ويستحيل أن تقول: مِنْ ضَرْبِ عمرًا زيدٍ، كما قلت: سَقْيَ الرياضَ السَّحائبِ.
والعرب تفرَّق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر؛ كما قال الشاعر:
كما خُطَّ الكتابُ بكف يومًا يهودِيًّ يقاربُ أو يُزِيلُ
فخفض يهوديًاّ بإضافة الكف إليه، وفرق باليوم بينهما، وهو كثير يمر في الكتاب، فحمل هذا الشاعر هذا البيت على ذلك، فأجازه في الأسماء، تشبيهًا بالظروف، فهذا لا ينكر في الشعر لاتساع العرب فيه.
ولم نقصد في هذا الكتاب إلى العيوب التي تجري في الشعر، مما يؤخذ على الشعراء في غير النحو، ولو قصدت إلى ذلك، وذكرت كلَّ ما أخذ على الشعراء في كل فنًّ، لعظم ما أردت تقليله، وصعُب ما قصدت تسهيلَه، وبَعُدَ ما أمّلت تقريَبه؛ إذ كانت فنون الشعر كثيرةً، وطرق العيوب
[ ١١٧ ]
موجودة، وإنما قصدت إلى فنًّ، الناس إليه أحوجُ منهم إلى غيره، ومعرفتهم له ألزم، والفائدة فيه أعظمُ، فاقتصرت عليه، ولم ألتفت إلى ما سواه من العيوب؛ مثل قولهم في المعاني المَعيبات، كأخذهم على امرئ القيس قوله:
أغرَّكِ منّي أن حُبَّك قاتِلي وأنكِ مهما تأمري القلبَ يفعلِ
قالوا فإذا لم يكن هذا غارًّا، فبأيّ شيء تغتر؟ وأين هذا من قوله:
فإن تك قد ساءتكِ منّي خليقةٌ فسُلَّي ثيابي من ثيابك تَنْسُلِ
فقد ناقض في البيتين، فادعى في أحدهما التجلّد، وفي الثاني الاستسلام والطاعة.
[ ١١٨ ]
ومثل قول طرفه:
أُسْدُ غاب فإذا ما شربُوا وهبوا كلّ أَمُونٍ وطِمِرّ
قالوا: والبخيل في مثل هذه الحال يفعل ما افتخر هذا به، فلا فَضْلَ له ولا فخر في هذا البيت، حتى يكون مثل قول عنترة:
فإذا شربتُ فإنّني مستهلكٌ مالي وعِرضي وافرٌ لم يُكْلَمِ
وإذا صحوتُ فما أقصَّرُ عن نَدًى وكما علمتِ شمائِلي وتكرُّمِي
فأخبر أنه في حال صَحْوِه يفعلُ ما يفعلُ في حال شربه، وبهذا يكمُلُ الفخر، ويعلو الذًَّكْرُ.
وكقول نابغة بني ذبيان، وقد أنشده حَسَّانٌ قولَه:
لنا الجَفَنات الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحى وأسيافُنا يقطُرِنَ من نَجْدةٍ دَمَا
[ ١١٩ ]
ما صنعت شيئًا! قللت أمركم؛ فقلت: لنا الجفنات والجِفان أكثر، والغُرّ والبِيض أحسن، ويلمعن ويشرقن أجود، وبالضُّحى والدُّجى أبلغ، وقلت: وأسيافنا والسيوف أكثر، وقلت: يقطرن ويسكبن أجود.
وكقول بعض المحدثين: قصَّر جرير في قوله:
إنّ العيونَ التي في طَرْفها مرضٌ قتَلْنَنَا ثم لم يحيينَ قتلانَا
[ ١٢٠ ]
فقال: في طرفها، فأضاف الجمع إلى الواحد، والطَّرْف هو العين، فكأنه قال: إنّ العيون التي في عينها مرض، وقال: قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فجاء بما ليس في العادات، من الإحياء بعد القتل.
وقال: أحسن منه قولي:
لا شيَء أعجبُ من عَيْنيكِ إنّهما لا يَضعفانِ القُوَى إلاّ إذا ضَعُفا
وكذا قال في قول النابغة:
وإنّك كالليل الذي هو مُدْرِكي وإن خِلْتُ أن المنتأَى عنك واسِعُ
إن هذا ليس بغاية في التبالغ؛ لأنه جاء بما لَهُ قسيِمٌ يفعل مثل فِعْلِه، وهو أن النهار يُدرك ما يدرك الليلُ؛ وإنما كان يتم له ما قَصَدَ، لو أتى بشيء لا قسيم له.
[ ١٢١ ]
وذكر أن قوله:
كأنّه الدهرُ في إدراك غايته أو المنايا إذا جاءتْ على عَجَلِ
أبلغ منه؛ لأنه جاء بما لا قسيم له.
وقال: ومنه قولي:
همْ للعُداةِ كآجالٍ مُسَوَّمةٍ إن حاولوا فَوْتَها آلُوا ولم يَئِلُوا
وقال: الآجال لا يفوتها شيء، ولا قسيم لها، فهي أبلغ من الليل؛ إذ كان النهارُ قَسِيمَه.
وما هو في هذه العيوب إلا كما حدثنا أبو علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، قال: أخبرنا محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحَى مسلم بن الوليد وأبو نواس،
[ ١٢٢ ]
فقال مسلم: ما أعلَم كل بيتًا يخلو من سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئًا من ذلك، قال: بل أنشد أنت أيَّ بيت شئت، فأنشده:
ذكر الصَّبُوحَ بِسُحْرَةٍ فارتاحا وأملَّه ديكُ الصَّباحِ صِياحاَ
فقال مسلم: قف عند هذا. لم أمله ديك الصباح، وهو يبشِّره بالصَّبوح، وهو الذي ارتاح إليه؟
فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده:
عاصَى الشبابَ فراحَ غير مفنَّدِ وأقام بين عزيمةٍ وتجلُّدِ
فقال أبو نواس: ناقضتَ، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلاّ بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قالت: وأقام بين عزيمة وتجلد، فجعلته منتقلًا مقيمًا في حال، وهذا منتقض.
قال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب عيبًا وجده ومن طلب مخرجًا لم يفته.
[ ١٢٣ ]
وقد أُخذ على الشعراء هذا وأمثاله كثيرًا، وكان الأصمعيُّ مُغْزًى بذلك، وهو الذي قال: أخطأ زهير في قوله:
فتُنْتَج لكم غلمانَ أشأمَ كلّهم كأحمرِ عادٍ ثم تُرْضِعْ فَتْفطِمِ
فقال: إنما هو أحمر ثمود، وخُطِّئ الأصمعي في هذا، وقيل: العرب تسمى ثمودًا عادًا الثانية، يدلك على ذلك قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾، فجعلها ثانية. وقال قيس بن سعد بن عُبادة:
أردتُ لكيما يعلَم الناسُ أنّها سراويلُ قيسٍ والوفودُ شُهودُ
وأن لا يقولوا غاب قيسٌ وهذه سراويلُ عادِيٍّ نمتْهُ ثَمُودُ
[ ١٢٤ ]
فجعل من نَمَتْهُ ثمودُ عاديًّا؛ لأنهم يسمون ثمودَ عادًا:
وكذا خطَّأ الشماخ في قوله، ووصف الناقة:
فنعم المجتدَى رتَكتْ إليه رَحَى حَيْزُومها كَرَحَى الطَّحينِ
فقال: هذا عيبٌ أن تكون الكِرْكِرة واسعةً، فيكون الْحِملُ لذلك ضاغطًا. وخُطِّئ الأصمعي في هذا؛ لأنه إنما أراد أنها صلبة تطحن الحَصَى، كما تفعل الرَّحَى بالحَبِّ، والعرب تستعمل ذلك ومن أجله قالت ليلى الأخيلية:
كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم يُنِخْ قلائصَ يفحصْن الحَصَى بالكراكِرِ
ويروى: تطْحَنَّ، فجعلها هذا بمنزلة الرَّحى تطحن الحَصَى، وهو أبلغ في الصلابة.
وكذا قال: أخطأ ذو الرمة في قوله، وذكر الكلابَ والثورَ:
حتى إذا دوَّمتْ في الأرض راجَعَهُ كِبْرٌ ولو شاء نجَّى نفسَه الهَرَبُ
[ ١٢٥ ]
قال: وإنما التدويم في السماء؛ يقال: دوَّم الطائرُ في السماء، ودَوَّى الرَّجُلُ في الأرض، إذا ذهب فيها. وأُنكِر هذا على الأصمعي وقيل: أصل التدويم الاستدارة، وأصله الدُّوَّامة وذلك
يكون في الأرض والسماء.
وأخذ على لبيد قوله:
ومقامٍ ضَيِّق فَرَّجْتُه بمَقَامِي ولساني وجَدَلْ
لو يقومُ الفِيلُ أو فيّالُه زَلَّ عن مثل مَقامي وزَحَلْ
قالوا: ظنَّ أن الفيّال من أشدَ الناس، فغلط؛ وإنما يريد: لو يقوم الفيلُ أو الفيلُ وفيالُه. ثم حذف، كما قال الله ﷿: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى ماِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، والمعنى: إلى مائة ألف، أو مائة ألف ويزيدون، وقَصَدَ ذِكر الفيل؛ لأنه أقوى الوحش وأعظمُه.
[ ١٢٦ ]
وأُخذ على المرقّش قولُه، وذكر امرأة:
صحا قلبُه عنها على أن ذِكْرَةً إذا خطرتْ دارتْ به الأرضُ قائِمَا
قالوا: فيكف يصحو عنها من إذا ذُكِرَتْ دارت به الأرضُ. وهذا أيضًا من العنف؛ لأنه يريد أن تَرَك طِلابها، على أنه في هذه الحال من الوَجْد بها.
وأخذ على زهير قولُه، وذكر الضفادع:
يخرجن من شَرَباتٍ ماؤُها غَدِقٌ على الجَذُوع يَخَفْنَ الغَمَّ والغَرَقَا
قالوا: ليس خروج الضفادع من الماء، مخافة الغَمِّ والغَرَق؛ إذ كانت حياتهنّ إنما تكون مع كثرة الماء. وهذا أيضًا ليس بعيب، وإنما أراد التبالغ، أن يخبر أنّ هذه الضفادعَ التي إنما حياتها مع كثرة الماء، قد زاد
[ ١٢٧ ]
الماء عليها، حتى صارت تهرُب منه، وجعل ذلك خوف الغَمِّ والغَرَق، لأنه عادةُ مَنْ هَرَبَ من الماء من الحيوان، وهذا على الاستعارة والإفراط.
وأُخذ على النابغة قولُه، وذكر الثور:
يحيدُ عن أسْتِنٍ سُودٍ أسافلُه مثلَ الإِماء الغَوادِي تَحْمِلُ الحُزَما
قالوا: هذا غلط؛ لأن الإماء إنما يحمِلْنَ الحُزَم رواحًا، وهنّ يَغْدُون لجمع الحطب واحتج بعضهم لهذا وقال: معناه مثل الإماء الغوادي لِحَمْل الحُزَم رواحًا، أي تفعل هذا لهذا، وله وجه في العربية.
وأُخذ على أبي النجم قوله في صفة الفرس:
[ ١٢٨ ]
يَسْبَحُ أُخْرَاهُ ويطفُو أوَّلُهْ
قالوا: اضطراب مآخيره عيبٌ يمنعه من الجَرْي.
وأخذ على رؤبة قولُه:
كنتم كَمَن أدخلَ في جُحْرٍ يَدَا
فأخطأ الأفْعَى ولاقَى الأسْوَدَا
قالوا: فجعل الأفعى دون الأسود، وهي أخبث منه وأشد عند العرب. وهذا أيضًا ليس بعيب، إذ كان إنما خلص من شر إلى شر، وليس من الشر قليل.
وأُخذ عليه قولُه:
ليتَ المُنَى والدَّهْرَ جَرْيُ السُّمَّه
[ ١٢٩ ]
قالوا: وهذا غلط، تقول العرب: ذهَبَ فلانٌ في السُّمَّهَى، أي في الباطل. وهذا يجوز أن يتوهم به جمع السُّمَّهى، فيجعل السُّمَّه بمنزلة الجمع، وإن لم يستعمل، إذ كان للشاعر من الاتساع ماهو أكثر من هذا.
وأُخذ عليه قوله:
أو فضةٌ أو ذَهَبٌ كِبريتُ
قالوا: سمع بالكبريت الأحمر، فظن أنه ذَهَبٌ، وهذا أيضًا له وجه؛ وذلك أن العرب تقول: هو أعزٌّ من الكِبريتِ الأحمر، فتصفه
[ ١٣٠ ]
بالحمرة، وتصف الذهب بالحمرة فتقول: هو ذهب أحمر، فأراد بقوله: أو ذهب كبريت أي أحمر، فيجعل قوله: كبريت، يؤدي عن أحمر، كما قال الشاعر:
وأنت سيِّدُها المذكورُ قد علمت ذاك العمائمُ يوم الخندق السيِّدُ
يريد أصحاب العمائم، فجاء بها وبصفتها، وهو يريدها، وكذا هذا جاء بالاسم، وهو يريد النعت.
وأُخذ على أبي النجم قولُه، وذكر بعيرًا:
أخْنَسُ في مِثِل الكِظام مَخْطِمُهْ
قالوا: والأخنس القصير المشافر من الإبل، وهو عَيْبُ؛ وإنما توصف المشافر بالسُّبُوطة. والكِظام: هي السواقي التي يجري فيها الماء.
وأُخذ على أبي ذويب قولُه، وذكر الفَرَسَ:
قَصَر الصَّبُوحَ لها فشرَّجَ لَحْمَها بالنَّيَّ فهي تثُوخ فيها الإصْبَعُ
[ ١٣١ ]
فمعنى شَرَّجَ لَحْمَها: جعله شَرِيجين شحمًا ولحمًا، وتثوخ تغيب، ومعناه: تسوخ. وهذا من أقبح ما يوصف به الخيل، إنما توصف بشدة البَضْعَة، وصلابة اللحم.
وأُخذ على المرار العدوي قولُه في صفة النَّخْل:
كأنّ فُروعَها في ظِلِّ ريحٍ جَوَارٍ بالذَّوائبِ يَنْتَصِينَا
فمعنى ينتصين: يأخذ بعضهم بنواصي بعض، يريد أنه قد قَرُب بعضه من بعض، فالتفَّت فروعه، وهذا عيبٌ؛ لأن النخل إذا تباعد كان أجودَ له، وأصحَّ لثمره، والعرب تقول: قالت نخلةٌ لأخرى: أَبْعِدي ظِلِّي من ظِلِّك، أحْمِلْ حَمْلِي وحَمْلك.
وأُخذ على أبي نواس قولُه في صفة الأسد:
كأنما عينه إذا نَظَرَتْ بارزَةَ الجَفنِ عينُ مَخْنُوقِ
[ ١٣٢ ]
قالوا: فوصفه بالجُحوظة، وإنما يوصف الأسدُ بغُؤور العين، ولذلك قال أبو زبيد:
كأنّما عينُه وقبانِ في حَجَرٍ قِيضَا انْقِياضًا بأطرافِ المناقيرِ
وأُخذ عليه قولُه في صفة الناقة:
كأنّما رِجْلُها قفا يَدِها رِجْلُ وُليدٍ يلهُو بدَبُّوقِ
قالوا: وإذا كانت الناقة كذلك، كان بها عُقَّالٌ، وهو من أسوأ العيوب، كذا أُخذ عليه في صفة الدار:
كأنَّها إذا خَرِسَتْ جَارِمٌ بين ذَوِي تَفْنِيدِه مُطْرِقُ
قالوا: فشبه ما لا ينطق أبدًا بما ينطق، وإنما كان يجب أن يشبه الساكت بما لا ينطق أبدًا، وهذا مثل قول الآخر:
[ ١٣٣ ]