَها بعد البنين بَنُونُ
[ ١٠٣ ]