أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون: جميع ما يقع عليه اسم الفأر: فأر البيت ويسمى الجرذ، والزباب، والخلد، واليربوع، وفأرة البيش، وفأرة المسك، وفأرة الإبل: فأما فأرة البيت فصنفان، جرذان وفأر، وهما كالجواميس والبقر، والبخت والعراب، والفأر من الحيوان الذي جمع له حاسة الشم والبصر، وليس في الحيوان أفسد منه لا يبقي على شيء من جليل ولا حقير إلا أهلكه وأتلفه، لا يقصر فعله عما فعله ريح قوم عاد، ويكفيه ما يحكى عن شدة رأيه وتدبيره في الشيء الذي يأكله ويحسوه أنه يأتي القارورة الضيقة فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع في القارورة شيئا، ويضرب به المثل في السرقة والنسيان والحذر، ويبلغ الفأر من حذره واحتياطه أنه يسكن السقوف وربما فاجأه السنور، وهو يريد أن يعبر بيته والسنور في الأرض، وهو في السقف ولو شاء أن يدخل بيته لم يكن للسنور عليه سبيلا، ويشير إليه السنور بيساره كالقائل له ارجع، فإذا رجع أولى إليه بيمينه كالقائل له: عد فيعود، وإنما يطلب بذلك أن يعي أو ينزلق، فلا يفعل ذلك إلى ثلاث مرات حتى يسقط إلى الأرض فيثب عليه، وفي طبع الجرد البري أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق ويتجنب الخفض والوطأ خوفا من الحافر أن يهدم عليه بيته، وحكى الجاحظ أن أناسا أنكروا أن يخلق الفأر في أرحام إناثها من أصلاب ذكورها، ولكن من أرحام بعض الأرض كطينة القاطول فإن أهلها يزعمون أنهم رأوا الفأر ولم يتم خلقه بعد وإن عينيها لتبصان ثم لا يريمون حتى يتم خلقها وتشتد حركتها، وكذلك يتولد بأرض مصر إذا انكشف ماء النيل عنها.
وأما الزباب: فأصم يكون في الرمل والعرب تضرب به المثل في السرقة فيقولون أسرق من زبابة، ولم أقف على أكثر مما ذكرت من أمره وأما الخلد: فأعمى أصم لا يعرف ما يريبه إلا بالشم إلا أن عينيه كاملتان لكن الجفن ملتحم على الناظر لا ينشق، وإنما خلق كذا لأنه يتنفس في البخار الغليظ والأرض له كالماء للسمك، وغذاه من باطن الأرض، الرطوبات والورق، وليس له على ظهر الأرض قوة، ولا نشاط، ولا حيلة بل يبقى مطروحا كالميت حتى يخطفه جارح أو يموت، ولما لم يكن له بصر عوض عنه بحدة حاسة السمع فيقال أنه يحس بالوطء الخفي، ومتى أحس بذلك جعل يحفر في الأرض، ويتحيل عليه حتى يصاد، بأن يجعل في باب جحره قملة فإذا سمعها، وأحس بها خرج إليها ليأخذها فيصاد، وفي طبعه أنه متى شم رائحة طيبة هرب، وهو يحب رائحة الكراث والبصل، وربما صيد بهما فأنه متى شمهما خرج إليهما، ومن دأبه طول الكد، ودوام الحفر للأنفاق والأسراب سواء انتفع بها أو لم ينتفع، وفي تركيبه أنه لا يفرط في الطلب، ولا يقصر فيها، ولا يخطئ الوقت الذي يظهر فيه، ولا يغلط في المقدار.
[ ٧٠ ]
وأما اليربوع: فحيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا وله ذنب كذنب الجرد بين يرفعه صعدا في طرفه شبه الفوارة، لونه لون الغزال، قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان كل دابة حشاها الله تعالى خبثا فهي قصيرة اليدين لأنها إذا خافت شيئا لاذت بالصعود، فلا يلحقها شيء، وهذا الحيوان يسكن بطن الأرض لتقود رطوبتها له مقابل الماء، وهو يؤثر النسيم ويكره البخار، فتراه أبدا يتخذ جحره في نسز من الأرض ثم يحفر بيته ويفتح له أربعة أبواب على مهب الرياح الأربعة، وتسمى النافقاء والقاصعاء والدماء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى نافق أي خرج من النافقاء، وإن طلب من النافقاء قصع أي خرج من القاصعاء، وفي طبعه أنه يطأ على زمعاته في السهل والأرض اللينة كي لا يعرف أثر وطئه كما يفعل الأرنب، وهو يجتر ويبعر، وله كرش وأسنان واضراس في الفك الأعلى والأسفل وهو من الحيوان الذي له رئيس ينقاد إليه وإذا كان فيها يكون من بينها في مكان مشرف أو على صخرة ينظر منه إلى الطريق في كل ناحية، فإن رأى ما يخافه عليها صر بأسنانه وصوت، فإذا سمعته انصرفت إلى أحجرتها، وإن أغفل ذلك، ورأت ما يخافه قبل أن يراه قتلته لتضييعه الحزم، وغفلته، وينصب غيره وإذا أرادت الخروج من جحرها تطلب المعاش، خرج الرئيس أولا يشرف فإن لم ير ما يخافه صر لها وصوت فتخرج ولليربوع من الفأرة ولد يسمى القريب.
وأما الفأرة البيش: فدويبة تشبه الفأرة، وليس بفارة، ولكن هكذا تسمى وتكون في الغياض والرياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم ليأكلها فلا يضر بها وكثيرا ما تطلب البيش وهو سم قاتل.
وأما فأرة المسك: فزعم الجاحظ: أنها دويبة تكون ببلاد تبت تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت عصبت سرتها بعصاب، وهي مدلاة فيجتمع فيها دمها فإذا حكم ذلك ذبحت، وما أكثر من يأكلها، فإذا ماتت قورت السرة التي عصبت ثم تدفن في الشعير حينا حتى يستحيل ذلك الدم المختنق هناك الجامد بعد موتها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام سنا، ورأيت في بعض المجاميع أن هذه الدابة توجد ببلاد الزانج، وتحمل إلى بلاد السند وإن المسك يخرج من خصيتي ذكرانها بالعصر، ومن ضروع إناثها بالحلب، ورأيت في مجموع آخر: الفأر الفارسي أطيب من كل طيب، وربما ضاهى ريح المسك وهو جرد أشقر شعره إلى الصفرة وهو سديد كحيل العينين طويل الأذنين، قصير الذنب.
وأما فأرة الإبل: فليست بحيوان، وإنما هي رائحة تسطع من الإبل عند صدورها من الورود وهو يكون من طيب المرعى وقال الراعي وغيره يصف إبلا شعرا:
لها فأرة ذفراء كل عشية كما فتق الكافور بالمسك فاتقه