قال المتكلمون في طبائع الحيوان ليس في الحيوان شيء ينزو إلى غير نوعه، ويأتي فيه شبيهه إلا الحمار، وهو ينزو إذا مضى له ثلاثون شهرا، ولا يولد له قبل أن يتم ثلاث سنين ونصف، قالوا: هذا النوع صنفان صنف جاس عاس يصلح لحمل الأثقال، والآخر لدن دمث أحر وأيبس من نفس الفرس فتراه كبير الشعب، والحركة بمنزلة النار المتوقدة لا يهدأ اضطرامها، فهذا يصلح أن يرفه للركوب في قضاء الأوطار والحاجات، وأجود الحمير المصرية، وأهلها يعتنون بتربيتها والقيام عليها لما يجدون فيها من الفراهة، وسرعة الحضر، والمجابة ويتغالون في أثمانها بحسب فراهتها حتى بيع منها في بعض السنين حمار بمئة دينار، وعشرة دنانير، وكان صاحبه يسمع أذان المغرب بالقاهرة فيركبه ويسوقه ويلحقها بمصر، وبينهما ثلاثة أميال، ومن عادة الحمار أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة خوفه له يريد بذلك الفرار منه.
قال حبيب بن أوس الطائي في أبيات يخاطب بها عبد الصمد بن. . . . وقد هجاه وحيث يقول:
أقدمت ويلك من هجري علي خطر والعير تقدم من خوف على الأسد
وفي الحمار داء الحلاق كالخنزير، وبعض أصحاب الحديث في الطبائع ينطر ذلك ويقول الحلاق داء يصيب قضيب الحمار يقال له حلق الحمار يحلق حلقا إذا احمر قضيبه وتقشر فإن لم يخص وإلا مات وقال قطرب الحلاق في الإناث إذا أصابها ذلك، ويوصف بالهداية لأنه لا يضل عن طريق سلكه ولو لمرة واحدة، ولا يخطئه وفإن ضل راكبه الطريق هداه وحمله على الحجة، ويوصف بحدة حاسة السمع بحيث أنه ينذر راكبه بما يتوقع خوفه فيحذر منه، وإن بعد مثواه، وهذا الحيوان يحس بالبرد، ويؤذيه أكثر من غيره، ولهذا لا يوجد في بلاد موغلة في الشمال، وبلاد الصقالبة، ويعتريه مرض في الدماغ مثل الزكام يعرض له لبرد دماغه، ويسيل من منخريه بلغم حار، فإن انحط إلى الرئة مات والظريف العجيب إذا نهق أضر بالكلب حتى يقال إن نهيقه يحدث بالكلب مغصا، ولذلك يطول نباحه.