هو العيد الأكبر والمشهد الأنور ويوم التذكار لظهور ذات سيد العالمين وخاتم المرسلين مالئ الوجود بمحاسن دينه وممدن العالم ببديع شريعته ومهذب النفوس بجميل سنته منبت شعر المجد في رؤوسنا ومنير بواطننا بأسراره وبستان غذاء الأرواح مهبط الفيض الرباني والأسرار الإلهية عنوان المجد وطالع السعد كتاب الحكم الذي أخذ عنه الحكماء وجامع العلوم الذي تنورت به العلماء أبي القاسم سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد احتفل به جميع المسلمين وكان للديار
[ ١٦٦ ]
المصرية الحظ الأوفر من هذا الاحتفال إذ عم الفرح جميع البلاد الريفية والمدن الكبيرة فلا تمر ببلد إلا وترى أهلها محيين تلك الليلة المباركة بالقرآن الشريف والذكر المنيف والصلوات أما المدن فكانت الطرق منورة بكثير من النجف واللامبات والقناديل والدكاكين مزينة بالأقمشة والورق الملون والبيوت مزدحمة بالمتزاورين يهنئ بعضهم بعضًا. وهذا العمل وإن اشترك فيه جميع المسلمين واعتنى به أهل إسكندرية خصوصًا في أسواقهم ومساجدهم وبيوتهم إلا أن الساحة العامة الخاصة بإحيائه في مصر هي بهجة الناظر التي تملأ القلوب سرورًا برؤيتها وتشرح الصدور بما فيها من حسن النظام وترتيب الخيام وكثرة الأنوار وازدحام المسلمين ازدحامًا عظيمًا فقد اعتنت الحكومة السنية بترتيب هذا المولد الجليل اعتناءً تامًا وحشدت فيه كثيرًا من العساكر لحفظ النظام وكان في صدر هذه الساحة الجليلة صيوان ذي السماحة والفضيلة وخادم الحضرة النبوية الداعي إلى هذا الاحتفال العظيم السيد توفيق أفندي البكري حفظه الله تعالى وبجانبيه خيام دواوين الحكومة الغراء والسادة الأشراف المجتمعين من مصر ومن البلاد الريفية وكل خيمة مهيأة لوفود الضيفان بها الطباخون والفراشون والخدم الواقفون على قدم الاستعداد حتى كأن كل خيمة أعدت لفرح خاص وهذا الاحتفال بهذا النظام البديع لا يوجد في غير مدينة مصر من مدن العالم الإسلامي وكان سماحة السيد توفيق أفندي البكري يزور الأشياخ في الخيام في جماعة من الصالحين وهو في أحسن ما يكون من الوقار والاعتبار رأيته كذلك فيم حال أخصها صيوان نخبة الأشراف الأطهار الأستاذ الفاضل السيد علي المغازي عامر خليفة السادة المغازية. ورأيت في الليلة الأخيرة ما
[ ١٦٧ ]
بهرني من ازدحام المسلمين وفرحهم الفرح التام وتخلل جموعهم بكثير من الأقباط والسوريين والإفرنج للتفرج على
هذا الموسم البديع المثال وكنت واقفًا بصيوان فاضل بني عبد مناف الأكارم السيد محمد أبي حامد حال اشتعال الألعاب النارية فرأيت ما لم أره من قبل وناهيك بمحفل ما ترك أميرًا ولا عالمًا ولا شريفًا ولا ذاتًا من الذوات ولا نبيهًا وفاضلًا إلا جمعهم في ساحته المنيرة وقد اجتمعت بأفضل الفضلاء وشيخ مشايخ الأزهر الشريف صاحب السماحة والفضيلة أستاذنا الأكبر وشيخنا الأطهر الشيخ محمد الأنبابي ومعه الشيخان الفاضلان العلامتان الشيخ محمد البنا والشيخ سليم البشري وكانوا منيرين لصيوان السيد علي المغازي ليلة الأحد واقتبست من كلماتهم الحكمية ما يزيد المرء علمًا وإيمانًا. وفي صبيحة يوم الاثنين تلا المولد الشريف بحضور عطوفتلو عبد الرحمن باشا رشدي نائبًا عن الحضرة الخديوية الفخيمة وانتهى المجلس بالدعاء لذاته الكريمة وانفض المحفل وكل يقول آمين.