فحذف النون التي كانت في قدني، وذاك أنها دخلت لتَسْلَمَ الدَّالُ على سكونها، فَحَذَفَها لمَّا احتاج إلى الوزن، وحَرَّك الدالَ بالكسر للقافية.
وقال آخر:
كَمُنْيَةِ جابرٍ إذ قال لَيْتي أُصَادِفُه وأفْقِدُ بَعْضَ مَالِي
أراد: ليتني فحذف النون؛ لأنها زائدة، وليفعل في ليت ما فُعِل في إنَّ ولَعَلَّ؛ لأنهم يقولون: إِنِّي ولَعَلِّي.
٨١ - ومما يجوز له: الحذف والتغيير، على قول الكوفيين، في قول الشاعر:
فلم أرَ مثلها خُباسة واحدٍ ونَهْنَهْتُ نفسي بعد ما كدتُ أفْعَلَهْ
[ ٢٨٥ ]
قال الفراء: أراد: أفْعَلُها، فحذف الألف وفتح اللام؛ ليدلَّ على أنه حذف الألف؛ لأن الفتحة من جنس الألف.
وهذا يفسد عند سائر الناس؛ لأن الفتحة يجب أن تكون على الهاء، واللام فعليها الإعراب، فمستحيلٌ أن يَسْقُطَ ويؤتى بما لا يلزم أن يدخله ولا يكون دليلًا فيه؛ لأن الهاء حائل بينهما.
وأيضًا فإن هذا لا يجوز إلا فيما قبل آخره ساكنٌ، فتُردّ حركة الهاء عليه؛ كما أنشد سيبويه:
عَجِبْتُ والدَّهْرُ كثيرٌ عَجَبُهْ
مِن عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لم أضْرِبُه
كان الوجه: لم أضْرِبْ، ثم ردّ حركة الهاء، على الباء الساكنة، وسكَّن الهاء.
[ ٢٨٦ ]
والذي قال سيبويه في هذا البيت: إنما حملوه على أن الشعراء يستعملون أن هاهنا كثيرًا، كأنه قال: بَعْدَ ما كِدْتُ أنْ أفْعَلَهُ.
وهذا أيضًا عند أصحابه غلطٌ، وذاك أن كاد لا يجوز أن تدخل معها أنْ إلا في الشعر؛ لأن معناها المقاربة؛ ومنها قول جلَّ وعزَّ: ﴿مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾؛ فكيف تضمر مع ما لا تدخله ثم تعملُ، وهي لا تضمر في غير هذا الموضع حتى يكون في الكلام دليل عليها؟ كما قال الشاعر:
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى وأن أشْهدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِديِ
[ ٢٨٧ ]
فأراد: أنْ أحْضُرَ، ولكن حذف لما كانت أن الثانية في قوله: وأنْ أشهدَ اللَّذّات تدل على ذلك.
على أن بعض النحويين، لم يجز في هذا إلا الرفع، وقال: إذا فُقِدَتْ أن رُفع الفعل. فهذا وأمثاله يضعف ما قال سيبويه عندهم.
وقال قوم: بعد ما كدتُ أفعلَنْهُ، ثم حذف النون؛ فبقيت اللام على فتحها.
وقد زعم بعض النحويين أن هذا أيضًا غلطٌ؛ لأن النون إذا كانت في هذا الكلام، لم يجب حذفُها؛ إذ لا عِلَّةَ أوجبت ذلك، فإن كان الذي أوجبها اضطرار الوزن، وجب أن يزول عن البناء إلى الأعراب؛ لأن النون ليست بشيءٍ لازم المعنى. واستحسنَ صاحبُ هذا القول قولَ سيبويه وصَوَّبَهُ.