بني أمية إني ناصحٌ لكمُ فلا يبيتنَّ فيكم آمنًا زُفَرُ
مُرْتَبِئًا كارتباء اللَّيث منتظرٌ لوقعةِ كائنٍ فيها له جَزَرُ
ذُكِرَ أن الأخطل مرَّ بقوم يتذاكرون الشعر والشعراء، ولم يذكروه ولا شيئًا من شعره، فقال: ما كنت أظنّ أنّي أعيشُ، حتى أرى قومًا يذكرون الشعراء والشِّعْرَ، ولا يذكرونني ولا شيئًا من شعري، ثم أقبل عليهم فقال: أعرفتموني؟ قالوا: نعم، قال: فلم أغفلتم ذِكْرِي وذِكْرَ شعري؟ قالوا: وبِمَ استحققتَ أن تُذكر؟ قال: وبِمَ استحققتُ أن أُغفَل؟ قالوا:
[ ١٣٨ ]
لأنك أردت أن تهجُوَ فمدحتَ، قلتَ لما هجوتَ زُفَرَ بن الحارث: وذكروا البيتين، ثم قالوا: وأي مدح أكثر من هذا؟ تهدّدتَ به بني أمية، وهم الخلفاء، وجعلته ممن يكون له وَقْعَةٌ، ولا تكون الوقعة إلا لمن يُتَّقَى، ولم تَرْض حتى جعلته ممن يكون له جَزَرٌ إذا أوقع، وهذا غاية المدح، وقلت تمدح ابن منجوف فهجوته، في قولك:
قد كنتُ أحسبُه قَيْنًا وأُنْبَؤُهُ فالآن طُيِّرَ عن أثوابه الشَّرَرُ
ما هذا من المدح، أما كان لك في الكلام مذهبٌ أحسنُ من هذا؟ كأنه لم يرتفِعْ عندك إلا حيث لم يكن قَيْنًا، وقد ذكرتَ أنك أنت
[ ١٣٩ ]
رفعته بشعرك عن أن يكون قينًا! وهذا من أقبح العيوب، ومعنى هذا الكلام أنه كان يقال لرهطه القيون، يقول: فلما مدحتَه طار الشَّرَرُ عن أثوابه!
وأُخذ على جميل قولُه:
فلو تركتْ عقلِي معي ما طلبتُها ولكن طَلابِيهَا لما فاتَ من عَقْلِي
قالوا: فذكر أنه إنما طلبها، لأخذها لعَقْلِه، ولولا ذلك ما طلبها.
وهذا عيب في المعنى. وإنما الحَسَنُ قولُ الآخر:
أبكي وقد ذَهَبَ الفؤادُ وإنّما أبكى لفقدِك لا لفقدِ الذَّاهبِ
وأُخذ على كُثيّر قولُه:
أريدُ لأنسى ذِكْرَها فكأنّما تُمَثَّلُ لي لَيْلَى بكلِّ سَبِيلِ
[ ١٤٠ ]
قالوا: فذكر أنه يريد نِسْيَانَها، وإنما يردُّه إليها تمثيلُها له.
وكقولهم في قول الآخر:
طرقتْكَ صائِدةُ القُلوب وليس ذا وقتُ الزِّيارة فارجعي بسَلاَمِ
قالوا: وأي وقت أحسن للزيارة من الطُّروق؟ وما كان من حقّها عليه أن يتلقّاها بالرُّحْب والبِشْر، إذ تلقّاها بالطَّرْد والإِنكار.
وأُخذ على امرئ القيس قولُه:
فمثلِكِ حُبْلَى قد طرقتُ ومُرضِعًا فألهيتُها عن ذي تمائِمَ مُحْوِلِ
قالوا: ولا فائدة هاهنا في ذكر الحُبْلَى والمُرضع، وهذا ليس بعيب، والفائدة في ذكر الحُبْلَى والمُرضع بيِّنة؛ وذاك أن الحُبْلَى لا ترغب في الرَّجُل، والمرضع مشغولة بولدها، فإذا كان هاتان ألهاهما بطُرُوقه، فهو لغيرهما من النساء أشدُّ إلهاءً.
[ ١٤١ ]
وأخذ على النابغة قولُه، وذكر ناقةً:
تَخُبُّ إلى النّعمان حتى تنالَهُ فِدىً لك من رَبٍّ طَرِيفي وتَالِدِي
وكنتُ امرءًا لا أمدحُ الدَّهْرَ سُوقَةً فلستُ على خيرٍ أتاكَ بحاسِدِ
قالوا: فامتنَّ عليه بِمَدْحِه، وجعله خيرًا أتاه لا يحسدُه عليه.
وأُخذ على الأخطل قوله:
وقد جعل اللهُ الخلافةَ منهم لأبيضَ لا عارِي الخِوَان ولا جَدْبِ
قالوا: وهذا لا يجوز أن تمدح به الملوك. أما في أفعالها ما يُمدح سوى خِصْب الخِوان!
قالوا: وغلط أبو النجم في وصف ورود الماء في قوله، وذكر الإبل:
جاءت تَسَامَى في الرَّعيل الأوَّلِ
والظّلُّ عن أخفافِها لم يفضُلِ
[ ١٤٢ ]
قالوا: يريد أنه أوْرَدَها في الهاجِرة، والعرب إنّما تصفُ الوِرْدَ غَلَسًا، والماء باردٌ، كما قال الشاعر:
فَوَرَدْنَ قبلَ الصَّباحِ الفاتِقِ
وكقول الآخر:
. . . . . . . . . . . . . فَوَرَدْت قبلَ تبيُّنِ الأَلُوَانِ
وأُخذ على النابغة قولُه:
إذا ما غَزَوْا بالجيش حَلَّق فوقَهم سحائبُ طَيْرٍ تهتدِي بعَصَائبِ
جوانِجُ قد أيقنَّ أنّ قِبيلَهُ إذا ما التقى الجمعانِ أوّلُ غالِبِ
قالوا: وكيف يعلم الطيرُ الغالبَ من الفريقين. وهذا ليس بعيب؛
[ ١٤٣ ]
لأنه إفراط في المدح، وذلك أنه يصِفُ كثرةَ ما يصحب الطيرُ جيوشَهم، وأنها تعلم منهم الغَلَبَةَ، فكأنها قد وَثِقت بنصرَهم، وأيقنت بذلك.
وأُخذ عليه قوله في صفة السُّيوف:
تُقدُّ السَّلُوقِيّ المضاعفَ نَسْجُهُ ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاح نارَ الحُبَاحِبِ
قالوا: وهذا من الإفراط الذي لا يجوز؛ لأنّه جعل السيوف تَقُدّ ما ذَكَرَ، ثم تصيب الحجارة، فتوقِدُ النارَ.
وقد احتُجَّ لهُ أنه يريد بذلك الخيل، وأنه رجع إلى ذكرها، يريد أنها تضرب بحوافرها، فتوقد النار لصلابتها.
وأُخذ على الأعشى قولُه:
ويأمُر لليَحْمُومِ كلَّ عَشِيَّةٍ بقَتٍّ وتَعْليقٍ فقد كادَ يَسْنَقُ
[ ١٤٤ ]
قالوا: وما في هذا مما يُمدح به الملوك؟ وهل أحدٌ يضيِّعُ فرسَه؛ حتى يكون هذا مدحًا للملك؟ وفيه لَعَمرِي مَدْحٌ، وذاك أن الملوك كانت تجعل بالقرب من مواضعها فرسًا مُعَدًّا لما يتخوَّفونه، فأخبر الأعشى بذلك، وأنه يقرَّب منه الفرسَ، فيأمر بعَلْفِهِ وافتقاده، وذلك لحَزْمِهِ وشجاعته.
وأُخذ على أبي نواس قولُه:
وأخفتَ أهلَ الشِّرك حتى أنَّه لَتخافُك النُّطفُ التي لم تُخْلَقِ
وكذا قوله:
حتّى الذي في الرَّحْمِ لم يَكُ صورة بفؤادِهِ خَوْفِه خَفَقَانُ
[ ١٤٥ ]