كلام الأستاذ في السكارى والموضة ضار بمصالح الدول الأجنبية فينبغي أن يمنع هذا الكلام فإن المصريين إذا تابوا عن الخمرة بأنواعها واقتصدوا في أثاث البيت وأوانيه ومآكلهم ومشاربهم وملابسهم نقص من الجمرك قريبًا من مائتي ألف جنيه سنويًا وأفلس أكثر من عشرين ألف تاجر أوروباوي وأغلق نحو خمسمائة معمل من معامل الخمور وأصبح نحو نصف مليون من صناع الخمور فقراء لا يجدون من يستخدمهم وفات وابورات النقل أكثر من مليوني جنيه أجرة شحن الخمور والأقمشة والمتعة وأفلس مئات من أصحاب الفابريقات وبالجملة فإن رجوع المصريين عن الخمرة واقتصادهم في المعيشة يفوِّت على أوروبا أكثر من عشرين مليونًا من الجنيه فضلًا عن إضراره بقانون التصفية والمعاهدات التجارية.
الجواب
قهقهة طويلة تستدعي استلقاء الإنسان على قفاه وبعد الفراغ من الضحك نقول لهذا الخادع المموه بالأباطيل هل رأيت في قانون التصفية بندًا يقضي علينا بأن نشرب في كل سنة مائتي ألف برميل بيرة ومليونين من قناني نبيذ بردو وقبرس وإيتاليا وكريد ومثلها من قناني الكنياك والبرمود والبتروالروم والمينتا والابسنت والجنزبيره والبيرة السوداء وغيرها ومليون اقة من العرقي الزبيب والمستكي. وإن نلبس كل ما أرسل إلى بلادنا من الملابس المستعملة والأقمشة المغشوشة والكهنة المرتجعة إلينا. وأن يحجر علينا
[ ١٦٤ ]
اشتغالنا بالصناعة وإعادة ما فقدته البلاد من ثروة أهاليها باحتكار مواردها واستخدام بعضهم البعض في المعامل وترويج بعضهم البعض بالبيع والشراء. وأن لا يصح لمسلم أو مسيحي أو إسرائيلي مصري أن يتوب من ذنبه ويقلع عن معاصيه ويترك مفسدات العقل والمال ويرجع إلى التنزه عن النقائص والبعد عن الرذائل. وإن لا يتحلى أحد بحلية الكمال ويظهر بمظهر العقلاء السائرين في طرق الإصلاح وعمار البلاد. أم هناك مادة تلزمنا بالتردد على أماكن المومسات نصرف النفيس ونتلف النفس بما نصاب به من العدوى ثم نذهب إلى عائلاتنا فنصيبهم بالعدوى منا ثم نتهمهم بما نتهم به أنفسنا وربما فارق الغير منا حرمه بهذه العلة الوهمية التي جلبها بنفسه وهي بريئة من كل ما يخدش الشرف ونحن الذين جلبنا
عليها هذه المصيبة بخروجنا عن الحدود وانغماسنا في النقائص. وهل هذه المعامل والفابريقات الأوروباوية فتحت باتفاق مع حكومتنا على أننا نشتري كل ما تصنعه وهل من ضمن المعاهدات التجارية أن لا يقوم واعظ في الأمة ينهاهم عن المتلفات العقلية والمالية ويأمرهم بالاقتصاد في المعيشة ويحثهم على مكارم الأخلاق. أم هذه هي الأضاليل تبثونها بين ضعفاء العقول وقليلي الإدراك تصورون لهم الأوهام في صور الحقائق تغريرًا وتضليلًا وإرهابًا للنفوس وإخمادًا للأنفاس. وما تشعرون أننا بين يدي أمير حازم ساح أوروبا وهجر وطنه صغيرًا في طلب العلوم والوقوف على عادات الأمم وأسباب ثروتهم ومواد تقدمهم وموارد عزتهم حتى إذا درس العلوم اللازمة لمثل فخامته عاد وقد تهيأ له كرسي إمارته الجليلة وأصبح لا ينظر إلا فيما فيه صلاح بلاده ولا يمسي إلا وهو يدبر أمر رعيته ولا ينام إلا عن فكر في
[ ١٦٥ ]
حياة وطنه ولا يستيقظ إلا آمرًا بما فيه خير العباد والبلاد. وأمة وقفت بيد يدي أمير هذه صفته ينبغي لها أن تتحلى بحلية الكمال والفضيلة وتتخلى عن السقوط في النقائص والرذيلة. فكف أيها المعترض المحتال عن هذه النزغات أو عض نعلك غيظًا على خيبة مسعاك وارجع بكلامك إلى ذات الأوروبيين يخبروك إن كل إنسان حرٌّ في تصرفاته الخاصة لا يتقيد بقيد وإنهم يتألمون من تهافتنا على المشروبات وأماكن النقائص حتى أن الخامورجي يتعجب من كثيرين من السكارى الذين لا يعرفون أنهم سكروا حتى يحملوا إلى البيت في عربية أو على حمار. وبالجملة فإن المصريين متنبهون لنزغات مثلك لازمون الهدوء والسكون لا تحركنا الوهميات ولا تصرفنا عن الوجهة التي توجهنا إليها وهي إصلاح ما فسد من أخلاقنا وإحياء ما مات من صناعتنا قيامًا بحق الوطن وخدمة أفكار خديوينا الأفخم أيد الله تعالى ملكه.