الأحسن في أوصاف الكلاب الأهلية على أن الناس قد نظموا في هذا كثيرا لا سيما العرب، فإنهم أهل الطعام وإكرام، وكانوا يسمون الكلب هادي الضمير وداعي الضيف، ومتهم النعم، ومشيد الذكر، بما يجلب من الأضياف بنباحه، والضمير: القريب من قولهم أضمرته البلاد أي غيبته وكانوا إذا اشتد البرد وهبت الرياح ولم تثبت النيران فرقوا الكلاب حول بيوتهم، وجعلوا لها مطاول، وربطوها على العمد لتتوحش فتهدي الطلاب بنباحها، وقال ابن هرمة في هذا المعنى وقد أهدى كلبا:
أوصيك خيرا به فإن له سجية لا أزال أحمدها
[ ٢٦ ]
يدل ضيفي علي في غسق ال ليل إذا النار نام موقدها
وله أيضًا من أبيات:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا يكلمه ترحبة وهو أعجم
وقال حاتم الطائي يفتخر:
وإذا تنور طارق مستنبح نبحت فدلته علي كلابي
وعوين يستعجلنه ولقينه يرشدنه بشراشر الأذناب
قوله: مستنبح يريد أن الضيف الطارق ليلا إذا لم يهتد إلى البيوت بنار ولا كلاب، وذلك لشدة البرد نبح، فإذا سمعت الكلاب نبيحه نبحث فيقصدها حيث كانت وعابه البديع الهمذاني
يزين حين يسمن ولا يتبع حين يشبع
وعند الجوع يهتم بالرجوع
ومما تختص به الكلاب السلوقية من الوصف، قال أبو إسحاق الصابي من رسالة: ومعنا كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب، حلو الشمائل نجيب المخامل حديد الناظرين اغضف الأذنين، أسيل الخدين، مخطف الجنبيبن عريض الزور متين الظهر أبي النفس ملهم الشكر لا يمس الأرض إلا تحليلا، وإيماء، ولا يطؤها إلا بإشارة وانحناء، ولبعض الأندلسيين يصفه من رسالة: فحللناه من ساجوره، وأطلقناه، فبلغنا إلى سروره، ومر يخفي شخصه غباره في سدفة سفرته تارة من النصف الطامحة العيون، والهرت اللاحقة البطون معرق في نجابته منعم مخول في فراهته يسمع منك إيماء، ويفهم عنك إيماء المشي، فلا يمس الأرض بأربعة، ويجري فلا يسبقه الريح إلى منزعه:
إذا عدا واشتد في طلابه يكاد أن يخرج من إهابه
وقال:
متقد كالنار في التهابه لا يطعن الصيد بغير نابه
أعده للحرب من جرابه فكل من يرمي به لمأبه
ومن المنظوم في ذلك قول ذي الرمة من أبيات يصفه بسرعة الحضر من أبيات:
كأنه كوكب في إثر عقربه سوم سوداء الليل مغتصب
وقال آخر يصف كلبا:
أنعت كلبا يكسر اليحمورا مجربا مدربا صبورا
يأنف أن يشاكل الصقورا منفردا بصيده مغيرا
ذا شية تحسبها حريرا قد حبرت نقوشها تحبيرا
إذا جرى حسبته المقدورا يكاد للسرعة أن يطيرا
حتفا لمن عن له أسيرا أعجز أن يرى له نظيرا
وقال أبو نؤاس يصف كلبا:
هجنا بكلب طالما هجنا به ينتسق المقود من جذابه
كأن متينه لدى انسلابه متنا شجاع لج في انسيابه
كأنما الاظفور في قنابه موس صناع رد في نصابه
تراه في الحضر أذاها هي به يكاد أن يخرج من أهابه
ترى سوام الوحش إذ تحوي به يرحن أسرى ظفره ونابه
وقال الناشئ قافيا أثره وواردا نهره:
واغضف عيشي من عذابه براح أن يدعي ليغتذي به
روحه ذي النشوة من شرابه يخط بالبراثن في ترابه
خط يد الكاتب في كتابه ملتقطا للخطو في انتدابه
لقط يد الماهر في حسابه يستأسر المعظم عن طلابه
في نأيه عنه وفي اقترابه تسلبه الحتفة من أسلابه
ولا يحس ما به لما به ينتصل الاظفور من قنابه
كما يسل السيف من قرابه تخاله ماجد في التهامه
مجردا بالحضر من أهابه
وقال أبو الطيب المتنبي:
فحل كلابي وثاق الاحبل عن أشدق مستوجر مسلسل
اقب ساط شرس شمردل مؤجد الفقرة رخو المفصل
له إذا أدبر لحظ المقبل يعدو إذا أحرز عدو السهل
إذا تلا جاء المدى وقد تلي يقعي جلوس البدوي المصطلي
بأربع مجدولة لم تجدل فتل الأيادي رابذات الأرجل
أثارها أمثالها في الجندل يكاد الوثب وفي التفتل
يجمع بين متنه والكلكل وبين أعلاه وبين الأسفل
شبيه وسمي الحضار بالولي كأنه مصور من جندل
موثق على رماح ذبل ذي ذنب أجرد غير أعزل
يخط في الأرض حساب الجمل كأنه من جسمه. . . بمعزل
نيل المنى وحكم نفس المرسل وعقلة الظبي وحتف التتفل
لا يأتلي في تركه لا يأتلي مقتحما على المكان الأهول
حتى إذا قلت له نلت افعل افترعن مذروبة كالانصل
لا تعرف العهد بصقل الصيقل مركبات في العذاب المنزل
كأنها من سرعة في الشمأل كأنها من ثقل في يذبل
[ ٢٧ ]
كأنها من سعة في هوجل كأنه من علمه. . . بالمقتل
وعلم بقراط. . . فصاد الأكحل فصار ما للقفز للتجدل
وصار ما في جلده في المرجل فلم يضرنا معه فقد الأجدل
وقال آخر يصف كلبًا من أرجوزة:
منسوبة كريمة العراق ضارية مشعلة الاحداق
تخالها في حلق الأطواق ضواحكا من سعة الأشداق
وقال ابن هذيل الأندلسي:
واغضف تلقى أنفه فكأنما يقود به نور من الصبح نير
إذا لهبته شهوة الصيد طامعًا رأيت عقيم الريح عنه تقصر
وقال أبو إسحاق بن خفاجة الأندلسي يصفه:
وأخطل لو تعاطى سبق ريح لطار من النجاح بلا جناح
يسوق الأرض يسأل عن بنيها فتخير أنفه عنها الرياح
أقب إذا طردت به قنيصا تنكب قوسه الأجل المتاح
وله:
ومورس السربال يخلع قده عن نجم رجم في سماء غبار
تستن في سنن الطريق وقد عفا قدمًا فيقرأ أحرف الآثار
عف الغمور سراته فكأنه والنقع يحجبه هلال سرار
يفتر عن مثل النصال وإنما يمشي على مثل القنا الخطار
ولآخر:
ومؤدب الاساد يمسك صيده متوقفًا عن أكله كالصائم
صب إذا ما صاد عانق صيده طرب المقيم إلى لقاء القادم
ولآخر:
وما الضبي منها في حشاشة نفسه ولكنه كالطفل في حجر أمه
يلازمه دون اخترام كأنما تعلق خصم عند قاض بخصمه