لم أجد في هذا النوع إلا رسالة كتبها أبو الخطاب الصابي إلى الحسين ابن صبره جوابا عن بقعة وردت عليه في وصل حمل أهداه إليه: وصلت رقعتك ففضتها عن خط مشرق، ولفظ موفق وعبارة وصيبة ومعان غريبة واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته وسحيان في خطاباته وذكرت فيها جملا جعلته بصفتك جملا، وكان كالمعيدي أسمع به ولا أراه، وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد من نتاج قوم عاد قد أفنته الدهور وتعاقبت عليه العصور فظننته أحد لزوجين اللذين حملهما نوح في سفينته وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر ولطف في القدر فبانت دمامته وتقاصرت قامته وعاد نحيلا ضئيلًا باليا هزيلا بادئ السقام عادي العظام جامعا للمعايب مشتملا على المثالب يعجب العاقل من حلول الروح فيه لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، لا توجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقي اليد منه إلا خشبا، لو ألقي للسبع لأباه أو طرح للذئب لعافه وقلاه، وقد أطال للكلأ فقده وبعد المرعى عهده لم ير القت إلا نائما، ولا الشعير إلا حالما، وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون خصب الشهر، فملت إلى استبقائه لما تعلمه من محبتي في التوفير ورغبتي في التشهير، وجمعي للولد وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للغناء، لأنه ليس بأنثى فيحمل، ولا بفتى فينسل ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى، فملت إلى الثاني من رأيك وعملت بالآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وألقمه رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وحددت الشفار، وشمر الجزار:
أعيذها نظرات منك صادقة إن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقال: وما الفائدة لك من ذبحي: وإنما كما قيل:
[ ٦١ ]
لم يبق إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت ليس لي لحم يصلح للأكل، فغن الدهر أكل لحمي، ولا جلدي يصلح للدبغ، فإن الأيام مزقت أديمي، ولا صوف يصلح للغزل، فغن الحوادث قد حصت وبري، وإن أردتني للوقود فكف بعر أدفء من ناري، ولن تفي حرارة برائحة قتاري، ولم يبق إلا أن تطالبني بذهل أو بيني وبينك دم، فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في شورته، ولم أعلم أي أموره أعجب؟ أمن مماطلته الدهر على البقاء؟ أم من صبره على الضر والبلاء، أم من قدرتك عليه من أعواز مثله؟ أم من إتحافك الصديق ينفذ في المعز والضأن وكل حمل ثمين، وكبش بطين مجلوب إليك، وموقوف عليك بقول فيه، فلا يرد، وتردفه فلا تصد، وكانت هديتك هذا الذي كأنه انشر من القبور أو أقيم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديا، لو أنك رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت تهدي إلا كلبا أجرب أو قردا أحدب.
وللمريمي في هذا المعنى:
ليت شعري عن الخوف الهزيل ألك الذنب فيه أم للوكيل؟
جاءني في الزنبيل حيا وقد شد . . . قضى في الزبيل
لم أجد فيه غير جلد وعظم وذنيب له دقيق طويل
ما أراني أراه يصلح إذا أصبح رسما على رسوم الطلول
لا لشيء ولا لطبخ ولا بي ع ولا بر صاحب وخليل
اعجف لو مطفل نال منه لغدا تائبا عن التطفيل