قال عبد اللطيف البغدادي في كتاب الحيوان له، الورل، والضب والحرباء وشحمة الأرض والوزغ كلها متقاربة متناسبة في الخلق، فأما الورلوهو الحرذون، فزعم أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: أنه ليس في الحيوان أكثر سفادا منه ولا أبطأ فيه، وهو ألطف من الضب، وأقوى براثا منه، وربما خرش بينهما فيغلب الورل الضب فيقتله لكنه إذا قتله لا يأكله كما تفعل الحية، وهو لا يتخذ بيتا لنفسه، ولا يحفر اتقاء لبراثنه، بل يخرج الضب من حجره صاغرا ويستولي عليه، وإن كان أقوى براثنا منه لكن الظلم يمنعه من الحفر، ولهذا يضرب المثل به في الظلم كما يضرب بالحية، فكلما يلقى ذو جحر من الحية يلقى مثله من الورل ويكفي من ظلمه أنه يغتصب الحية جحرها، ويبتلعها، وربما قتل فوجد في بطنه الحية العظيمة، وهو لا يبتلعها حتى يشدخ رأسها، ويقال: إنه يقاتل الضب على معنى الصائد والطالب، والضب يقاتله على معنى الحرج، والجاحظ يقول: الحرذون غير الورل وصفته أنه دويبة تكون بناحية مصر مليحة موشاة بألوان كثيرة ونقط، لها كف ككف الإنسان مقسومة أصابعها إلى الأنامل.
وأما الضب فيقال: إن له نزكين، وللضبة فرجين، كمال للورل والحرذون ويحكى أن أبا حية سئل عن ذكر الضب فزعم أنه كلسان الحية أصل واحد وله فرعان، والضبة إذا أرادت أن تخرج بيضها حفرت في الأرض أدحيا، ثم رمت البيض فيه، وطمته بالتراب وتعاهدته كل يوم حتى يخرج وذلك في أربعين يوما، وهي تبيض سبعين بيضة، وأكثر، وبيضه شبيه ببيض الحمام، ويخرج الحسل وهو الفرخ من البيضة مطيقا للكسب، والضب يخرج من جحره كليل البصر فيجلوه بالتحديق في الشمس، وهو يغتذي بالنسيم ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم، وقلة الرطوبات ونقص الحرارات، وبينه وبين العقارب مودة وهو يهبها في جحره لتلدغ المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، وقد أعطي في ذنبه من القوة نحو ما أعطيت العقارب في حمتها فربما ضرب به الحية فقطعها، ولا يتخذ جحره إلا في كرية جبلية خوفا من السيل والحافر، وكذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، لحفره في الصلابة وفي طبعه النسيان، وعدم الهداية، وبه يضرب المثل في الحيرة، ولذلك يتخذ جحره عند أكمة أو صخرة لئلا يضل عنه إذا خر يطلب الطعم منه، ويوصف بالعقوق وبه يضرب المثل في ذلك لأنه يأكل حسوله، وهو إذا أراد أكلها وقف لها من جحره في موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم بدأ فأكل منها حتى يشبع، وقد أشار بعض الشعراء إلى هذا في قوله يهجو:
أكلت بنيك أكل الضب حتى تركت بنيك ليس لهم عديد
وبعض المتكلمين في طبائع الحيوان ينكر ذلك، وإنما الضبة إذا دفنت بيضها يحفر عنها الظربان والثعلب فيأكلها، والضب طويل العمر وهو من هذه الجهة مناسب للحيات والأفاعي، ومن مناسبته لها أنه إذا هرم وعجز عن الحركة يبلع بالنسيم، وغني به عن الطعم والشرب، وفي طبعه أنه يرجع في قيئه، ويأكل بعره، وهو طويل الذماء بعد الذبح وهشم الرأس، ويقال أنه يمكث بعد الذبح ليلة ثم يقرب من النار فيتحرك.
قال بعض الشعراء يصفه وذكر أرضا:
ترى ضبها مطلعا رأسه كما مد ساعده الاقطع
له ظاهر مثل برد الوشى ويظن كما حسر الأصلع
هو الضب ما مد سكانه فإن ضمه فهو الضفدع
[ ٦٧ ]
وأما الحرباء: فدويبة أكبر من العظاية، اغيبر ما كان فرخا ثم يصفر، وهو يأوى الجحر، ولهذا جعلت له الأصابع والأظفار لنبش التراب، ويكون لونه أسود كالتمساح، وأصفر كسام وابرص ومختلط الألوان، كالفهد وهو في الشمس كثير التلون، فإذا انتقل إلى الظل قل تلونه، وإذا قارب الموت أو مات اصفر، وهو أبدا يطلب الشمس فحين تبدو نحا بوجهه إليها حتى إذا أرمضت الأرض علا رأس شجرة وما يجري مجراها، وذلك عند انتصاف فإذا زالت وصارت على رأسه في قبه وغاب عنه جرمها فلا يراه أصابه مثل الجنون فلا يزال طالبا لها لا يفتر إلى أن يتصوب إلى جهة المغرب، فيرجع بوجهه إليها مستقبلا لها لا ينحرف عنها إلى أن تغيب، فإذا غابت ذهب يطلب معاشه ليله كله إلى أن يصبح، حتى إن طائفة من المتكلمين في طبائع الحيوان يقول: إنه مجوسي، ولسانه طويل جدا مقدار ذراع، وذلك دليل على أنه يكون مطوبا في حلقه، وهو يبلغ به ما بعد عنه الذباب، والأنثى من هذا تسمى أم حبين، وتوصف بالحزم مع تقلبه مع الشمس لا يرسل يده من خوط حتى يمسك بالأخرى خوطا آخر بيده الأخرى وفيه يقال:
أنى أتيح له حرباء تنضبه لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا
وكتب بعض الفضلاء إلى بعض أصدقائه رسالة يحثه فيها على الحزم والانفة والتغرب عن وطنه إذا نبأ عنه: اعجزت في الاباء عن خلق الحرباء، أدلى لسانه كالرشاء، يبلغ به ما يشاء، وناط همته بالشمس، مع بعدها عن اللمس وانف من ضيق الوجار، ففرخ في الأشجار وسئم العيش المسخوط، فاستدبل خوطا بخوط فهو كالخطيب على الغصن الرطيب.
وإن صواب الرأي والحزم لامرئ إذا بلغته أن لا يتحولا