بسم الله الرحمن الرحيم
ثنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي ثعلب قال: حدَّثني عمر بن شبة قال: حدثني عبيد بن جناد ثنا عطاء بن مسلم عن أبي جناب الكلبي قال: أتيت كربلاء، فقلت لرجلٍ من أشراف العرب بها: بلغنا أنكم تسمعون نوح الجن؟ قال: ما تلقى حرًا ولا عبدًا إلا أخبرك أنه سمع ذلك. قلت: فأخبرني ما سمعت أنت. قال: سمعتهم يقولون:
مسح الرسول جبينه فله بريقٌ في الخدود
أبواه من عليا قري شٍ جده خير الجدود
حدَّثنا أبو العبَّاس ثنا عمر بن شبة قال حدثني عبيد قال أخبرني عطاء بن مسلم قال: قال السدي: أتيت كربلاء أبيع البز بها، فعمل لنا شيخ من طي طعامًا، فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلت: ما شرك في قتله أحد إلا مات بأسوأ ميتة. فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق، فأنا فيمن شرك في ذلك. فلم نبرح حتى دنا من المصباح وهو يتقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه فأخذت النار فيها، فأخذ يطفئها بريقه، فأخذت النار في لحيته، فعدا فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأنه حممه.
حدَّثنا أبو العبَّاس ثنا عمر بن شبة، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن مضرب بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، عن أبيه عن جده، قال: خرج كعب وبجير ابنا زهيرٍ إلى رسول الله ﷺ، حتى بلغا أبرق العزاف فقال لبجير: الق هذا الرجل وأنا مقيم لك ها هنا فانظر ما يقول. قال: فقدم بجير على رسول الله ﷺ فسمع منه فاسلم، وبلغ ذلك كعبًا فقال:
ألا أبلغا عني بجيرًا رسالة على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلقٍ لم تلق أمًا ولا أبا عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
قال فبلغت أبياته رسول الله ﷺ فأهدر دمه، وقال: " من لقى منكم كعب بن زهيرٍ فليقتله ". فكتب إليه بجير أخوه: إن رسول الله ﷺ قد أهدر دمك. ويقول له: انج وما أرى أن تنفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك يأمره أن يسلم ويقبل إلى رسول الله ﷺ، ويقول له: إنه من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قبل منه رسول الله وأسقط ما كان قبل ذلك. فأسلم كعبٌ وقال القصيدة التي اعتذر إلى رسول الله ﷺ فيها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
[ ١ / ٦٨ ]
ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﷺ قال: وكان مجلس رسول الله ﷺ في أصحابه مكان المائدة من القوم، حلقةً ثم حلقة ثم حلقة، وهو في وسطهم، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم، ثم على هؤلاء ثم هؤلاء، فأقبل كعبٌ حتى دخل المسجد، فتخطى حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، الأمان. قال: ومن أنت؟ قال: كعب بن زهير. قال: أنت الذي تقول، كيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ:
سقاك أبو بكر بكأسٍ روية وأنهلك المأمور منها وعلكا
فقال: ليس هكذا قلت يا رسول الله، إنما قلت:
سقاك أبو بكرٍ بكاسٍ روية وأنهلك المأمون منها وعلكا
فقال رسول الله ﷺ: " مأمونٌ والله "، وأنشده:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
حتى أتى على آخرها.
وحدثنا أبو العبَّاس ثنا ابن شبة، حدَّثني إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدَّثني معن بن عيسى أنبأنا محمد بن عبد الرحمن الأوقص، عن ابن جدعان قال: أنشد ابن زهير رسول الله ﷺ في المسجد الحرام:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
حدَّثنا أبو العبَّاس قال حدَّثني ابن شبة قال: حدَّثني إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة قال: أنشد كعب رسول الله ﷺ في مسجده بالمدينة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
فلما بلغ:
إن الرسول لسيفٌ يستضاء به مهنَّذ من سيوف الله مسلول
في صحبةٍ من قريشٍ قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كشف لدى اللقاء ولا ميلٌ معازيل
أشار رسول الله ﷺ إلى الحلق أن يسمعوا شعر كعب بن زهير.
وحدثنا أبو العبَّاس، حدَّثني ابن شبة، حدَّثني إبراهيم، حدَّثني محمد بن الضحاك قال: سمعت أبي يقول: عن " قائلهم " الذي عنى كعب بن زهيرٍ، عمر بن الخطاب.
وقال أبو العباس: تضعضع القوم: تفرقوا؛ وتضعضعوا: اتضعوا وتواضعوا. ويقال " هو يحفنا ويرفنا "، فيحفنا: يقوم بأمرنا؛ ويرفنا يطمعنا ويسقينا. ويقال هذا فعال بالفتح، ولا يقال فعال بالكسر.
ويقال شملت الريح إذا هبت شمالًا. وأشملنا نحن إذا دخلنا في الشمال. وكذلك أشمل يومنا إذا دخل أيضًا في الشمال. ويقال كنا في شمال فأجنبنا، وكنا في جنوبٍ فأشملنا، إذا انقلبت من حال إلى حال دخلت فيه كذلك.
وقال أبو العبَّاس: كان الفراء يكره أن يجعل بئسما ولعلما حرفًا واحدًا. وعند هؤلاء ليتما ولعلما وكل هذه الحروف شيء واحد، وما بعدها استئناف.
ويقال فلج الرجل على خصمه يفلج فلجًا وفلوجًا.
ويقال ماء سجسٌ وسجوس، إذا كان متغير الطعم.
وقال: الملك يقال له العزيز.
وأنشد:
فلما التقي الحيان واشتجر القنا نزالًا وأسباب المنايا نزالها
تبين لي أن القماءة ذلةٌ وأن أعزاء الرجال طوالها
وأنشد أبو العبَّاس:
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم لتطلب العلات بالعيدان
بل يبسطون وجوههم فترى لها عند السؤال كأحسن الألوان
وإذا دعوا لنزال يوم كريهة سدوا فجاج الأرض بالركبان
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ردوه رب صواهل وقيان
وقال أبو العباس: الشرمح: الطويل الذي لا خير فيه.
وأنشد:
أعيني إن كان البكا رد هالكًا على أحدٍ قبلي فلا تتركا جهدا
وجودا بأهمال الدموع لعلها ترد حبيبًا صرت من بعده فردا
وأنشد:
وما شنتا خرقاء واهية الكلى سقى بهما ساق ولما تبللا
بأضيع من عينيك للدمع كلما توهمت ربعًا أو توهمت منزلا
وأنشد:
وما كل كلب نابح يستفزني ولا كلما طن الذباب أراع
وأنشد:
لقد جل قدر الكلب إن كان كلما عوى وأطال النبح ألقمته الحجر
وأنشد:
أو كلما طن الذباب زجرته إن الذباب إذا على كريم
وأنشد:
يروم أذى الأحرار كل ملاومٍ وينطق بالعوراء من كان أعورا
وأنشد:
[ ١ / ٦٩ ]
إني إذا ما لم تصلني خلتي وتباعدت مني اعتليت بعادها
وحدثنا أبو العباس قال: حدثني عمر بن شبة، قال في قول الأعشى:
ونبيت قيسًا ولم آتِهِ وقد زعموا ساد أهل اليمن
فعيب عليه - أو عابه قيس نفسه - فرده قال
ونبيت قيسًا ولم آتِهِ على نأيه ساد أهل اليمن
وحدثنا أبو العباس قال: قال عمر بن شبة: وقف ابن الزبير على باب ميَّة، مولاة كانت لمعاوية ترفع حوائج الناس إليه. قال: قلت: يا أبا بكر، على باب مية؟ قال: نعم، إذا أعيتك الأمور من رؤوسها فأتها من أذنابها. قال: وأتى مية عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بقرطاس فقال: فيه حاجة لي فارفعيها إلى أمير المؤمنين. فرفعته إلى معاوية فقال: يا مية، ما أحسب هذا الرجل إلا كاذبًا. قالت: لا تفعل يا أمير المؤمنين، ما يقول إلا حقًا. قال: أتدرين ما كتب؟ قالت: لا والله. فقرأ عليها:
سائلًا مية هل نبهتها بعد ما نامت لعرد ذي عجر
فتخاجت فتقاعست لها جلسة الجازر يستنجى الوتر
فقالت: كذب، عليه لعنة الله.
وقال: حدثني أبو سلمة الغفاري قال: رأيت حلية المهدي وحلية الرشيد، ورأيت حلية محمد بن سليمان فما رأيت مثلها.
وقال أبو العباس: نزلت بسحسحه، وعقوته، وعرصته، وعَذرته، وساحَتِه، وعَقَاته، وعقاره وعيقته وعراقه وعراه وعراته وعرقاته، وحراه وقصاه، ليس فيها شيء مهموز الألف.
وحدثنا أبو العباس قال: قال ابن الأعرابي: قال عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص - أخو مروان بن الحكم - في يوم راهط:
لحا الله قيسًا عيلان إنها أضاعت فروج المسلمين وولت.
أتُرجعُ كلْبٌ قد حَمَتْها رِماحُها وتُتْركَ قْتلى راهطٍ ما أجنَّت
فشاوِلْ بقيسٍ في الطَعاَن ولا تكن أخاها إذا ما المشرفيَّةُ سُلّتِ
ألا إنَّما قيسُ بن عَيلانَ قملة إذا شربَتْ هذا العصيرَ تغنَّتِ
قال: وسمع هشامُ بنُ عبد الملك زيدَ بن عليٍ يقول: " ما أحَبَّ الحياة أحد قط إلا ذل ". قال: فخافه منذ سمع ذلك منه.
قال: وكان الحسين بن زيد بن علي يلقب ذا الدمعة، وذلك لكثرة بكائه، فقيل له في ذلك، فقال: وهل تركت النار والسهمان لي مضحكًا؟ ! يريد السهمين اللذين أصابا زيد بن علي ويحيى بن زيد وقتل بخراسان.
وكان من كلام عليٍ كثيرًا ما يقول في حروبه: " اللهم أنت أرضى للرضا وأسخط للسخط، وأقدر أن تغير ما كرهت، وأعلم بما يقدر على، لا تغلب على باطل، ولا تعجز عن حق، وما أنت بغافل عما يعمل الظالمون ".
قال: وقال أبو زيد: تقول العرب: نؤت بالحمل أنوء به نوءًا، أي نهضت به؛ وناء بي الحمل، أي نؤت به نهوضًا. ويقال ناء النجم ينوء نوءًا، إذا سقط. ويقال نأت الرجل ينئت نئيتًا، وأن يئن أنينًا، وهما واحد، غير أن النئيت أجهرهما صوتًا. وأنت الرجل يأنت أنيتًا، وهو مثل النئيت. وتقول نأم الرجل ينئم نئيمًا، وهو مثل الأنين. وتقول نأم الأسد ينئم، نئيمًا، وزأر يزئر، والنئيم أهون من الزئير. ويقال أنأت اللحم أنيئه إناءةً، وأنهأته إنهاءً، وهو مناءٌ، مثل مناع، ومنهأٌ، مثل منهع، ويقال قد ناء اللحم ينيء نيئًا، ونهيء اللحم ينهأ نهئًا ونهاءة ونهوءة، وأنأته أنا إناءة.
ويقال نسأت اللبن أنسؤه نسأ، وذلك أن تأخذ حليبًا فتصب عليه ماءٍ؛ والإسم النسىء غير مشدد، وقال أبو حاتم: الأسم النسيء وأنشد:
سقوني النسء ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور
وحدثنا أبو العبَّاس قال: قال ابن الأعرابي: وأنشدني رؤبة:
خارجة أعناقها من معتنق
فيعني أعناق هذه الجبال لاث بها السراب فالتف بها فلم يبلغ أعاليها، أي أعتنقها السراب.
ويقال رجل رجلان ورجل، رجل، إذا كان راجلًا.
ويقال أحففت رأسي، إذا فعلت ذلك به، ويقال أحف رأسه وحف رأسه إذا أقل الدهن. ويقال حفي به يحفى حفاوة، من قوله ﷿: " إنه كان بي حفيًا ".
وإنه ليخطر في مشيه ويخطر.
قال: والحرش: أن يجيء الرجل فيحرك يده، يمسحها على جحر الضب، فيخرج ذنبه يرى أنه حية فيخرج ذنبه ليضربها، فيأخذ الرجل بذنبه. وأما بيت الهذلي:
وإذا طرحت له الحصاة رأيته ينزو لوقعتها طمور الأخيل
[ ١ / ٧٠ ]
يقول: إذا ألقيت له الحصاة وهو نائم انتبه، من ذكاء قلبه.
ويقال قد شمرج الكلام، إذا كذب. ويقال لفلان على فلان ريم، إذا كان له عليه فضل. ويقال إنه لتاك فاك ماج، لا ينبعث من الكبر، يعني البعير. وقد يوصف به الرجل.
ويقال " نعوذ بالله من الحور بعد الكور "، يعني من الإنتقاص والإنتكاس بعد الاستقامة والفضل.
قال: وقال اللحياني: يقال طخرور وطحرور، للسحابة وغيرها. ويقال شرب حتى اطمخر واطمحر، إذا امتلأ. هو يتخوف ما لي ويتحوفه، يأخذ من أطرافه وينتقصه.
ويقال ما في السماء طخرورة وطحرورة، وطخر وطحر. ويقال ما في السماء طخاءٌ وطحاءٌ، وهو لطخ من الغيم رقيقٌ.
ويقال دربخ ودربح، إذا انحنى ظهره.
وقال أبو عبيدة: مخسول ومحسول، أي مرذول.
ويقال قد حبج وخبج إذا ضرط.
ويقال انتسف لونه وانتشف، واحتمس الديكان واحتمشا، إذا اقتتلا. ويقال حمس الشر وحمش، إذا اشتد. ويقال سننت عليه الماء وشننت. وقال الأصمعي: وسننت: صببت، يقال سن الماء على وجه، إذا صبه. وشننت فرقت، يقال شنوا عليهم الغارة، إذا فرقوها. ويقال تنسمت منه علمًا وتنشمت، أي أخذت. وعطس فسمته وشمته. وأتيته بسدفه من الليل وشدفة، وسدفة وشدفة، وهو السدف والشدف. وقد جاحش في القتال وجاحس، عن الأصمعي. ويقال رجل غديان وعشيان، وصبحان وقيلان وغبقان، من الصبوح والقيل والغبوق. وحكى: " صرفانة ربعية، تصرم بالصيف وتؤكل بالشتية ".
ويقال رأيت خيال إنسانٍ، وخيالة إنسان، ومخيلة إنسان. والخال من السحاب، والخال من الخيلان، والخال اللواء يعقد للأمير. ويقال إنه لذو خالٍة وذو خالٍ من الخيلاء. ويقال إني أتخيل فيك الخير وأتخول وأخيل، ساكنة الياء. وذهب القوم أخول أخول، أي متفرقين متبددين. ورجل أخيل وأشيم من الخيلان والشامة، وقوم خيل وشيم.
والحال يذكر ويؤنث. والتمر والبر والشعير والذهب والخيل والمطى، تذكر وتؤنث. والإبل والفلك والشجر والسلم، يذكر ويؤنث. وقال أبو العباس في قوله ﷿: " وكنت نسيًا منسيًا " قال: النسي خرق الحيض التي يرمى بها، أي وكنت هذا فيرمي بي.
وقال: رجل ناس ونسي، من النسيان، مثل حاكم وحكيم، وعالم وعليم، وكذلك المرأة ناسية ونسية، مثله.
وفي الخبر: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " قال: هو مثل قوله: لا يقطع اللص الطريق، وهو الذي يقول: هذا متاعي وهذا لي. ولا يعرب عن نفسه: لا يقر.
وأنشد:
كأن لها في الأرض نسْيًا تَقُصُهُ على وجهها إن تخاطبك تبلت
أي تقطع الكلام وتبينه. ونسيًا: شيئًا قد نسيته فهي تطلبه.
وقال أبو العباس: قال أهل البصرة ما عبد الله " قائمًا "، مشبه بليس، وإذا جاز ذا المعنى ردوه إلى الأصل، فقالوا ما عبد الله إلا قائم، وما قائم عبد الله. هذا مذهبهم، فأما ما قائمًا فليس يلزمهم. وأنشد الفراء:
قد سؤَّأَ الناس ما يا ليس بأس به واصبح الدهر ذو العرنين جدعا
فجعل ليس تقوم مقام التبرئة. وهكذا ينشد الفراء. وهذا شاذ فشبهوه بالشاذ، فهذه لغة الحجاز مشهورة. وبها نزل القرآن.
وقال: قال الكسائي وسيبويه " هو " من: " قل هو الله أحد " عماد. فقال الفراء: هذا خطأ. من قبل أن العماد لا يدخل إلا على الموضع الذي يلي الأفعال، ويكون وقاية للفعل مثل إنه قام زيد، ثم يستعمل بعد فيتقدم ويتأخر، والأصل " في " هذا إنما قام زيد. فالعماد ك " ما ". وكل موضع فعلى هذا جاء يقي الفعل، وليس مع " قل هو الله أحد " شيء يقيه.
حدثنا أبو العباس، حدثني عمر بن شبة، حدثني الأصمعي قال: سمعت بيتين لم أحفل بهما، ثم قلت هما على كل حال خير من موضعهما من الكتاب. قال: فإني لعند الرشيد يومًا وعنده عيسى بن جعفر، قال: فأقبل على مسرور الكبير، فقال: يا مسرور، كم في بيت مال السرور؟ فقال: ليس فيه شيء. قال: فقال عيسى: هذا بيت الحزن. قال: فاغتنم لذلك الرشيد وأقبل على عيسى، فقال: والله لتعطين الأصمعي سلفًا على بيت مال السرور ألف دينار. قال: فاغتنم عيسى وانكسر قال: فقلت لنفسي: جاء موضع البيتين. فأنشدت الرشيد:
إذا شئت أن تلقى أخاك معبسا وجداه في الماضين كعب وحاتم
فكشفه عما في يديه فإنما يكشف أخبار الرجال الدراهم
[ ١ / ٧١ ]
قال: فتجلى عن الرشيد، وقال: يا مسرور، أعطه سلفًا على بيت مال السرور ألف الدينار. قال: فأخذت بالبيتين ألفي دينار، وما كان البيتان يسويان عندي درهمين.
وأنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا عمر لأبن مناذر يهجو " محمد بن " عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي:
إذا أنت تعلقت بحبل من أبي الصلت
تعلقت بحبل وا هن القوة منبت
وما يبقى لكم يا قو م من أثلتكم نحتى
وقال الشيخ ما سرجو يه داء المرء من تحت
فخذ من سلح كيسان ومن أظفار سبخت
قال سبخت: لقب لأبي عبيدة.
وأنشد:
جاءت على غرس طبيبٍ ماهر عشرين عشرين بذرعٍ وافر
قال: يريد النخل، جاءت على قدر ما غرسها طبيب ماهر. يقول هو حاذق بها بصير. ويقول: جعل بين كل اثنين عشرين ذراعًا.
فهن يروين بطمٍ قاصر في ربب الطين بماءٍ حائر
أي تشرب بعروقها، أي قد تحير الماء في أصولها. والربب: ما رببه الطين أي رباه فيه.
لا مفرقٍ ولا بعيدٍ غائر ترى لها بعد إبار الآبر
أي ليس هو ماء يغرقها، ولا هو بغائرٍ بعيدٍ عنها. والآبر: المصلح.
وأثر المخلب ذي المآشر مآزرًا تطوي على مآزر
المخلب: المنجل. والمآزر يعني الليف بعضه على بعض.
شقرًا وحمرًا كبرود التاجر.
يعني الحمل.
قال أبو العباس: ويقال طواه، آي أتاه وجازه، وهو من الأضداد الشائل المحمل. وقال " بعض " العرب: الشائلان إنيه. أي المحملان وإنيه في آخر الحروف. وأنشد:
من شائل يرجح بانحدار فضفضه لما بني النجار
وتقول أيضًا الدموة والدم إنيه.
قال: قال: لم أسمع باستفهامين قط.
وأنشد:
فدقت وجلست واسبكرت وأكملت فلو جن إنسان من الحسن جنت
دقت: دق خصرها. وجلت: عظمت عجيزتها. اسبكرت: حسن قوامها. وأكملت: تمت محاسنها. ويقال إن الحسان تتبعهم الشياطين.
أحسن ما يكون زيدٌ قائمٌ، لم يجزه. ناحيةً من الدار زيد، وناحيةٌ من الدار، كلاهما جائز. قال إذا كان نكرة غلب عليه الاسم.
كتكت الرجل، وهو دون الضحك، مثل الحنين والخنين، الحنين من الحلق، والخنين من الأنف.
ويقال عركت المرأة، ودرست، وطمثت، وطمثتها أنا. وأصل الطمث الحيض، ثم جعل النكاح.
وقال أبو العباس: قال سيبويه: أحتبى ابن جوبة في اللحن في قوله " هن أطهر لكم "؛ لأنه يذهب إلى أنه حال قال: والحال في لا يدخل عليه العماد. وذهب أهل الكوفة، الكسائي والفراء، إلى أن العماد لا يدخل مع هذا لأنه تقريب، وهم يسمون هذا زيد القائم، تقريبًا أي قرب الفعل به وحكى: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادمًا، أي الخليفة قادم. فكلما رأيت " هذا " يدخل ويخرج والمعنى واحد، فهو تقريب. من كان من الناس مرزوقًا فهذا الصياد محرومًا، والصياد محرومٌ بإسقاط هذا بمعنى. فقد دخلت لتقرب الفعل مثل كاد. والتقريب على هذا كله. " ف " كان " جواب لتقريب الفعل، والعماد جواب للمعهود " وكان " مخالف ل " هذا "، فلم يجتمع هو وهو. وقال: هذا توكيد لهذا، وهذا توكيد لهذا.
وقال أبو العباس في قوله ﷿ " وزادكم في الخلق بسطة " قال: جسمًا على جسم، وكل زيادة في شيء بسطة.
وأملى علينا أبو العباس. وعد يعد، ووزن يزن، كان يوزن ويوعد، فلم يجتمع الواو مع الكسرة والياء، ثم بنوا الفعل على هذا، فقالوا يزن.
ووجل يوجل، ثبت الواو لأن بعدها فتحة، فلم يجتمع ما يستنقل.
وقال أبو العباس في قوله ﷿: " وهذا بعلي شيخًا " و: " شيخ " إذا كان مدحًا أو ذمًا أستأنفوه.
قال: وفتحت مستقبلات وضع يضع، ووهب يهب وأشباهها، لأنها من حروف الحلق: وأنشد لرؤبة:
ولا تكوني يا أبنة الأشم ورقاء دمي ذئبها المدمى
قال: الذئب إذا رأى دمًا بصاحبه وثب عليه. فقال: لا تكوني أنت مثل ذلك الذئب إذا أصابني غم وحزن زدتيني ووثبت على مثله.
ويقال رفقة ورفقة. الصَّعر: الميل. جزرة وجزر: التي تذبح.
[ ١ / ٧٢ ]
حدَّثنا أبو العباس، حدثني عبد الله بن شبيب أبو سعيد، عن زبير قال: حدَّثني أبو غزية، وعبد الجبار بن سعيد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه زيد بن ثابت، أن حسان بن ثابتٍ قال في مقتل المنذر بن عمرو يرثيه:
صلى الإله على ابن عمرو إنَّه صدق الإله وصدق ذلك أوفقُ
قالوا له أمران فاختر منهما فاختار في الرأي الذي هو أرفقُ
قال زبير: قال أبو غزية: لحسان بن ثابت مواضع: هو شاعر الأنصار، وشاعر اليمن، وشاعر أهل القرى وأفضل ذلك كله هو أنه شاعر رسول الله ﷺ غير مدافع.
وحدثنا أبو العباس، ثنا أبو شبيب، حدثني محمد بن فضالة، عن خلاد بن إبراهيم بن محمد بن قيس بن شماس، قال: توفي حسان في آخر ولاية معاوية.
وحدثنا أبو العباس ثنا عبد الله، عن زبير قال: وحدثني مصعب بن عبد عن عبد الله بن محمد قال: إنما قل عدد الأوس في بدر وأحد وكثر منهم فيها الخزرج لتخلف أوس الله عن الإسلام.
وحدثنا أبو العباس ثنا ابن شبيب، حدثني سليمان بن سالم الأنصاري قال: تخلف إسلام أوس الله، فجاءت الخزرج إلى رسول الله صلى الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا في أصحابنا هؤلاء الذين تخلفوا عن الإسلام. فقالت الأوس لأوس الله: إن الخزرج تريد أن تثئر منكم يوم بعاث، قد استأذنوا فيكم رسول ﷺ فأسلموا قبل أن يأذن لهم فيكم، فأسلموا. وكان يقال لهم أوس اللات، وهم اليوم في الديوان أوس الله، وهم أمية، وخطمة ووائل، وواقف.
وأنشأ الزبير يقول:
ليت شعري ولليالي صروف هل أرى مرة بقيع الزبير
ذاك مغنى ألذه وقطين تفرح النفس أتراهم بخير
وقال بعض أصحابنا: استعدي تميم بن مقبل عمر بن الخطاب على النجاشي، فقال: يا أمير المؤمنين هجاني فأعدني عليه. قال: يانجاشي ما قلت؟ قال: يا أمير الؤمنين، قلت مالا أرى أن على فيه إثمًا، قلت:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر: ليتني من هؤلاء. قال:
ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل
قال عمر: وما على هؤلاء متى وردوا؟ قال: هل غير هذا؟ قال:
وما سمى العجلان إلا لقولهم خذ القعب فاحلب أيها العبد فاعجل
قال عمر: خير القوم أنفعهم لأهله. قال تميم: سله عن قوله:
إذا الله عادى أهل لؤمٍ وذلةٍ فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل
أولئك أولاد اللئيم وأسرة ال لئيم ورهط العاجز المتذلل
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من كعب بن عوفٍ ونهشل
فقال عمر. أما هذا فلا أعذرك عليه، فحبسه وضربه.
ويقال تمشر الشجر، إذا أورق. وتمشر الرجل، إذا لبس الثياب.
وأنشد:
لها أذنٌ حشرةٌ مشرةٌ كإعليطٍ مرخٍ إذا ما صفر
أي مكتسية من اللحم لا شعر عليها. صفر: تفرغ من حبه. وإعليط مرخٍ: نبتٌ.
إذا قال نحن بني، ومعشر، ورهط، قال الفراء: هو مثل " جميعًا "، وقال البصريون بفعلٍ مضمرٍ.
وقال أبو العباس: تمثل أبو جعفر عند قتل بن عبد الله بن الحسن أبياتًا للحارث بن وعلة:
دعوت أبا أروى إلى السلم كي يرى برأي أصيل أو يؤول إلى حكم
ومولى دعاه البغي، والحين كاسمه وللحين أسبابٌ تصدُّ عن الحزم
أتاني يشبُّ الحرب بيني وبينه فقلت له لا، بل هلّم إلى السلم
وإياك والحرب التي لا يديمها صحيح وقد تعدى الصحاح على السقم
ولكنها تسري إذا نام أهلها وتأتي على ماليس يخطر في الوهم
فإن ظفر القوم الذي أنت فيهم فآبوا بفضلٍ من سناءٍ ومن غنم
فلا بد من قتلي فعلك منهم وإلا فجرحٌ لا يحن عن العظم
وقال أبو العباس: قال ابن الأعرابي " لايحن ".
فلما رم شخصي رميت سواده ولا بد أن يرمي سواد الذي يرمي
فلما أتى أرسلت فضلة ثوبه إليه فلم يرجع بحلم ولا عزم
[ ١ / ٧٣ ]
وكان صريع الخيل أول وهلة فيالك مختارًا لجهلٍ على علم
وأنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا ابن الأعرابي:
أبا مالك لا تسأل الناس والتمس بكفيك فضل الله فالله أوسع
ولو يسأل الناس التراب لأوشكوا إذا قل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
وأنشدنا أبو العباس لرجل من كلب:
قامت تأود في جلبابها أصلًا عن غربةٍ تحت عين ذات أمطار
فالعين من جؤذرٍ والجيد من رشأٍ والفرع مثل قطوف الأعجم القاري
بيضاء صفراء لم تحنى على ولدٍ إلا لأخرى ولم تقعد على نار
وأنشد:
در در الشباب والشعر الأس ود والضامزات تحت الرحال
والخناذيذ كالقداح من الشو حط يحملن شكة الأبطال
الضامزات: التي لا ترغو الخناذيذ: الخصيان من الخيل.
وأنشد لزفر بن لحارث الكلابي لما هرب:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا
ولم تر مني نبوة قبل هذه فراري وتركي صاحبي ورائيا
أيذهب يوم واحد، إن أسأته بصالح أيامي وحسن بلائيا
وقال أبو العباس: الجعظري: الكثير اللحم. والجواظ الذي لا يقبل " الموعظة " ولا ينحاش، وهو الجافي.
" إلى جهنم وردًا " قال: مصدر.
الزرق: العطاش. وأنشد:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبرٍ كما كل ضبيٍ من اللوم أزرق
قال: يذم به الناس.
وقال أبو العباس في قوله ﷿: " ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك " وأنا قضيتها عليك.
وأنشد للبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها
قال: أراد حتى يرتبط، ثم نسق به. وأنشد:
فيذرك من أخرى القطاة فنزلق.
أو جزم " يرتبط " لكثرة الحركات.
وقال وهو نسقٌ، كأنك قلت إذا لم يكن أحد ذين. قال أبو العباس: وهو أجود.
وجاء عن النبي ﷺ: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " أي إذا ذبحت الأم فقد ذبح الجنين.
" استرهبوهم ": حملوهم على الرهَّبة.
وفي الخبر: " كل مما أصميت ولا تأكل مما أنميت "، يقال اصماه، إذا قتله مكانه، وأنماه، إذا تحامل.
وأنشد:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل لزلل.
قال: يقضي بعض حاجته.
وقال:
أو يعتلق بعض النفوس حمامها.
قال هشام: والناس يقولون: " كل النفوس ". وأختيار أبي العباس: " بعض النفوس ".
وقال أبو العباس في قوله ﷿: " وآتوا النساء صدقا النساء صدقا تهن نحلة ": قال: كان الآباء يستبدون به. والمخاطبة للآباء.
النخة: الحمير. الكسعة: العبيد.
وقال أبو العباس إذا قلت هذا الجيش مقبلًا، أردت هذا الشخص. " نعم الله بك عينًا " كان الفقهاء يكرهونه. يقولون: الله لا ينعم عينًا بإنسان. وأنشد أبو العباس:
أنعم الله بالرسول وبالمر سل والحامل الرسالة عينا
وكان الفراء يقول: هذا من المقلوب إنما هو نعمت عينك، كقولك طبت به نفسًا، أي طابت به نفسي، وضقت به ذرعًا، أي ضاق به ذرعي. وقال أبو العباس في قوله تعالى: " وإذ نتقنا الجبل " يقال أنتق جرابك، أي ألق ما فيه. ونتقت المرأة ولدها، إذا رمت بهم.
وقال في قوله ﷿: " غثاء أحوى ": يقول أخرج المرعى أحوى فجعله غثاءً. ويقال أسود من القدم.
وأنشد:
لكل حالٍ قد لبست أثوبا.
يقول: قد لبست لكل حالةٍ حالة، وأنشد:
ألبس لكل عيشةٍ لبوسها إما نعيمها وإما بوسها.
وقال أبو العباس: قال النضر بن شميل: سمعت أعرابيًا حجازيًا، وباع بعيره، يقول: " أبيعكه يشبع عرضًا وشعبًا ". والشاعب: البعير يهتضم الشجر من أعلاه. والعارض: الذي يأكل من أعراضه.
وأنشدنا أبو العباس عن الفراء:
إما تريني اليوم شيخًا أشيبا إذا نهضت أتشكى الأصلبا
تأذى العواد اشتكى أن يركبا تحسب أطماري على جلبا
مثل المناديل تعاطى الأشربا يطرن عن ظهري ومتني خببا
لكل عصرٍ قد لبست أثؤبًا حتى اكتسى الرأس قناعًا أشهبا
[ ١ / ٧٤ ]
أملح لا لذا ولا محببا أكره جلبابٍ لمن تجلببا
وقد أناجى الرشأ المرببا ذا الرعثات البادن المخضبا
خودًا ضناكًا لا تمد العقبا يهتز متناها إذا ما أضطربا
كهز نشوان قضيب السيسبا.
قال أبو العباس: الأملح: الغالب على سواده البياض. ولا تمد العقبا: لا تسير مع الرجال كما يسيرون. والسيسبا والسيسبان: الجذع، أراد العذق. والعذق بالفتح: النخلة، والعذق بالكسر: الكباسة.
وأنشد:
قد أنتحى للحاجة العسير
وهي التي تعسر على الناس.
وقال في الحديث: " على ظهر وضم " وهو كل ما وضع تحت اللحم ليقيه التراب، فهو وضم.
وأنشد:
ألا يا اسلمى يا هند هند بني بدر تحية من صلى فؤادك بالجمر
قال: قتل قومك.
وقال أبو العباس: المؤوب، مثل المعوب، هو المقور المأخوذ من حافاته. أوب الأديم وقوره واحد.
وقال: الفراء يقول: النعم الإبل والغنم، وكذلك الأنعام. وغيره يقول: النعم الإبل، والأنعام جميع المال.
وقال: البقامة: ما يطيره النجاد من القطن عند الندف. وأنشد:
إذا اغتزلت من بقام الفرير فيا حسن شملتا
أراد شملةً، ثم أدخل عليها الألف شبهها بالتاء الأصلية، وكذلك يشبهون التاء الأصلية بالتي ليست بأصلية. وأنشد:
العاطفونت حين ما من عاطف
شبه هاء الوقف بهاء التأنيث.
وأنشد:
نحن بنو أم البنين الأربعة
وقال أبو العباس بعضهم ينصب فيقول:
نحن بني أم البنين الأربعة.
قال: وليس بالوجه؛ لأنه ليس بالمدح يمدح نفسه بأن عددهم أربعة.
والعرب تفعل هذا في بني، ورهط، ومعشر، وآل. قال الفراء كأنهم قالوا نحن جميعًا نقول ذاك.
وقال: في مثل " ما جعل قدك إلى أديمك " القد: الجلد الصغير. والأديم الجلد التام يقول: ما جعل الكبير مثل الصغير.
وأنشد لرؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
يحسبن شامًا من رقاعٍ وبنق
قال: قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة: لم قلت " خطوطٌ من سوادٍ وبلق " ثم قلت: " كأنه " ولم لم تقل: كأنهن أو كأنها؟ فزجرني ثم قال: كأن ذلك، ويلك. وقال: البنق جمع بنيقة القميص، وبنائق ثم بنق.
وأنشد:
هلا غضبت لرحل جا رك إذا يهتكه حضاجر
قال: حضاجر: جمع حضجر، وهو الوطب، فسميت الضبع به، شبهت به من عظم جوفها.
وقال: يقال أخفق الصائد وأورق، إذا لم يصب شيئًا. وأنشد:
إذا كحلن عيونًا غير مورقةٍ ريشن نبلا لأصحاب الصباصيدا
غير مورقة يعني غير مصيبة.
وقال أبو العباس في قوله ﷿: " ولو أعجبك كثرة الخبيث " يعني الحرام.
وأنشدنا:
ألم تر أن الحرب تعرج أهلها مرارًا وأحيانًا تفيد وتورق
تعرج: تعطهيم عرجا من الإبل.
وقال: الثيتل ذكر الأراوى.
وقال في قوله ﷿: " لولا اجتبيتها " أي جئت بها من نفسك وأنشد:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى لعزة خلخالًا يجول ولا قلبا
يعني أنها سمينةٌ خدلة اليدين والرجلين.
وأنشد:
كأن قوائم النحام لما تولى صحبتي أصلًا محار
قوائمه معلقة شواه كأن بياض غرته خمار
قال: المحار الصدف، أي هي مثل الصدف، يعني أنها تزل عن كل شيء لا يصيبها شيء. وقال: أي كأنها محارٌ معلقة به.
وما يدريك ما فقري إليه إذا ما الركب في نهبٍ أغاروا
وأنشد:
كأنهم عاد حلومًا إذا طاش من الجهل القطاريب
قال القطرب: الرجل الخفيف. وتقول العرب: " إنما أنت قطرب ليل ".
وأنشد:
قل ما بدا لك من زورٍ ومن كذبٍ حلمي أصم وأذني غير صماء
أشوى: أخطا المقتل. والشوى: القوائم. قال: وهي التي إذا أصابها لم تقتل. والشوى: ردئ المال. والشوى: جلدة الرأس.
وتقول: هذه كليتان، وتثنى فتقول هاتان ذواتا كليتين، والجمع ذوات كليتين. وكل مل سمى باثنين فكذلك، تقول: هذان ذوا رجلين، وهؤلاء ذوو رجلين. الحكاية كذا.
قال: وحكى الفراء الهاوون بواوين، ويجمع هاوونات وهواويون. وقال التكش: البازي يجاء به على رأس الكبر فلا يتعلم، فيسمى تكشا.
[ ١ / ٧٥ ]
وقال أبو العباس حدَّثنا عمر بن شبة، حدَّثنا أحمد بن سيار الجرجاني - وكان شاعرًا راويةً مداحًا ليزيد بن مزيد - قال: دخلت أنا وأبو محمد التيمي، وأشجع بن عمرو، وابن رزين الحراني، على الرشيد بالقصر الأبيض بالرقة، وقد كان قد ضرب أعناق قوم في تلك الساعة، فتخللنا الدم حتى وصلنا إليه، فتقدم التيمي فأنشده أرجوزةً يذكر فيها نقفور، ووقعة الرشيد بالروم، فنثر عليه الدر، من جودة شعره. وأنشده أشجع:
قصرٌ عليه تحيةٌ وسلام ألقت عليه جمالها الأيام
قصرٌ سقوف المزن دون سقوفه فيه لأعلام الهدى أعلام
يثنى على أيامك الإسلام والشاهدان الحل والإحرام
وعلى عدوك يا ابن عم محمدٍ رصدان: ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا هدا سلت عليه سيوفك الأحلام
القصيدة. قال: وأنشدته:
زمنٌ بأعلى الرقتين قصير
يقول فيها:
لا تبعد الأيام إذ ورق الصبا خضلٌ وإذ غصن الشباب نضير
قال: فأعجب بها، وبعث إلى الفضل بن الربيع ليلًا فقال: إني أشتهي أن أنشد قصيدتك الجواري فابعث إلى. فبعثت بها إليه.
قال أبو العباس: وركب الرشيد يومًا في قبةٍ وسعيد بن سالمٍ عديله، فدعا محمدًا الراوية - يعرف بالبيذق لقصره - وكان إنشاده أشد طربًا من الغناء، فقال له: أنشدني قصيدة الجرجاني التي مدحني بها. فأنشده، فقال الرشيد: الشعر في ربيعة سائر اليوم. فقال له سعيد بن سالم: يا أمير المؤمنين، استنشده قصيدة أشجع التي مدحك بها. فقال: الشعر في ربيعة سائر اليوم. فلم يزل به سعيدٌ حتى استنشده فأنشده، فلما بلغ قوله:
وعلى عدوك يا ابن عم محمدٍ رصدان: ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا هدا سلت عليه سيوفك الأحلام
فقال له سعيد: والله لو خرس يا أمير المؤمنين بعد هذين البيتين كان أشعر الناس.
وأنشد:
لا تزجر الفتيان عن سوء الرعه يا رب هيجا هي خيرٌ من دعه
قال: الرعة: حالة الأحمق التي رضي بها.
في كل يوم هامتي مقزعه قانعة ولم تكن مقنعه
وقوله مقزعه يقول: أنا أقاتل في كل يوم وأقاتل.
نحن بنو أم البنين الأربعه نحن خيار عامر بن صعصعه
؟ المطعمون الجفنة المدعدعه والضاربين الهام تحت الخيضعه المدعدعة: المملوءة. الخيضعة: أصواب الحرب. والخضيعة: صوت غرمول الفرس. وأنشد:
" كأن خضيعة بطن الجوا د وعوعة الذئب في الفدفد "
يا واهب المال الجزيل من سعه إليك جاوزنا بلادًا مسبعه
إذا الفلاة أوحشت في المعمعه يخبرك عن هذا خبيرٌ فاسمعه
فقال النعمان: وما هو؟ فقال:
مهلًا أبيت اللعن لا تأكل معه
قال النعمان: ولم؟ قال:
إن استه من برصٍ ملمعه
قال النعمان: وما على؟ قال:
وإنه يدخل فيها إصبعه يدخلها حتى توارى أشجعه
كأنما يطلب شيئًا أطمعه
وأنشدنا أبو العباس لخالد بن قيس بن منقذ بن طريف، يقوله لمالك بن بجرة، ورهنته بنو موألة بن مالك في دية، ورجوا أن يقتلوه فلم يفعلوا، وكان يحمق. فقال خالد:
ليتك إذ رهنت آل مؤاله حزوا بنصل السيف عند السبله
وحلقت بك العقاب القيعله مدبرة بشرطٍ لا مقبله
وشاركت منك بشلوٍ جيأله أيا ضياع المائة المجلجله
المجلجلة: المختارة. وكان مالك يقال له شرط.
وأنشدنا أبو العباس:
لا خير في الشيخ إذا ما أجلخا وسال غرب عينه ولخا
وكان أكلًا قاعدًا وشخا تحت رواق البيت يغشى الدخا
يريد الدخان.
وانثنت الرجل فكانت فخا وكان وصل الغانيات أخا
اجلخ: سقط فلم يتحرك، ولخ: سال. وأخ كقولك أف وتف.
وأنشد لمبشر بن هذيل بن زافر الفزاري، أحد بني شمخ ولد نضلة. بن خمار:
أرسلت فيها قردًا لكالكا من الذريحيات جلدًا آركا
قرد: تقرد شعره واجتمع. ولكالك: عظيم شديد.
يقصر يمشي ويطول باركا كأنه مجللٌ درانكا
[ ١ / ٧٦ ]
قال: عليه الدرانك: البسط: وأنشد:
دار لليلى خلق لبيس ليس بها من أهلها أنيس
إلا اليعافير وإلا العيس وبقرٌ ملمع كنوس
وقال آخر:
وحوقلٍ ذبذبه الوجيف ظل لأعلى رأسه رجيف
يقول والعيس لها حفيف أكل من ساق بكم عنيف
وحدثنا أبو العباس قال: قال رجل لابن عباس: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا. قال: أفكان يقرأ في نفسه؟ قال: لا. فقال: " حمسا ". قال أبو العباس: أي هذا بلاءٌ، ويقول هذا شر. والحمس لا يكون إلا عند البلاء.
وقال أبو العباس: نداء النفس على أربع لغات، يا نفس اصبري، ويا نفس اصبري، ويا نفس اصبري، ويا نفسا اصبري. من قال " يا نفسا " بين الفتح والكسر فإنه أراد يا نفساه، فحذف الهاء. ومن قال " يا نفس " فإنه لما رأى أنه قد حذف الهاء وبقى ألف حذف الألف وأشار إلى موضعها بالفتح. ومن قال " يا نفس " فإنه حذف الياء وأشار إليها بالكسر.
وقال أبو العباس في قوله ﷿: " يوم ينادي المناد من مكانٍ قريبٍ " قال: يسمع كل واحدٍ، ويقال إنه يقوم على صخرة البيت المقدس فينادي. وقال في قوله ﷿: " فأستعذ بالله " بعد " فإذا قرأت القرآن " قال: هو كقولك إذا قمت فأحسن، فأول ما يقوم يجب الإحسان.
إذا قلت: قام زيد وعمرو، فإن شئت كان عمرو بمعنى التقديم على زيد، وإن شئت كان بمعنى التأخير، وإن شئت كان قيامها معًا. فإذا قلت قاما معًا كانا فيه سواءً لا غير.
وقال أبو العباس: قلت لابن قادم: قام عبد الله وزيد معًا. وقام عبد الله وزيد جميعًا، ما بينهما من الفرق؟ فبقي يركض فيها إلى الليل، فلما أصبح قلت له: إنما ها هنا ابن يحيى أحمد. وفسر ذلك فقال: قام زيد وعمرو معًا، لا يكون القيام وقع لهما إلا في حالة، وإذا قلت قاما جميعًا فيكون في وقتين وفي واحد؛ لأنك تقول مات زيد ومحمد جميعًا، فيكون الوقت متخلفًا، وإذا قلت: قام ذا مع ذا، لم يكن القيام إلا في وقت واحد.
من هو قائم جاريتك ومن هو يقوم جاريتك، جيد ولا يقطع منه ولا ينسق عليه، ويسمى، مجهولًا، وهو يشبه من هو قائمة جارتيك. قال: قد أخرج المعنى ولا يؤكد هو ولا " الضمير " في قائم. من هي قائمة جاريتك، قال قد أخرج المعنى كله.
قال: وقلت لابن قادم: " من " مسألتان. فقال: لا، ثلاث مسائل. فقلت: مسألتان. فقال: ثلاث. فقلت: بين لي حتى أسمع وأفهم. فجاء باللفظ ثم جاء بالمعنى، ثم جاء باللفظ والمعنى فقلت: هذه هم تلك بعد. وفسر فقال: من مسألتان: لفظ ومعنى من قام إخوتك وإخوانك بمعنى، فقابلها بما شئت والأول مجهول. وإذا قلت يقوم جاريتك ويقومان ويقوم، جئت به على المعنى واللفظ. فإذا جمع بينهما فقيل من هو قائمة جاريتك، جاء باللفظ وجاء بالمعنى، فليس يزيد على هذا، وهي تلك إلا أنه جاء بها باللفظ والمعنى. من هو أخوك هند، قال: لا يجوز. وقال الفراء: من هو أختك هند، قبيح، والأسماء لا تخرج على اللفظ بما تخرج الأفعال. من قال كلهن قائمات لم يقل كلهن أخوك.
وقال أبو العباس في قوله ﷿: " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " قال: إذا كان الموت واحدًا يقصد له فالذي بعده خبر وإذا كان ضروبًا فالذي بعده نعت، وإذا كان واحدًا لم يكن جزاء، وإذا كان ضروبًا كان جزاء.
" يا ابن أم " قال: يريد أماه: ويقال جعله حرفًا واحدًا. ومن تأول إسقاط الهاء أجود.
ويقال هذه الحلف منى صرى، وأصرى، " وصرى " " وأصرى "، أربع لغات، مثل عزيمتي وحقيقة عزمي.
يا غلام أقبل، تسقط الياء منه، ويا ضاربي أقبل، لا تسقط الياء منه. وذلك فرق بين الأسم والفعل.
وإذا كان الفعل يدوم فالماضي والمستقبل واحد. صلى يصلي، وصام يصوم، واحد.
وأنشد:
شهد الحطيئة حين يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر
قال: هو بمعنى يشهد:
[ ١ / ٧٧ ]
" يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان " قال: زعم سيبويه أنه شهادة اثنين، ورفع الشهادة بمحذوف: معه شهادة اثنين قد تقدما. وقال الفراء: إن شئت رفعته بحين أي يشهد اثنان " ذوا عدل منكم أو آخران " من غير أهل دينكم من النصارى أو اليهود. وهذا في السفر للضرورة، لأنه لا يجوز شهادة كافرٍعلى مسلم، هذه الشهادة لكافرين " إن أنتم ضربتم في الأرض ": للضرورة. ولا تجوز الشهادة لهما في غير هذا. " تحبسونهما من بعد الصلاة " وهذا لا يكون في الإسلام أن يحبس المسلم حتى يحلف بعد الصلاة. " فيقسمان بالله " الكافران. " إن ارتبتم لانشتري به " بأيماننا " ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله " " فإن عثر " أي اطلع بعد ذا عليهما بأنهما قد اختانا و" استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما مقام النصرانيين، والنصرانيان من أستحقت الخيانة فيهم فقال: " استحقا عليهم الأوليان أي أستحقت الخيانة، استحقها المسلمان على النصرانيين. الأوليان هما استحق على النصرانيين. وقال بعضهم: الأوليان هما الآخران، " فيحلفان بالله " أن هؤلاء قد أختانوا و" لشهادتنا أحق من شهادتهما الأولين والأوليان يقرأ على ثلاثة أوجه.
آخر الجزء الثامن من آمالي أبي العباس ثعلب رحمه الله تعالى والحمد لله وحمده وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم آمين.