ومثله:
لَعَمْرُك ما مَعْنٌ بتاركِ حَقِّه ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ
فَمَعْنٌ الأخير هو مَعْنٌ الأول، وكان الوجه أن يأتي بضميره.
وزعم بعض أهل النظر أن هذا لا يجوز في شعر ولا كلام؛ وقال: إنما يجوز إذا كان اسما للجنس، كقوله ﵎: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ فأعاد الظاهر ولم يضمره.
وقال مثلُه ما ذكر في البيت الأول؛ لأن الموت بمنزلة الأرض.
وهذا إذا جاز في هذا، فما يمنعه أن يجوز في سائر الأسماء؟ على أنّ قولَه:
لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتاركِ حَقِّه . . . . . . . . . . . . . . . .
خارجٌ عَمَّا شَرَطَ؛ لأنّه اسمُ عَلَمٍ.
١٢ - ومما يجوز له: الفرقُ بين الجارّ والمجرور في الشعر، وليس ذلك بجائز في الكلام؛ لا تقول: هذا غلام اليوم زيد، ويجوز في الشعر كما قال الشاعر:
رُبَّ ابن عمٍّ لُسلَيْمى مُشْمَعِلْ
[ ١٧٥ ]
طَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادِ الكَسِلْ
فأضاف الطّباخ إلى الزّاد وفرق بينهما بساعات الكرى.
ومثله، على إنشاد بعضهم:
وكرَّارِ خَلْفَ المُجْحَرينَ جَوَادِه إذا لم يُحَامِ دُونَ أنثى حَليلُها
فأضاف كرّار إلى الجَواد وفرّق بينهما بخلف المُجْحَرِينَ. ومنهم من يرويه:
طباخ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ
فيضيف طَبَّاخًا إلى ساعات، وينصب زادَ الكَسِل بطباخ. وكذا ينشد:
وكرّار خلفِ المُجْحَرِينَ جَوَادَهُ . . . . . . . . . . . . . .
فيضيف أيضًا إلى خَلْف، ويجعل الظرف في كل هذا مفعولًا على السَّعة، كما أنشد سيبويه:
[ ١٧٦ ]
يا سارق اللَّيلةِ أهْلَ الدَّارِ
فجعل الليلة مفعولة على السعة، وأضاف إليها، ونصب أهل الدار بسارق، وهذا على هذه
الرواية لا ضرورة فيه.
ومما جاء قد حِيَل بينه وبين المجرور، قولُ الآخر:
لما رأتْ ساتِيدَمَا استَعْبَرَتْ لله درُّ اليومَ مَنْ لامَهَا
يذكر ناقته. وسَاتِيدَما اسم مكان. وفرق في هذا البيت بين دَرّ ومَنْ بقوله: اليوم والتقدير: لله دَرُّ مَن لامَهَا اليومَ، فَمَنْ في موضع جَرّ.
[ ١٧٧ ]
ومثله:
كأنَّ أصواتَ مِن إيغالِهِنَّ بنا أواخر المَيْسِ أصواتُ الفَرَاريج
يريد: كأن أصوات أواخرِ الميْس أصواتُ الفراريج، ففرَّق بين الجار والمجرور.
ومثله قول الآخر:
هما أخَوا في الْحَرْبِ مَنْ لا أخَا لَهُ إذا خافَ يومَا نَبْوَةً فَدَعَاهُمَا
ففرّق بين أخَوَا وبين مَنْ بقوله: في الحرب.
والتقدير: هما أخوا من لا أخا له في الحرب.
وزعم سيبويه أن من هذا الباب قول الشاعر:
[ ١٧٨ ]
إلاّ عُلالةَ أو بُدَا هَةَ قارِحٍ نَهْدِ الجُزَارَهْ
قال سيبويه: أراد إلاّ عُلالَة قارِحٍ ففرق بينهما ببُدَاهَة، وغلط في هذا.
وقيل: كان يلزمه أن يقول: إلا علالة أو بداهته قارح؛ لأن التقدير على قوله: إلا عُلالة قارحٍ أو بُداهتَه.
والتقدير عند غيره: إلا عُلالَة قارحٍ، أو بداهةَ قارِحٍ، ثم حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما يقول: هو أعزُّ وأفضلُ مَنْ ثَمَّ، والتقدير: هو أعزُّ مَنْ ثَمَّ وأفضلُ مَنْ ثَمَّ، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
ومما هو أصعب من هذا قول الشاعر:
فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّةٍ زِجَّ القلوصَ أبي مَزَادَهْ
[ ١٧٩ ]