إنسان من غير أب ولا أم، وإنسان من أب لا غير، وإنسان من أم لا غير، وإنسان من أب وأم.
الضرب الأول:
[ ٢ ]
إنسان من غير أب ولا أم وهو آدم - ﵇ - خلقه من تراب، وركب فيه روحا مؤيدا بالعقل ليقارن في العبادة من جعلت السماء مركزًا له وهم الملائكة، ونفسا متسلطة بالشهوة ليقارن في التناسل من جعلت الأرض مركزا له وهم الحيوانات، ومبدأ خلقه أن الله تعالى لما أراد إبرازه من العدم إلى الوجود، وامتحان إبليس له بالسجود قلبه في سنة أطوار، طور التراب وهو قوله تعالى:) ومن آياته أن خلقكم من تراب إذا أنتم بشر تنتشرون (وطور الحمأ وذلك قوله تعالى:) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون (، وهذا الكلام يقتضي التقديم والتأخير، لأن الطين لا يكون صلصالا إلا بعد أن يكون حمأ، يقتضي ذلك، قال الزمخشري معناه) من صلصال كائن من حمأ (فيكون صفة لصلصال، وطور الطين اللازب وذلك قوله تعالى:) فاستفتهم أهم أشد خلقا من خلقنا، إنا خلقناهم من طين لازب (، وطور الصلصال وذلك قوله تعالى:) خلق الإنسان من صلصال كالفخار (، ولما كان في هذا الطور كان إبليس إذا مر به، وقف ليتأمله، وفي رواية يركذه برجله، ويقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ويقال كان يدخل من فيه، ويخرج من دبره لأنه كان أجوف، وطور التسوية وهو جعل الخزفة التي هي الصلصال عظما ولحما ودما، وإنما كانت الأطوار على هذا الترتيب لأن التراب الذي هو المبدأ الأول كان متفرق الأجزاء فجبل بالماء حتى اجتمعت أجزاؤه، فصار حمأ مسنونا أي طينا مائعا متغير الرائحة إذ من عادة الماء إذا خالطه شيء غير لونه وطعمه وريحه لا سيما إذا كان ما خالطه ترابا، ثم ترك الحمأ برهة حتى نقصت رطوبته، واشتد فصار طينا وهو المستقر على حالة من الاعتدال يصلح لقبول الصورة، واللازب الذي يلصق بما لامسه، وهو اللازم أيضا، وفي هذا الطور كان تخطيط الصورة وتشكيلها، وتقدير أعضائها، وتفصيلها، ثم ترك الطين حينا صار صلصالا كالفخار، وهو الطين الذي أصبح خزفا وترك حتى جف وسمعت له صلصلة، أي صوت كما يسمع للفخار إذا طبخ بالنار، ثم كانت التسوية وهي إحالة هذه الخزفة إلى جسم حيواني يصلح مسكنا للروح الروحاني وكل طور من هذه الأطوار على ما حكاه ابن منده، أربعون سنة فيكون مجموع كونه حمأ مسنونا إلى أن صار طينا لازبا، إلى أن صار صلصالا كالفخار ثم إلى سوي مائة وعشرون سنة من سني الدنيا، ثم نفخ فيه الروح فصار حيا ناطقا وقال علي ﵇، مشيرا إلى ما أودع جسد آدم ﵇ من أسرار التخليق: جمع سبحانه من حزن الأرض، وسهلها وعذبها، وسبخها تربة شنها بالماء حتى اختلطت، ولاطها بالبلة حتى لزبت فجبل منها صورة ذات احناء ووصول، وأعضاء وفصول، أجمعها حتى استمسكت، وأجلدها حتى صلصلت لوقت معدود وأجل محدود ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يتخيلها وفكر يتصرف فيها، وجوارح يختدمها وأدوات تقلبها، فيعرف بها الأذواق والمشام والألوان، والأنواع والأجناس، وبهذا الاعتبار تكون تمام الحكمة الآلهية في تخليق الإنسان أظهر مما في سائر المخلوقات، لأنه خلقه من ضدين متباينين، وجوهرين متغايرين، وذلك أن الروح علوي، والبدن سفلي والعلوي والسفلي ضدان، والروح نوراني، والجسد ظلماني والنور والظلمة ضدان " والروح لطيف والبدن كثيف واللطافة والكثافة ضدان " والروح سماوي والبدن أرضي، والسماوي والأرضي ضدان، ويستظرف قول أبي إسحاق الصابي في معنى هذا:
جملة الإنسان جيفة وهيولاه سخيفة
فبماذا ليت شعري قبل النفس الشريفة
إنما ذلك فيه حكمة الله اللطيفة
وقال آخر:
من أين للطين القيام بنفسه أو أين للفخار أن يتكلما
لو لم يكن روح الحياة تمده ما كان من أسمائه يتعلما
وقال آخر:
لم يكن الون غير نكر سلافة الكرم عرفته
فآدم أصله تراب ونفخة الروح شرفته
الضرب الثاني
[ ٣ ]
إنسان خلق من أب لا غير وهي حواء ﵍، ويذكر الاخباريون في مبدأ خلقها أن آدم ﵇ نام في الجنة، ثم استيقظ فرأى حواء إلى جانبه فقال: يا رب ما هذه؟ قال: زوجك تسكن إليها خلقتها من ضلعك القصراء التي في جانبك الأيسر، ولهذا يوجد عدد أضلاع الجانب الأيمن في الرجل اثنا عشر وعدد أضلاع الجانب الأيسر أحد عشر، وقد خرج البخاري في صحيحه مصداق ما ذكر أن النبي ﷺ قال:) استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضل وإن أعلى الضلع أعوج وإنك إن قومته كسرته، وإن تركته استمتع به على عوج فيه (.
الضرب الثالث: إنسان من أم لا غير وهو عيسى ﵇ قال الله تعالى) إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب (. ذهب بعض المفسرين للكتاب العزيز أن الله تعالى لما خلق آدم، بقي من التراب الذي خلقه منه جزء، وقال آخرون لما تم خلقه عطس فسقط من أنفه تراب فلما أراد خلق عيسى ﵇ بعث جبريل إلى مريم ﵍ فنفخ ذلك التراب في فرجها، وهو جيب درعها أو ذيلها، فحملت بعيسى من ساعتها، وجاءها المخاض إلى جذع النخلة فوضعته عندها، وهذه السرعة في الحمل والوضع نتيجة قوله تعالى:) كن فيكون (، والمستقبل في موضع الحال، وقيل في مدة الحمل ثمانية أشهر ولا يمكن هذا الحمل لغيره لأنه لا يعيش ولد لثمانية، وقيل سبعة أشهر، وقيل ستة أشهر، وقيل ثلاث ساعات حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، وقال ابن عباس كانت مدة الحمل ساعة واحدة كما حملته نبذته، وقيل حملته وهي بنت ثلاث عشر سنة وقيل عشر سنين ويؤيد القول الأول قوله تعالى:) إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه (، والكلمة كن، وبهذه الكلمة صار التراب المتفرق الأجزاء جسدا ملتئما ذا عظم ولحم وعصب وعروق ودم، قابلا لنفخ الروح فيه، ومعنى وروح منه أي: من عنده.
الضرب الرابع:
[ ٤ ]
إنسان من أب وأم، هو الذي خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، يعني من صلب، وترائب الأم، ودافق بمعنى مدفوق، وقال الله تعالى:) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى (يعني آدم وحواء ولهذا قال أرباب العقول الصافية والأذهان الوافية: إن آثار التركيب في البشر أكثر مما هي في الملائكة لأنهم خلقوا من شيء واحد وهو النور والبشر خلقوا من جوهرين الروم والبدن، وظهروا من اثنين الأب والأم وركبوا من شيئين المني والدم، وغذوا بغذائين الطعام والشراب فهم أكمل وأتم وهذا الضرب تم بعد أن تم عليه ستة أطوار أيضا، وهي النطفة ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم كسوة العظام لحما، ثم الإنشاء، وهو نفخ الروح فيه قال الله تعالى:) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضعة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر (أي: حيا ناطقا، أما قوله) من سلالة من طين (فذهب بعض المفسرين للكتاب العزيز إلى أن هذا القول إشارة إلى آدم ﵇، ثم ذكر نسله ونبه على أنهم مخلوقون من نطفة وذهب بعض الحذاق: منهم إلى مراده بالطين الأغذية التي استحالت دما بعد أكلها لأن منبتها فيها ثم استحال الدم منبتا لحركة الوقاع والجماع وبهذا يكون مبدأ الإنسان من النطفة، ويكون في مقابلة التراب لكونها مواتا وهي إذا وقعت في الرحم امتزجت بمني المرأة فصار شيئا واحدا، ثم يكون بعد أيام قلائل بطبخ الرحم له علقة وهي دم قدمه جفاف ما، وهو في مقابلة الحمأ المسنون فما فيه من الاختلاط والامتزاج ولا تزال حرارة تدأب في التخفيف حتى تصير العلقة مضغة بعد برهة، وهي في مقابلة الطين اللازب الذي يمكن معه قبول الصورة ثم يكون عظاما بعد حين وهي مقابلة الطين الصلصال، لاستحكام الجفاف، واليبس عليها بحيث أنها إذا قرعت صلت، فإذا صارت عظاما كسيت لحما فاشتد به البدن واعتدل واشتد ما بين العظام من الخلل، وهذه في مقابلة، فإذا سويته، وقوله ثن أنشأناه خلقا آخر، في مقابلة ونفخت فيه من روحي، ومقدار كل طور على ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، أربعون يوما إلا أنه لم يذكر غير ثلاثة أطوار وهي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فذلك مائة وعشرون يوما فإنه قال ﵇:) إن أحدكم يجمع مثل ذلك ثم يرسل الله ﷿ إليه الملك فينفخ الروح، ويؤمر بأربع كلمات، رزقه، وأجله وعمله، وسعيد أم شقي، وفي رواية أن الملك يقول: يا رب ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ فيقول الله ﷿ ويكتب الملك (ولهذا السر جعل الشارع عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا لإستبراء الرحم فيها.