كأنّ نيرانهم من فوقِ حَسْنِهِمُ مُعَصْفَرَاتٌ على أرْسانِ قَصَّارِ
فوصف النار بالثياب المعصفرات، وإنما كان يجب أن يصف الثياب بالنار.
ومما أخذ عليهم من جهة الغلط في الألفاظ، قول ابن أحمر، وذكر امرأة:
لم تَدْرِ ما نسجُ اليَرَندج قبلَها ودِرَاسُ أعوصَ دارسٍ مُتَجَدِّدِ
قالوا: فاليرندج: جِلد أسود لا ينسج.
وقال من رد هذا: اليرندج ضرب من الخِفاف السُّود، والنسج هاهنا بمعنى المعالجة والعمل؛ يصف أنّها لا تدري ما يَعمل به الناسُ، ولا ما يعالجون به صنائعَهم. وأعوص
بمعنى عويص. ودارس بمعنى مدارس، أي هي لم تدارس الناس في العويص.
[ ١٣٤ ]
وأُخذ على حميد بن ثور قولُه:
لما تخايلتِ الحُمولُ حَسِبْتُها دومًا بأيلة ناعمًا مكمُومَا
قالوا: فأخطأ؛ لأن الدَّوْم شجر المُقْل، وهو لا يُكَمّ ومن يحتج لهذا يرويه: نخلًا.
وأُخذ على كعب بن زهير قولُه، وذكر ناقة فقال:
ضَخْمٌ مُقَلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها . . . . . . . . . . . .
فوصف المُقَلَّد بأنه ضخم، والنَّجائِب إنما تُوصف بدقة المَذْبَح.
وعِيب على المتلمّس قولُه:
وإني لأُمْضِي الهمَّ عند احتضارِه بناجٍ عليه الصَّيْعَرِيَّةُ مِكْدَمٍ
[ ١٣٥ ]
ولما سمعه طرفة يقول هذا، قال: اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، أي صار ناقة، فذهب قوله مَثَلًا، وإنما عيب عليه؛ لأنه ذكر أنه يُمضِي الهم بفَحْلٍ من الإبل، وجعل عليه الصَّيْعَرِيَّة، وهي سِمَةٌ لا تكون إلا على الإناث؛ فلذلك قال طرفه: استنوق الجمل، أي صار بهذه السِّمَةِ ناقةً.
وعيب على الأعشى قولُه:
وقد غدوتُ إلى الحانوت يتبَعُنِي شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
قالوا: فهذه الألفاظ كلها بمعنى واحد، وهذا عيب.
وقال قوم: هي مختلفة المعاني؛ فالمِشَلّ: السريع السَّوْق.
[ ١٣٦ ]
والشَّلُول: الخفيف الذي يُسرع في حوائجهم. والشُّلْشُل: الذكي والشَّوِل: الرافع يده.
وعيب على أبي ذؤيب قولُه، وذكر الدُّرَّةَ:
فجاء بها ما شئتَ من لَطَمِيَّةٍ يدومُ الفُراتُ فوقها ويَمُوجُ
قالوا: والدُّرَّة لا تكون في الماء الفرات وإنما تكون في الماء الملح.
وأُخذ على أبي النجم قولُه، وذكر الراعي:
صلْبُ العَصَا جافٍ عن التعزُّلِ
قالوا: وليس بهذا يُوصف الراعي، إنما يُوصف بِلينِ العَصَا، كما قال الراعي:
ضعيفُ العَصَا بادِي العُروق تَرَى له عليها إذا ما أجْدَبَ القومُ إصْبَعَا
[ ١٣٧ ]
أي أثرًا حسنًا.
وقال قوم: إنما أراد بقوله: صلب العصا صفة نفسه، أي هو صلب الظهر، وجعل العصا مكان ذكر قناة الظهر.