١٥ - ومما يجوز له: قَلْبُ المعنى إذا كان الكلام لا يُشكل؛ وذلك أن يقول: أُدخِلَ فُوهُ الحَجَرَ فيكون المعنى أن الفَمَ أُدْخِل في الحَجَر وإنما حقيقته أن الحَجَرَ أدخل في الفم.
وكذلك قال الشاعر:
ترى الثورَ فيها مُدخِلَ الظِّلِّ رأسَه وسائِرُهُ بادٍ إلى الشمس أجمعُ
فجعل الظلَّ يدخل الرأسَ، وإنما يجوز أن يقال: مُدخل رأسِه الظِّلَّ، فقَلَب لأنه لا يُشكل، وقد أجاز هذا الشأنّ الناسُ في الكلام، فضلًا عن الشعر، وأجازوا: أُعْطِيَ الدرهمُ زيدًا فجعلوا الدرهم آخذًا لزيد، والوجه: أُعطي زيدُ الدِّرهَم، لأنه القابضُ له، ولكن هذا لا يشكل.
١٦ - ومما يجوز له: أن يُخبِر عن الشَّيء بخبرٍ ليس من جنسه، ولكن يكون تحت ذلك الخبر حذف تقوم به الفائدة.
[ ١٨٢ ]
وذلك مثل قول الشاعر:
وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أصبحتْ خَلالَتُه كأبي مَرْحَب
فشبّه الخَلالَة بأبي مَرْحب، وليس هو من جنسها، ولكن المعنى: كخَلالَة أبي مَرحْب فأسقط هذا اتّساعًا.
ومثله قول الآخر:
كأنَّ عَذِيرَهم بجنُوب سِلَّى نعامٌ قاقَ في بَلدٍ قفارِ
فالعَذِير: الصوت، فشبّه الصَّوتَ بالنعام، وليس من جنسه، ولكن المعنى: كأنّ عَذِيرهم عَذِيرُ نَعامٍ.
[ ١٨٣ ]
وشَرُّ المَنَايَا ميِّتٌ بين أهله كهُلْكِ الفتى قد أسْلَمَ الحَيَّ حاضِرُهُ
فشبه المَيِّت بالهُلْك، ولكن التقدير: وشرُّ المنايا مِيتَة مَيِّت.
وقد زعم قومٌ أن هذا ليس من ضرورة الشعر، وأنه يجوز في الكلام، وقال: هو مِثْل قول العرب: بنو فلان تطؤُهم الطريقُ، يريد: أهل الطريق، وكما قال ﷿: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، يريد: أهلها.
ونعرف من هذا الأول - بل هو مما ذكرنا من كلام العرب - قول الشاعر:
وأنت سيِّدُها المذكور قد علمتْ ذاك العمائمُ يومَ الخندقِ السودُ
يريد: أهل العمائم، فحذف وأقام العمائم مُقام ما تضاف إليه.
وكذا قول الآخر:
إذا حملتُ جَرَّتي على عَدَسْ
[ ١٨٤ ]
على الذي بين الحمار والفَرَسْ
فما أُبالي مَنْ غَزَا ومن جَلَسْ
وعَدَس إنما هو زَجْرٌ للبغال، فأقامه مُقام ما يُزْجَر به.
ومثله قول الآخر، وذكر ناقة:
وكأنَّ غاربَها رَُِباوة مُخْرِمٍ وتَمُدُّ ثِنْيَ جَديلهَا بشراعِ
فالشِّراع: القِلْع الذي للسفينة، وهو يريد ما تحمله، يعني الدَّقَلَ، وبه شُبِّه عُنُقُ الناقة، فأقام ما عليه مُقامه.
ومثله قول الآخر، وذكر ناقة:
كأنَّ أهدامَ النَّسيل المُنْسَلِ
على يَدَيْها والشِّراعِ الأطولِ
[ ١٨٥ ]