طبقة الملوك والأمراء البرنسات
هذه الطبقة الجليلة القدر شأنها النظر في أمور الأمة المحكومة من حيث ترتيب المحاكم والإدارات وإعداد الآلات وتشييد الحصون وجمع الجنود وعمل السفن حربية ونقلية وحفظ الروابط الملكية بينها وبين متاخميها
[ ٢٢٠ ]
ومجاوريها ولا يصلون لذلك إلا بإتقان العلوم في الصغر ودراسة جغرافية العالم وأخلاق الأمم والشرائع والقوانين والنظامات والوقوف على مشارب الأحزاب ومساعي الملوك وبهذه العلوم سهل عليهم القيام بوظائف علمهم فشاركوا أصاغر الناس في تخصيص بعض أوقاتهم لأداء واجب الوظيفة بجد واجتهاد فالملك منهم دائم الفكر ناظر إلى الممالك بإحدى مقلتيه وإلى مملكته بالأخرى مشارك لوزرائه في المشورة واستمداد الآراء مائل إلى الأمة ميل الأب إلى ولده خائف عليها خوف الراعي على غنمه في أرض مذأبة. والأمراء من العائلات الملوكية قائمون بأعمالهم ناظرون نظر كبرائهم يتوددون إلى الناس فيعودون الأغنياء ويتألفون الفقراء ويزورون الجند ويترددون على أهل القرى تنشيطًا لهممهم وحثًا على عملهم حتى إذا انتهى إليهم الدور جاؤوا الملك وهم على أحسن ما يكون من الأهبة والاستعداد. وما رأوا من الأمة أمرًا محمود العاقبة إلا كانوا في مقدمة الآخذين بأيديهم وقد حفظوا كل ما يلزم إلى الأمة وعرفوا المحكومين وما هم عليه من العادات والأخلاق فلا يغيب عنهم وجيه ولا عظيم ولا فاضل ولا غني ولا رئيس من رؤساء الجمعيات والأديان. ولهم رغبة كبرى في تأييد الجمعيات العلمية والدينية بالحضور في محافلها وحث أعضائها على المثابرة والاجتهاد ومساعدتهم بالمال والسلطة في أي أرض كانت الجمعيات وبهذه الخصال جذبوا القلوب إليهم وحوّلوا الأفكار إلى وجهتهم فاختلف الناس في أعمالهم واتحدوا في الانقياد إلى ملوكهم والتعاضد على حفظ بيت الملك الذي هو بيت مجدهم وحياة أوطانهم في الحقيقة. ومن حاد من الملوك عن هذا الطريق تداعت دعائم ملكه.
[ ٢٢١ ]
طبقة الوزراء
رجال هذه الطبقة العظيمة أتعب الناس فكرًا يقضون النهار ومعظم الليل في أشغال فكرية وأعمال يدية كتابية يتساءلون فيما بينهم عن الممالك وأخبارها اليومية ويبعثون البعوث إلى
داخلية الغير اكتشافًا للمواقع الحربية وتطلعًا إلى الأخبار السرية وإحصاء للأعداد العسكرية ومعرفة للوسائل المؤدية إلى مقاصدهم السياسية وربما غيروا صبغة بعض الأفراد الدينية وأمروهم أن يتظاهروا بمذهب الغير أن ماثلهم في الدين أو بدينه أن غايرهم في المعتقد ليسهل عليهم الاختلاط بالأمة ويثقوا بهم في أقوالهم وأفعالهم فإذا تم لهم المقصود جدوا ولفقوا أصول الدين وفروعه بما يؤلفونه من الكتب في دين من يداخلونهم ليوقعوا بين الأمة الاختلاف والهرج والمرج حتى تتعدد الوحدة ويتمزق الاجتماع والإجماع. وعلى هذه الطبقة أيضًا السهر فيما يقدم البلاد ويحفظ الأمن ويوسع دوائر التجارة والزراعة والملاحة والصناعة والمكاتب الدينية والعلمية فتراهم يتنازلون إلى عيادة المرضى وزيارة الوجهاء وإذا مروا بأرض ريفية لاطفوا أهلها وسألوهم عن أحوالهم وحثوهم على أعمالهم ووعدوهم بما فيه خيرهم جذبًا للنفوس وأداء للواجب. وإذا دخلوا مجلسًا من مجالس الأعيان شاركوهم في الحديث وبادلوهم الجدال فيما فيه نجاح الأمة وعلو شأن المملكة فإذا اجتمعوا بأمثالهم اكتشفوا أفكارهم وشاوروهم في أمورهم واستمدوا منهم وأمدوهم فإذا عادوا إلى الملوك أخبروهم بأحوال المملكة وأخبار الممالك وأطلعوهم على الوقائع اليومية والأحكام القضائية وراجعوهم في مقترحاتهم بما يعود عليهم بحفظ السلطة والسطوة وعلى الأهالي بالثروة وراحة
[ ٢٢٢ ]
البال وهذه دروس لا ينقطعون عنها ولا يملون من تدريسها في أي بقعة حلوا فيها فلا راحة لهم من الأتعاب ما دامت أعينهم ناظرة وآذانهم صاغية فهم في عمل دائم اليوم في تنظيم جند وغدًا في بث نظام وبعد غد في إجابة نداء من أرسلوهم في ممالك الغير باحثين ومكتشفين لتوسيع دائرة السلطة وتكثير مواد الثروة باستخدام الأمم المتغلبين عليهم فيما يعود على المملكة بالمنفعة المالية والدولية وقد أحكموا التلقي لهذه العلوم حتى فاقوا أساتذتهم الأولين فهم الآن رجال الحل والعقد ينظرون إلى المغيب البعيد بمناظر المعدات والموصلات إلى الغايات لا بنظر التقاعد والكسل والاعتماد على أوهام الجفور وخرافات الرمل والزيارج.
طبقة التجار والأغنياء
هذه طبقة العز والمجد في أوروبا فقد اجتهد أهلها في معرفة الحساب وطرق الأرباح من الإتجار بالأصناف الصناعية والزراعية والمعدنية والأوراق والبنوك واحتكروا كثيرًا من
الأصناف في داخليتهم وفتحوا كثيرًا من المحال في جميع المدن المعمورة وبعثوا إليها تجارة بلادهم ليميتوا صناعة الغير ويحولوا ثروتهم إليهم بحصر التجارة فيهم والصناعة في بلادهم وفتحوا المجامع الكثيرة المسماة بالبورص لاجتماع الشتيت منهم بعد الفراغ من العمل لمعرفة أحوال التجارة والوقوف على الأسعار وأخبار الممالك التجارية وبهذا توحدت كلمتهم وسيرهم فلا تستطيع حكومة ما إن تؤثر في تجارتهم شيئًا بل إنهم بما لهم من القدرة على احتكار النقود والأقوات اضطروا الممالك إلى إجابة طلبهم فيما يختص بتقدم تجارتهم. ومازالت ثروتهم تنمو حتى اقترضت الدول
[ ٢٢٣ ]
منهم وصارت مدينة لهم فقبضوا بذلك على أطراف السياسة وصاروا من رجال الحل والعقد في مجالس الحكومات. وبحسن تصرفهم تداخلوا مع فلاحي بلادهم أولًا بالتجارة ثم بالقروض حتى قبضوا على الزراعة أيضًا من طريق آخر فالمعامل والتجارة والزراعة كلها تحت تصرف هذه الطبقة فلا غرو أن قيل أنها عنصر حياة الأمم في أوروبا. ومن لوازمهم أنهم ما قعد أحدهم في مجلس إلا أخذ يتكلم في التجارة وفوائدها وطريقها وكيفية النجاح فيها ليرغب السامعين في الإتجار معه لتعظم قوة المملكة بكثرة التجار ووفرة ثروتهم فهم أساتذة في فنهم منبثون للتعليم والإفادة ولم يجعلوا فوائدهم قاصرة على لذائذهم البدنية بل مدوا أيديهم إلى الجمعيات الدينية والعلمية ففتحوا الوفا من المدارس والوفا من الجمعيات وبثوا رجال الدين والعلم في العالم أجمع على نفقتهم يستميلون من غايرهم دينًا ويكتشفون ما غاب عنهم من الأمم والأراضي لا يمنعهم من ذلك كثرة المنصرف ولا توالي الأزمان كلما تقادم العهد زادت النفقات والجمعيات فهم تجار في الظاهر دعاة فتحة في الباطن فكانهم هم الملوك ورجال المملكة وعظماؤها عمال لهم.
طبقة علماء الرياضة والطبيعة
هذه طبقة الفضل في العالم فان رجالها أهل الابتداع والاختراع وتهذيب النفوس وتعليم الجهلة وصناعة الضروريات. منهم الطبيب والكيماوي والمهندس والفلكي والميخانيكي والنباتي والمعدني والحيواني والبحري والبري من رجال الحرب والجغرفي وغيره وكل واحد منهم منكب على عمله مجتهد في مقدم فنه بشرح غوامضه وتبيين فوائده ونشر فرائده فهم في
[ ٢٢٤ ]
سباق دائم ولا وجهة لهم إلا وقاية ممالكهم وإعلاء شأنها وتقدم معارفها وصنائعها
وتعظيم ثروتها وتعضيد قوتها. يختلفون في المواضيع العلمية فيما بينهم ويتفقون في المجامع السياسية وخدمة الأمة خدمة جد وإخلاص لا تقعد هممهم عن جوب الأقطار البعيدة ومفارقة الأهل والأوطان لفائدة يفيدونها ممالكهم وشاردة يضمونها لعلومهم ومجد يكتسبونه بين أممهم وذكر خالد يحفظه لهم التاريخ فهم السلم الذي ترتقي عليه الأمم إلى درجات الكمال والمعراج الذي تصعد عليه الملوك إلى سماء الأبهة والجلال والعضد الذي تقوى به الممالك على الدفاع والوقاية من عوارض الضعف والتلاشي ولا حديث لهم إلا في فنونهم كلما قعد أحدهم في مجلس ذكر فضل علمه وفوائده وعدد الحوادث والوقائع والمشاهدات التي نشأت به وطرأت عليه وشوق السامعين إلى الاشتغال به والتعويل عليه ليثيرهم المتقاعدين عن المعارف وينبه الغافلين عن أسباب الفضائل ومظاهر المجد وناهيك بطبقة بلغ عدد المعلمين منها في أمريكا نحو ثلثمائة ألف معلم يتعلم منهم نحو ٦٠٠٠٠٠٠ من التلامذة وقد نبغ على أيديهم نحو ١٣٠٠٠٠ طبيب و١٦٠٠٠ مؤلف و٥٠٠٠ محرر للجرائد ومن لا نحصيهم من ذوي الفضل في الفنون الكثيرة المتداولة فيما بينهم. البقية تأتي