من نظر إلى العلماء ووظائفهم في العالم حكم بان الكون السفلي ما خلق اللهم ولا عرف إلا بهم ونريد بالعلماء كل ذي علم ينتفع به في شيء مخصوص الخاصة المعلمين والمدرسين. وأول العلماء قيامًا بوظائفهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم فتحة باب العلوم النافعة وعند ما نيط بهم النظر في شؤون العالم والقيام بدعوة الناس إلى الصراط المستقيم جدوا في طريق الإفادة واجتهدوا في جذب النفوس إليهم بالرفق واللين وحسن الخلق وجميل المعاشرة فلاينوا الأغنياء ولا طفوا العظماء وجالسوا الضعفاء وماشوا الفقراء ونصحوا البعيد والأحرار ووعظوا العقلاء والأغرار وصبروا على مشارق المعارضة والمجادلة وتحملوا ألم التكذيب والتعذيب ولم تعقدهم رعود التهديد والتأنيب عن بث عاويهم التي انتصبوا لنشرها في معاصرهم وقد تجافت جنوبهم عن مضاجع الراحة فما أخلدوا إلى الرفاه ولا مالوا إلى اللذائذ
[ ٢١٧ ]
البدنية ولا اشتغلوا بجمع الذهب والفضة ولا اعتنوا بكثرة الأثاث والأوعية بل ظهروا فقراء وعاشوا فقراء وماتوا فقراء عن زهد وورع لا عن قلة وضنك حال فإن هداة العقول غنيمتهم جذب النفوس وحظوظهم أخذ السامعين بدعوتهم ولذائذهم في تكوين العصبيات وتوحيد الكلمة وتطهير عنصر الجامعة الدينية والملكية من خليط التفريق وأمشاج الأهواء وقد قضوا أدوارهم العظيمة في تعب وعناء وانتهى بهم الأمر إلى ظهور الحكماء والعلماء بالأخذ عنهم بمشارة أو بالنظر في كتبهم وأنقسم الناس بعهدهم فرقاء كل فريق جعل له وجهة علمية يقضي حياته في الوصول إليها. فاختلفت مواضيع العلوم واحتكت الأفكار بعضها ببعض وتبادل العلماء التقى والتلقين والجدل والمناظرة حتى أتموا معدات الكمال العمراني بما وصولا إليه من المعارف الآتية إليهم باحتكام أفكارهم فيع ولم الأنبياء الذين قادوهم بمقود الدين والسياسة السماوية حتى أوصولهم إلى النظر في السلفيات والعلويات وغرائيس المخلوقات وهدوهم إلى المبتكرات والمترعات وعلموهم طرق السياسة السلمية والحربية وترتيب الإدارات وتقسيم الولايات ووضع الضرائب وفصل القضايا وعقد المعاهدات وتسيوع التجارة وكل ما يلزم المكل وما فيه من العلام. وبإتقان الحكماء والعلماء هذا الطريق المستقيم اعتمد عليهم الملوك وجعلوهم شركاءهم في الرأي والتدني والنساء والتنفيذ وسلموهم الأمم يتصرفون فيهم بعلومهم التهذيبية والتأديبية كأنهم هم الملوك. ولما رأوا أن العلم رفع وضيعهم إلى حيث أجالسه مع
سلطانه واركبه مع أميره بذلوا نفوسهم ونفيس أوقاتهم في تحصين المركز العلمي من السقوط والتلاشي فأكثروا من المدارس
[ ٢١٨ ]
وانتقوا إليها الأذكياء النبهاء وخدموهم بأنفسهم خدمة الوالد الرحيم لطفله الصغير ثم نقلوا المتعلمين من ساحة العلم إلى صحراء العمل تحت المراقبة والملاحظة وقد نظر كل متعلم ملا عليه معلمه من الأبهة والجلال ورفعة المقام وبعد الصيت فانبعثت فيهم أرواح الغبطة وحملتهم على اقتحام عقبات المتاعب اقتداء بأساتذتهم حتى أخذت أعمالهم بأيديهم ونادتهم مآثرهم إلى منصة الإمارة فعلوها بحق واستحقاق.
وقد أخذ الشرق دوره في هذا المقام الدليل لأخذه عن الأنبياء مباشرة واشتغال أهله بالمجادلة والمجادلة قرونًا طويلة خصوصًا أيام الدور المحمدي الإسلامي فإنه جاء بخيري الدنيا والآخروة ملاء الكون بالعلماء والأمراء وفتح للتعليم أبوابًا ما اهتداى إليها السابق ولا ذمها اللاحق حتى عرف المعايرين له كيفية الأخذ بدينهم بما رأواه في كتب علمائه من الأبحاث الأًولية والقواعد التوحيدية والفروع الفقهية والعلوم العقلية فاقتدوا بهم وجاروهم في التأليف الدينية وغيرها وكانوا عنها غافلين وقد ملأ علماؤه كتبيات العالم أجمع بفوائدهم وفرائدهم العلمية ونشروها بين أفراد الأمم وعلموها كل طالل حتى قادوا الشرق والغرب بعلومهم فكل ما في الكون الآن من العلماء بأي علم كان أنماهم تلامذة المسلمين وفي عنق كل منهم نعمة للدين الإسلامي وإن دان بغيره. وعند ما تعددت وحدة الملك في الشرق بظهور المتغلبين ضعفت قوته العظيمة بتجزئة ممالكه فسهل على الغرب شن الغارة عليها الآن الأمة الكثيرة العدد والأقطار تصدم مثلها من الأمم دفاعًا عن نفسها وتحفظ مركزها الجغرافي باجتماع كلمتها فإذا تجزأت وصارت قطعًا متقاطعة سهل
[ ٢١٩ ]
على غيرها من الأمم أن يبتلعها لضعفها عن المقاومة وانقطاعها عن العضد والمعين. وهذا الذي فتح لأوروبا باب التغلب على الأمم الشرقية والتداخل في أعمالهم وتمزيق أوصال مجتمعهم الشرقي بإيقاع العداوة بينهم وإيغار صدور ملوكه من بعضهم البعض حتى جدعوا أنوف مجدهم بأيدي عداوتهم ووقف الغرب يتفرَّج على أهل بيت ينقضون جدران أوطانهم حجرًا حجرًا حتى إذا انحط الرفيع وضعف القوي وتوزعت الأهواء حول المطامع الأجنبية وقع الشرق في شرك الجهالة وتحولت قوته العلمية إلى الغرب فتلقاها أهله بالترحيب والتكريم واشتغل
كل فريق بعلمه حتى أذهلوا العقول وحيروا الأفكار وملكوا معظم الشرق بجدهم الغريب. وحيث أن الأدوار الشرقية طويت في سجل كان والدور الغربي هو المعلوم الآن لزمنا أن نبين طبقات علمائه الغربيين والشرقيين تذكيرًا لا تعليمًا عسى أن تحيا همم النشئة الشرقية فيودي كل عالم منا واجبات علمه اقتداءً بمثله الأوروبي إذ عز علينا أن نقول اقتداء بجده الشرقي لطول العهد بيننا وبين أجدادنا ونسياننا ما كانوا عليه. ولا عيب علينا إذا أخذنا عن أوروبا واقتدينا بها الآن في إجراء وظائف العلماء كما هو حاصل فقد أخذت عن متقدمينا واقتدت بهم حتى آن لها الاستقلال بأفكارها والاشتغال على أساتذتها شأن الأدوار العمرانية في الممالك شرقية وغربية.