[ ٤٨ ]
وإنما ذكرناه مع ذوات الأربع من الوحوش، وإن كان ذا جناح لأنه عند المتكلمين في طبائع الحيوان ليس بطائر، وإن كان يبيض وله جناح وريش ويعدون الخفاش طيرًا وإن كان يحبل ويلد وله إذنان بارزتان وليس له ريش لوجود الطيران فيه ومراعاة لقوله:) وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بأذني فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذني (وهم يسمون الدجاجة طيرًا، وإن كانت لا تطير، والنعامة تسمى بالفارسية " اشترمرغ " وتأويل اشتر: جمل، وتأويل مرغ: طائر، فكأنهم قالوا جمل طائر، ولما وجد هذا الاسم ظن الناس أنها نتاج ما بين الإبل والطير، وبهذا أجري عليها في قولهم: قيل للظليم أحمل قال أنا طائر، قيل له: فطر قال: أنا جمل، ومما أكد عندهم القول بالتوكيد أنهم رأوا فيه من الجمل المنسم، والوظيف والعنق والكرش، والخف، والخرالة ومن الطير الريش والجناح، والمنقار، والبيض، ويشبه النعام بالإبل، تسمى الأنثى منها قلوصًا، وفي طبع النعامة أنها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين بيضة، ومن أعاجيبها أنه تضع بيضها طولًا حتى لو مد عليها خيط لما وجد لشيء منها خروج عن الآخر ثم يعطي كل بيضة منها نصيبها من الحضن إذ كان بدنها لا يشمل على عدد بيضها، وهي تخرج لطلب الطعم فتمر ببيض نعامة أخرى فتحضنه، وتنسى بيضها، ولعلها أن تصاد فلا ترجع إليه فهلك، ولهذا توصف بالموق والحمق، ويضرب المثل بها في ذلك، وعلى هذا ينشد قول ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفي زندًا شماخا
كتاركة بيضها. . . بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا
ويقال: أنها تقسم بيضها أثلاثًا منه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفاره غذاء ومنه ما تفتحه وتتركه للهواء حتى يعفن ويتولد من عفنه دود فتغذي به فراخها إذا خرجت، وهو من الحيوان الذي يتراوح، ويعاقب الذكر الأنثى في الحضن، وهو لا يأنس بالإبل ولا بالطير مع مشاركته لهما، وكل ذي رجلين إذا انكسرت له إحداهما استعان في نهوضه وحركته بالباقية ما خلا النعامة فإنها تبقى في مكانها جاثمة حتى تهلك جوعًا، قال الشاعر واصفًا هذه الحالة:
إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد على اختها نهضًا ولا بأستها حبوا ويقال: إن الحيوان الوحشي ما لم يعرف الإنسان لا ينفر منه إذا رآه ما خلا النعام شارد أبدًا وبه يضرب المثل في الشرود، وعظامه، وإن كانت عظيمة وشديد العدو بها لا مخ فيها، ولا مجرى بها تزعم العرب أن الظليم أصلم وإن لما كان كذلك عوض عن السمع بالشم فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه إلى السمع فربما كان على بعد فشم رائحة القناص على أكثر من غلوة، والعرب تضرب به المثل في شدة حاسة الشم قال الشاعر:
فهو يشم اشتمام الهيق
ولآخر:
أشم من هيق وأهدى من جمل
[ ٤٩ ]
وفسر بعض المعتنين بتفسير أمثال العرب قولهم) أحمق من النعامة (إن من جمقها إذا أدركها القانص أدخلت رأسها في كثيب رمل تقدر أنها قد اختفت منه، وهو قوي الصبر من الماء شديد العدو وأشد ما يكون عدوًا إذا استقبل الريح، وكلما كان أشد لعصوفها كان أشد حضرًا، وهو في عدوه يضع عنقه على ظهره ثم يخرق الريح، وهو يبتلع العظم الصلب والحجر والمدر والحديد فيميعه بحر قانصه حتى يصير كالماء، ويبتلع الجمر حتى ينفذه إلى جوفه فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، ولا يكون الجمر هو العامل في إحراقه، وفي ذلك أعجوبتان أحدهما التغذي بما لا يغذو، والآخر الاستمراء والهضم، وهذا غير منكر لأن السمندل وهو على ما زعم بعضهم دابة توجد ببلاد الهند، وبلاد السند دون الثعلب خلنجية اللون، حمراء العين، ذات ذنب طويل ينسج من وبرها مناديل إذا اتسخت القيت في النار المتأججة فيزول منه الزهم، ولا تحترق وببلاد الترك جرذان تسلخ جلودها، وتتخذ من وبرها مناديل إذا اتسخت غسلت بالنار بأن يلقى فيها ولا تحترق، وزعم آخرون أن السمندل طائر ببلاد الهند يبيض ويفرخ، وفيه من الخاصية أن يدخل النار ويخرج منها ولا يحترق ريشه، ويعمل جلده مناديل العمر فكما أن خاصية هذا الحيوان في ظاهره كانت خاصية النعام في باطنه، والباطن كله من الحيوان أنعم من الظاهر وقد حكى أبو عبيد البكري في كتاب المسالك والممالك لما ذكر قابس أن بعض أهل البادية دخل على أميرها بطائر على قدر الحمامة ذكر أصحابه أنهم لم يروه قبل ولا عهدوه، وكان فيه من كل لون، وهو أحمر المنقار فأمر بقص جناحيه، وأن يرسل في مصره فلما كان الليل أوقد بين يدي الأمير مشعل فلما رآه الطائر قصده وأراد الطلوع إليه، فلم يستطع النهوض فما زال يجهد نفسه حتى صعد إليه واستوى في وسطه وجعل يتفلى فيه كما يفعل الطائر في الشمس، فلما قضى وطره منه نزل، والنعام يصاد بالنار كما يصاد سائر الوحش فإنه إذا رآها دهش لها واعتراه فكر فيها فيقف وقوف حيرة فيتمكن منه الصائد حينئذ.