اشتغل الكتاب قديمًا وحديثًا بوضع الكتب والرسائل في تربية الأبناء وتهذيبهم ونقلهم من حضيض البهيمة إلى أوج الإنسانية ومدار الكمال وقد اختلفت عباراتهم باختلاف الأفكار وتباين الأقطار وكان للشرق القدم الراسخة في هذا الباب فتهذب رجاله وتراقوا إلى أعلى مقامات الفضل بما أخذوه عن أساتذة التربية وكانت طريقة التعليم واحدة في جميع أقطاره ثم انتهى إلى تعلم العلوم من طريقين طريق التلقي عن الأشياخ وسموه الطريق الديني وطريق الأخذ عن الأساتذة وسموه التعليم المدرسي وهذا الأسلوب معترض عند الأوروباويين فإنهم الآن محل الاختراع ومرجع الترتيب فالحسن ما حسنوه والقبيح ما قبحوه والرواية أن لم تنته إليهم فهي باطلة والنسبة إذا لم تتصل بهم فهي عاطلة وهذا الذي ألزمنا العدول عن البحث في طرق تعليم الشرقيين إلى النظر في طرقهم لنجاريهم فيما هم فيه فإن التمدن موقوف على تقليدهم والأخذ بطريقتهم والهمجية لا توجد إلا في مخالفتهم والعمل بغير آرائهم. ولا بد لنا معاشر الشرقيين من مجاراة الأمم المتمدنة للخروج من
[ ٢٠٢ ]
مضيق التوحش المنسوب إلينا ما دمنا على تعاليم أسلافنا ولا نصل إلى هذا المقصد إلا بالوسائل التي اتخذتها أوروبا وكلها محصورة في طبرق التعليم وهي أنهم خلطوا التعليم الديني بالتعليم المدرسي وصيروهما طريقة واحدة فبنوا في كل مدرسة كنيسة يصلي فيها التلميذ قبل الدخول إلى الدرس وعند انتهاء الدروس ليخرج من صغره عارفًا بواجباته واتخذوا المعلمين من القساوسة فالكاتب والحاسب والرياضي والطبيعي حتى فراش المدرسة وطباخها كلهم منهم فقد جربوا أنفسهم في الوحدات الجامعة فلم يجدوا أنفع من وحدة المذهب ولذا تحد الكتب التي بأيدي الأطفال كلها محشوة بالأمثال الدينية فإذا ترقى الطفل إلى درجة عليا وجد العلوم الرياضية والطبيعية مخللة بقواعد دينية ليكون المذهب ملحوظًا بعين الاعتبار محفوظًا عند الصغار والكبار وقد حتموا القيام بالمظاهر الدينية على الأطفال والنساء والفتيان والشيوخ حتى أنك تجد أرباب الفكر الحر الذين لا يدينون بدين يجارون المتدينين فيما هم فيه فلا يقدر أحدهم على فتح دكانه يوم الأحد بل يقفله موافقة للسواد الأعظم ولا يأخذ زوجة بغير تكليل شرعي ولا يترك ميته يفارق الدنيا من غير أن يستحضر له قسيسًا ولا سيشتغل في أيام الأعياد تظاهرًا بعدم اعتقاده ولا يطعن في دينه وهو في مجمع أدبي أو عامي ولا يسكت عن إقامة الحجة على صحة دينه إذا عورض
فيه. وما يعتقده من فساد العقيدة على زعمه الفاسد إنما هو أمر باطني لا يتظاهر به إلا عند من يماثله فيه، وهذا الذي جمع وحدة أوروبا الجماعية وأن اختلفت المقاصد السياسية التي هي في حكم الفروع لهذا الأصل الوثيق ثم أنهم يدونون كتب
[ ٢٠٣ ]
التعليم بلفتهم المستعملة في وطنهم فلا تجد فرنسويًا يتعلم بالإنكليزي ولا روميًا يتعلم بالألماني ولا نمساويًا يتعلم بالروسي ولا إيطالينًا يتعلم بالأسبانيولي بل كل دولة تحافظ على لغتها بجعل التعليم بها فتجد جميع الكتب العلمية موضوعة بلغاتهم إلا ما يكون من بعض الكلمات التي تضعها العلماء باللسان اللاطيني أو اليوناناي فإنها تقرأ بين أهل كل لغة باللاطينية أو اليونانية لأنها في حكم الاصطلاح الذي لا يتغير ولكنهم يترجمون المعنى بلغتهم فإذ تعلم التلميذ كلمة أخذ معايناها معها حرصًا على بقا اللغة حية بمعرفة معاني لسان الغير بها. وهذا الذي طالبنا له عقد جمعية علمية والسبب الباعث على المحافظة على اللغة أنها العنوان الجامع للجنسية الحافظ له للتاريخ الداعي لاجتماع الأفراد إذا تفرقت الأمم فالمحافظة على اللغة محافظة على الجنسية بل على الملك وما يشتمل عليه ولهذا لا تميل أية دولة لنقل التعاليم من لغتها إلى لغة أخرى مهما مست الحاجة إليها ولا تعطي شهادة لتلميذ أدى لامتحان في جميع العلوم بغير لغته مهما كان تمكنه من اللغة الأجنبية عن لغته وبهذه الوسيلة حفظت مقاعد الدول وامتازت كل أمة بخصائصها التي حفظتها لها لغتها. وكثيرًا ما سمعنا ورأينا أناسًا من أوروبا اختلطوا بغير جنسيتهم وتكلموا بلغتهم ثم جاء أبناؤهم من بعدهم وتعلموا بغلة الغير فانسخلوا من جنسيتهم وتجنسوا بجنسية من يتكلمون بلغتهم كما حصل في الألمان الذين تأنجلوا والذين تفرنجوا أيام ثورات الأوسترغوط والنورماندية وغيرهم وما ذلك إلا بترك لغتهم واستعمال لغة الغير التي حكمت بتسليم الذات تبعًا لها ومن مبادئهم تعليم روابط الجنسية وشرفها ووجوب المحافظة عليها فيخرج التلميذ عارفًا بقدر نفسه محبًا لأبناء جنسه حافظًا لتاريخ قومه
[ ٢٠٤ ]
عالمًا بثارات الدول معهم وارتباطهم بغيرهم محيطًا بالفروع التي تفرعت من جنسيته والأقطار التي حلت بها باحثًا فيما يحفظ وحدة جنسيته ويجمع كلمتها ويرفع قدرها وينمي ثروتها وكثير عمارتها ويقدم تجارتها ويصلح زراعتها ويحفظ حدوها وينور أفكارها فما رأى فضيلة في أمة إلا نقلتها إليها ولا مزية في موجود الأهل لها الحصول عليها وبهذا رأينا كل جنسي في أوروبا مرتبطة أفراها ببعضها ارتباط
أهل بيت واحد وأن توزعت الأهواء حول المشارب السياسية والمذاهب الدينية، ومن مبادئهم تعليم التاريخ مالي والوطني فيعرف كل تلميذ أوصل آبائه والمتقلبين في وطنه وأدوار عمرانه وأسباب تقدمه وتأخره والعوارض التي طرأت عليه من خير وشر والأمم التي هاجمته والتي تتاخمه والتي توأد أهله واليت تنافرهم ومن تاريخ يعلم الرجال الذي خدموا وطنه من سياسيين وحربيين وكتاب وفضلاء فترى الأمة سارية خلف رجال الطبقة الأولى من المدربين على الأعمال معضدين آراءهم معارضين أعداءهم فإذا شرع العظيم منهم في مشروع نافع للوطن وأهله رأى الأمة أمامه منادية بصوته مؤيدة مبتكراته فيقوى بذلك عزمه ويسهر في طلب راحة الأمة وتقدمها فرحًا بمعرفة الأمة لقدره مسرورًا بتدوين الأمة لتاريخه إذ لا بد لكل إنسان من غرض ذاتي مهما كانت حرية ضميره في أعمله ولا غرض لخدمة الأوطان والأمم من كبار الرجال إلا حفظ تاريخ حياتهم بين الأمة التي يخدمونها ويتركون لذائذهم ومشتهياتهم في جانب تمتع الأمة بنتائج أفكارهم التي تركوا اللذائذ والمشتهيات لأجلها وفي مقدمة رجال الهمم والآثار الملوك والوزراء فترى صورهم مرتسمة
[ ٢٠٥ ]
أمام التلميذ وأعمالهم مدونة بين يديه يعرف قدر ملوك وطنه وشرف المحافظة على بيت الملك والدفاع عن أهله ومنصبهم الجليل إذ لا شرف لأمة لا ملك لها ولا مجد لمملكة أضاعت بيت ملكها ولهذا نرى الأوروباويين متعاضدين على حفظ ملوكهم متدافعين في طريق وقايتهم من العوارض الضارة قائمين بأداء واجباتهم وفروض رسومهم كمما نراهم يمتدحون بوزرائهم وينادون بمجدهم وينشرون أعمالهم في جرائدهم ويحفظونها في تواريخهم ويعاملونهم معاملة الآباء الرحماء ويعظمونهم تعظيم أشرف الناس وأعلاهم قدرًا. وبهذا أفنى الوزراء أعمارهم في خدمة الأمم وجدوا في حفظ أوطانهم وجلب موارد الثورة إليها وتربية أبنائها تربية الحكماء المدربين على جميع الأعمال ومن مبادئهم تحذير التلميذ من الثورة على ملكه أو أحداث الفتنة بين قومه وتنفيره من الانضمام إلى الأحزاب الفوضوية وتقبيح كل مخالفة لأوامر ملوكه ووزرائه التي تصدر للإصلاح وأحياء المعارف والصنائع ووقاية الملك من الأعداء. ويذكرون له بعض قصص الثائرين وما تم لهم من العقاب وبعض المعارضين وما أنبنى على معارضتهم من الدمار فيخرج التلميذ قريباَ من كل خير للوطن وأهله بعيدًا من كل شر للوطن وأهله. ثم يضيفون لهذا كله تاريخ الأمم وما
لهم من العلائق والروابط ويضمون إلى ذلك مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات والإرشاد إلى لاقتصاد المالي والانتظام البيتي وتعليم ضروب التجارة وما يلزم لها فإذا تمت له هذه المبادئ وانتقل منها إلى العلوم العالية خرج من المدارس قابلًا للكماليات مستعداَ للإدارات مؤهلًا للسياسات فلا يزال يطبق عمله على علمه وأشغاله تشهد له حتى ينتظم في سلك الرجال العظام وهناك تظهر ثمرات مجرباته
[ ٢٠٦ ]
وفوائد مخترعاته ومروياته ويشار إليه فإنه الرجل الذي بحسن تربيته وشريف عمله زاحم بمنكبه أعاظم الرجال وهذا التربية هي التي رفعت ممالك أوروبا إلى أوج السعادة والمنعة وانتهت بأممها إلى سنام الكمال.
ومن هذا الأنموذج يعلم أن رجال الدين في أوروبا هم أساتذة السياسة ورجال السياسة هم حفظة الدين فاتحد المبدأ والغاية وهذا عكس ما نراه في جميع أهل الشرق فإن العلماء مبتعدون عن السياسة مقترصون على العلوم الدينية فإذا عرض عليهم أمر سياسي أحجموا عن الخوض فيه لجهل طرقه وأن تكلموا فيه بالجراءة كان الخطاء أكثر من الصواب لعدم اشتغالهم بمثله ولهذا أهملهم الأمراء في المجامع السياسية وأخذوا بآراء من هم دونهم في الرتبة العلمية إذا كان من المشتغلين بالسياسة المدرين على أعمالها مع أن فريق العلماء أحق الناس بالاشتغال بها والتفنن فيها وغوص بحارها فإن نوازل الملوك تقضي عليهم في الغالب باستشارة العلماء فإذا جهلوا ما استشيروا فيه ربما أشاروا بما فيه ضرر الأمة وهم يظنون أنهم محسنون صنعًا بخلاف ما إذا اشتغلوا بالأمور السياسية فإنهم بما عندهم من تربية الملكة واقتدارهم على فهم عريض المعاني يمهرون في السياسة ويتقدمون على المشتغلين بها عمرًا طويلًا إذا اشتغلوا بها زمنًا قصيرًا وليس في النصوص ما يمنع من الاشتغال بها حتى نعده معصية بل كل العلوم الشعرية من قواعد السياسة فإن أبواب البيوع والزرع والوقف والحرب والسلم والجنايات والشهادات والحقوق والقسمة وغيرها كلها من أصول السياسة ومن درس العلوم الكثيرة لا يعز عليه دراسة القوانين والمعاهدات الدولية والأخبار اليومية بعد أن تمت له المعدات ومواد التحصيل.
[ ٢٠٧ ]
فما لنا نتقاعد عن طرق أوروبا النافعة ونسعى في طرق تفقدنا معاشر الشرقيين روابط الجنس واللغة والوطن والدين وما لنا غفلنا عن مبادئ الجمعيات الأوروباوية وسلمنا أولادنا إلى أساتذتها فأعادوهم إلينا متجسبن بجنسياتهم حقيقة وأن شابهونا صورة فنرى المصري
والسوري والتركي والعراقي الذين تعلموا من بادئ أمرهم على أساتذة الفرير والبروتستانت والجزويت صاروا قسمًا ثالثًا بين الشرقيين والغربيين اللهجة شرقية والمساعي غربية. فماذا على أغنياء الشرق لو عقدوا الجمعيات الخيرية تحت حماية دولتهم وتفحوا بها المدارس الوطنية وعلموا فيها هذه المبادئ تقليدًا لأوروبا وساعدتهم الحكومة بحفظ مشروعهم من السقوط وتسهيل طرق تعميم التعليم وتوسيع نطاق الجمعيات بأعداد محافل الخطابة العلنية العلمية ونشر المطبوعات الأهلية ومكافأة النابغين ومساعدتهم على جنى ثمرة أتعابهم باستخدام أو تسهيل طريق معيشة أو أعانة على صناعة وحفظ الامتيازات للمؤلفين والمخترعين لتنموا الأفكار وتكثر المبتكرات فهذه أوروبا تنادينا:
عني خذوا وبي اقتدوا ولي اسمعوا وتحدثوا بغرائبي بين الورى