فأضمر الهاء على قول من يجعلُه مفعولًا على السَّعة، فكأنه قال: فيومٌ نساؤُه ويوم نُسَرُّه. ومن جعله ظرفًا أراد: فيومٌ نُساءُ فيه، ويومٌ نُسرُّ فيه.
وكذا قول الآخر:
ثلاثٌ كلُّهن قتلتُ عَمْدًا فأخْزَى الله رابعةٌ تعودُ
فأضمر الهاء أيضًا ورفع.
وقد أنكر بعضُ أهل النظر هذا، ولم يُجِزْه في كلامٍ ولا شِعْرٍ، وقال: لا ضرورة في هذا؛ لأن المنصوب بزنة المرفوع، فلو نصب لم ينكسر الشعر، وقال: كذا ينشده أكثر الناس منصوبًا.
ونحن لا ندفع ما رواه سيبويه، على ثقته وعلمه، مع قوله: سمعناه من العرب مرفوعًا.
٩ - ومما يجوز له: أن يجعل اسم كان نكرةً، وخبرها معرفةً، إذا اضطر إلى ذلك، وذلك غير جائز في الكلام، وذلك أن تقول: كان رجلٌ زيدًا فيجوز في الشعر ولا يجوز في غيره، وذلك أن اسم كان بمنزلة الابتداء، فكما كان الأَولى أن يبتدئ المتكلم بالمعرفة، ثم يخبر عنها، كان ذلك في كان.
[ ١٦٧ ]
ومنه قول حسان:
كأنَّ سَبِيئَةً من بيتِ رَأْسِ يكون مِزاجَهَا عَسَلٌ وماءٌ
فجعل العَسَل اسم كان، والماء معطوفًا عليه، ونصب المزاج وهو معرفة، فجعله الخبر وقدّمه.
وكذا قوله:
فإنك لا تبالِي بعدَ حَوْلٍ أظبيٌ كان أمَّك أم حِمَارُ
فنصب الأمّ، جعلها خبرًا، وجعل الظبي والحمار اسمَ كان، وهما نكرتان.
[ ١٦٨ ]
وكذا أنشد النحويون:
ألا مَنْ مُبْلغٌ حسّان عَنِّي أسِحْرٌ كان طِبًّك أم جُنُونُ
فنصب الطبّ وجعله خبرًا، وجعل السحر والجنون اسم كان وهما نكرتان.
وأنشدوا أيضًا:
أسكرانُ كان ابنَ المَرَاغة إذا هَجَا تميمًا بجوَفِ الشَّام أم متساكِرُ
وقال سيبويه: فهذا إنشاد بعضهم، وأكثرهم ينصب سكرانَ، ويرفع الطِّبَّ، وينصب سِحْرًا، ويرفع متساكرًا، وجنونا على قطع وابتداء، كأنه قال: أم هو متساكرُ.
[ ١٦٩ ]
وزعم بعض أهل النظر أن هذا لا يجوز، وأن قوله: يكون مزاجُها بالرفع وعسلا بالنصب، يجعله خبر كان، ويرفع ماء على الاستئناف، كأنه قال: وماء كذلك.
وقال في قوله:
أسكرانُ كان ابن المراغة إذا هجا . . . . . . . . . . . . .
النصب في سكران يجعله خبر كان متقدمًا، وترفع ابن المراغة تجعله اسمها، وترفع متساكرًا على ما قال سيبويه، كأن قال: أم هو متساكر.
وقال في قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . أسحرٌ كان طبَّك أم جنونُ
النصب في السحر يجعله خبر كان، ويرفع الطب يجعله اسم كان، ويرفع الجنون على الاستئناف أيضًا، كأنه قال: أم هو جنون.
وقال في قوله:
. . . . . . . . . . . . أظبيٌ كان أمَّك أم حمارُ
لم يجعل هاهنا اسم كان نكرة؛ لأن في كان ضمير الظبي والضمير لا يكون إلا معرفة، فهو اسم كان، والأم الخبر، فكأنك جعلت اسمها معرفة وخبرها معرفة، وهذا حسن في الكلام، إذ قلت: كان زيد أخاك وكان أخوك زيدًا تجعل أيُّهما شئت اسم كان، إذا كانا معرفتين.
[ ١٧٠ ]