قال الله تعالى:) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا (. فعلم بهذه الآية أن الإنسان صفوة العالم وخلاصته وسلالته، وخاصته، ونخبته، وثمرته، وزبدته فمن أدوات التكريم فيه قول الله تعالى:) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه (ومن خلقت من أجله، وسببه جميع المخلوقات علويها وسفليها، خليق بأن يرفل في ثياب الفخر على من تعداه، وتمتد إلى اقتطاف زهرات النجوم يداه ومنها أنه واسطة بين شريف وهو الملائكة، ووضيع وهو الحيوان ولأجل ذلك، جمع فيه قوى العاملين، وأهل لسكنى الدارين، فهو كالحيوان في الشهوة والغذاء، وكالملائكة في العلم، والعقل، والعبادات، ووجه الحكمة فيه أنه تعالى لما رشحه لعبادته وخلافته في عمارة أرضه وهيأة مع ذلك لمجاورته في جنته ودار كرامته، جمع فيه القوتين، فإنه لو كان كالبهيمة معرى عن العقل لما صلح لخلافة الله تعالى، وعبادته، ومجاورته في جنته كما لم تصلح البهائم، ولو خلق كالملائكة معرى عن الحاجة البدنية لم يصلح لعمارة أرضه كما لم تصلح الملائكة لذلك.
ومنها أنه خصه برتبة النبوة، واقتضت الحكمة الإلهية أن تكون شجرة النبوة صنفًا مفردًا ونوعًا واقعًا بين الإنسان والملك، ومشاركًا لكل واحد منهما على وجه فإنه كالملائكة في الاطلاع على ملكوت السماوات والأرض، وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب ومثله واقعًا بين نوعين، مثل المرجان مكونه شبيهًا للنبات والمعدن فإنه بما فيه من الحجرية يشبه المعدن، وبما فيه من النمو وتشذب الأغصان يشبه النبات ومنها أنه إذا طهر من نجاسته النفسية، وقاذوراته البدنية جعل في جوار الله تعالى يكون حينئذ أفضل من الملائكة لقوله تعالى) والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (وفي الحديث) الملائكة خدم أهل الجنة (.