أيها النديم. إن بعض الناس انقبض صدره وضاقت نفسه وامتلأ غيظًا عليك عندما رأى محاورة حنيفة ولطيفة وألزمني أن أبلغ ذلك إليك لتعلم أن كل ما يكتب لا يوافق كل إنسان. نديم. لا يخلو إما أن يكون هذا المتغيظ سكيرًا أو غير سكير فإن كان سكيرًا وهذه صفته فالذي قيل فيه قليل جدًا بالنسبة لما يلزم لتأديبه وعليه أن يرجع عن باب لا يدخله إلا كل من لا يعرف قدر شرفه. وإن كان سكيرًا وليست هذه صفته فإننا نحذره من الوصول إليها فليرجع من قريب فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وإن كان غير سكير فليكن مساعدًا لنا على سد باب المفاسد وفتح باب المصالح ونصيحة الإخوان وحثهم على اتباع طرق الهدى وما فيه حفظ الشرف والمال. الراوي. هو لا يعترض عليك من هذا القبيل وإنما يقول أنك أظهرت عيوب الشرقيين إلى الإفرنج بذكر أحوال السكارى وما يصدر عنهم وما ينتهي إليه أمرهم.
[ ١٤٥ ]
نديم. إن كان السكارى يشربون الخمر في خمارة الحاج إبراهيم بجوار مسجد الصالح فإن ذكر أحوالهم بين الإفرنج قبيح يقينًا وإن كانوا يشربون في خمارة يني وباولوا مثلًا فإن الإفرنج يعلمون من شأنهم ما أجهله أنا وأنت فإنهم هم الذين يبيعون عليهم ويعرفون حسابهم وما ينتهي إليه أمر سكرهم وأما مثلي ومثلك فغاية علمنا بهم أننا نراهم ألوفًا أمام محال الشرب في مصر وإسكندرية وطنطا والمنصورة والزقازيق وأسيوط والفيوم وبقية الجهات التي تشرب فيها الخمور وأما كيفية معاملة الخواجات لهم وما يؤول إليه حال كل فرد فعلم الخواجا أوسع من علمنا بذلك فلو كان محرر الأستاذ إفرنجيًا لاتجه الاعتراض عليه لكونه يظهر من أحوالهم ما لا نعلمه. وأما إن كل ما يكتب في الأستاذ لا يوافق كل إنسان فهذا أمر مطرد في كل مكتوب عرض على ذوي الأفكار حتى كتب العلم الدراسية ولذا ترى الشروح والحواشي معترضة أو مبينة مجملًا أو ناقضة لقاعدة وهذا لا يمكن التوفيق فيه إلا إن كان المشترك محررًا معي فيكون ما يكتب عن رأينا جميعًا فنرضاه جميعًا وهذا غير معقول لا لعجز المشترك عن الاشتراك معنا في التحرير بل لقيام كل إنسان بوظيفته التي خص بها. على أننا لا نرد نصيحة وردت إلينا فعلى من يسعى معنا في إصلاح ما فسد من أخلاق السفهاء أن يكتب إلا نفع الأحسن ويبعثه لنا ونحن ننشره بحروفه حتى لو كان طعنًا في نفس الأستاذ على شرط أن يكون المقصود به تهذيب النفوس ورد جماح الغواية ونكون لمن يقول يدي ويدك في هذا
الباب من الشاكرين. ثم هو بالخيار إن شاء ذكرنا اسمه وإن شاء أشرنا إليه. فهل من مخلص في خدمة وطنه ينبهنا على غير الصواب كلما عثر عليه أو
[ ١٤٦ ]
يقول زدنا من هذه الموعظة ولا تتألم ممن تغيظ لغرض ذاتي أو شهوة بهيمية فبلادنا ملئ بالمهذبين من رجال المعارف والآداب مشحونة بأهل الكمال من الذوات الفخام والعلماء الأعلام والوجهاء العيان والأذكياء الأكياس وفرد أو فردان شذا من فريق أهل التهذيب لا نعيرهما جانب التفات فاسمع حديث لطيفة ودميانة فالموعظة الحسنة مؤثرة ولكنها من النساء أشد تأثيرًا وأعظم وقعًا وما علينا إذا اغتابنا همزة أو لبسنا لمزة فإننا لا نعول إلا على العقلاء وأهل المعارف والكمال.