أخبار السيدة سكينة
(تابع)
وكان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة وآلى يمينًا أن لا يغني ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي ثم خرج فأتى المدينة ونزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة فأقام في المدينة حولا ثم أراد الشخوص إلى مكة وبلغ ذلك سكينة فاغتمت لذلك غمًا شديدًا وضاقت به ذرعًا وكان أشعب يخدمها وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره كما أسلفنا فقالت لأشعب ويلك إن ابن سريج شاخص وقد دخل المدينة منذ حول ولم أسمع من غنائه قليلًا ولا كثيرًا ويعز على ذلك فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتًا واحدًا فقال لها أشعب جعلت فداك وأني لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه فارفعي طمعك وامسحي بوزك تنفعك حلاوة فمك فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه وخنقته حتى كادت نفسه أن تتلف ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجًا عنيفًا فخرج على أسوء الحالات واغتم أشعب لذلك غمًا شديدًا وندم على ممازحتها في وقت لا ينبغي له ذلك فأتي منزل ابن سريج ليلًا فطرقه فقيل من هذا فقال أشعب ففتحوا له فرئ على وجهه وليحته التراب والدم سائلًا من أنفه وجبهته على لحيته وثيابه ممزقة وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق ومات الدم فيها فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه فقال له ماهذا ويحك فقص القصة عليه فقال ابن سريج إنا لله وإن إليه راجعون ماذا نزل بك والحمد لله الذي سلم نفسك لا تعودن إلى هذه أبدًا قال أشعب فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ولكن هل لك حيلة في أن تسير إليها وتغنيها فيكون ذلك سببًا لرضاها عني قال ابن سريج كلا والله لا يكون ذلك أبدًا بعد أن تركته قال أشعب قد قطعت أملي ورفعت رزقي وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد وهي ساخطة علي فالله الله في وأنا أنشدك الله ألا تحملت هذا الإثم فيّ فأبى عليه فلما رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تم على الامتناع قال في نفسه لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت فصرخ صرخة فتحت آذان أهل المدينة ونبه الجيران من رقادهم وأقام الناس من فرشهم ثم سكت فلم يدر الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن راعهم فقال ابن سريج ويلك ما هذا قال لئن لم تسر
[ ٤ / ٦٩ ]
معي إليها لأصرخن صرخة أخرى لا يبق أحد بالمدينة إلا صار بالباب ثم لأفتحنه ولأرينهم ما بي ولأعلمنهم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان يعني غلامًا كان ابن سريج مشهورًا به فمنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى ففعلت بي هذا غيظًا وتأسفًا وإنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه فقال ابن سريج أعزب أخزاك الله قال أشعب والله الذي لا إله إلا هو وإلا فما أملك صدقة وامرأتي طالق ثلاثًا وهو يخير في مقام إبراهيم والكعبة وبيت النار والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلن ما قلت لك فلما رأى ابن سريج الجد منه قال لصاحبه ويحك أما ترى ما وقعنا فيه وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكًا فقال لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب اخرج من منزل الرجل فقال رجلي على رجلك فخرجا فلما صارا في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب امض عني قال والله لئن لم تفعل ماقلت لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس ولأقولن أنك أخذت مني سوارًا من ذهب لسكينة على أن تجيئها لتغنيها سرًا وأنك كابرتني عليه وجحدتني وفعلت بي هذا الفعل فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه فقال امض لا بارك الله فيك فمضى معه فلما صار إلى باب سكينة قرع الباب فقيل من هذا فقال أشعب قد جاء بابن سريج ففتح الباب لهما ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة فجلسا ساعة ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة فقالت يا عبيد ما هذا الجفاء قال قد علمت بأبي أنت ما كان مني قالت أجل فتحدثا ساعة وقص عليها ما صنع به أشعب فضحكت وقالت لقد أذهب ما كان في قلبي عليه وأمرت لأشعب بعشرين دينارًا وكسوة ثم قال لها ابن سريج أتأذنين بأبي أنت قالت وأين قال إلى المنزل قالت برئت من جدي إن برحت من داري ثلاثًا وبرئت من جدي إن أنت لم تغن إن خرجت من داري شهرًا وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرًا إن لم أضربك لك يوم تقيم فيه عشرًا وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحدًا فقال عبيد واسخنة عيناه اذهاب ديناه وافضيحتاه ثم اندفع يغني:
أستعين الذي بكفيه نفعي ورجائي على التي قتلتني
ولقد كنت قد عرفت وأبصر ت أمورًا لو أنها نفعتني
[ ٤ / ٧٠ ]
قلت أني أهوى شفا ما ألاقي في خطوب تتابعت فدحتني
فقالت سكينة فهل عندك يا عبيد من صبر ثم أخرجت دملجًا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالًا فرمت به إليه ثم قالت أقسمت عليك إلا ما أدخلته في يدك ففعل ذلك.
ثم قالت لأشعب أذهب إلى عزة الملاء فاقرئها مني السلام وأعلمها فأسرعت المجيء فتحدثوا باقي ليلتهم ثم أمرت عبيدًا وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها فلما أصبحت هيء لهم غداؤهم وأذنت لابن سريج فدخل فتغدى قريبًا. منها مع أشعب ومواليها وقعدت هي مع عزة وخاصة جواريها فلما فرغوا من الغداء قالت ياعز إن رأيت أن تغنينا فافعلي فقالت أي وعيشك فتغنت لحنها في شعر عنترة العبسي:
حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما زمت ركابكم بليل مظلم
فقال ابن سريج أحسنت والله ياعزة وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمته لها وقالت صيري هذا في يدك ففعلت ثم قالت لعبيد هات غننا فقال حسبك ما سمعت البارحة فقالت لا بد أن تغنينا في كل يوم لحنا فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع مما تسأله غني:
قالت من أنت علي ذكر فقلت لها أنا الذي ساقه للحين مقدار
قد حان منك فلا تبعد بك الدار بين وفي البين للمبتول أضرار
ثم قالت لعزة في اليوم الثاني غني فغنت لحنها في شعر الحرث بن خالد:
وقرت بها عيني وقد كنت قبلها كثير البكاء مشفقًا من صدودها
وبشرة خود مثل تمثال بيعة تظل النصارى حوله يوم عيدها
قال ابن سريج والل ما سمعت مثل هذا قط حسنًا ولا طيبًا ثم قالت لابن سريج هات فاندفع يغني:
أرقت فلم أنم طربًا وبت مسهدًا نصبًا
لطيف أحب خلق الله إنسانا وإن غضبا
فلم أردد مقالتها ولم أك عاتبًا عتبًا
ولكن صرمت حبلي فأمسى الجهل منقضبًا
[ ٤ / ٧١ ]
فقالت سكينة قد علمت ما أردت بهذا وقد شفعناك ولم نردك وإنما كانت يميني على ثلاثة أيام فاذهب في حفظ الله وكلاءته ثم قالت لعزة إذا شئت أقمت أو انصرفت ودعت لها بحلة ولابن سريج بمثلها وانصرفت وأقام عبيد حتى انقضت ليلته وانصرف فمضى من وجهه إلى مكة راجعًا.
وهذا ابن سريج هو (متلو)
[ ٤ / ٧٢ ]