مدارس الافكار
والمعهد وذمته. والشرف وحرمته. ان قلمي في خدمته لمن الصادقين ولساني في اخباره من الناصحين ناشدتك الحق ياشقيق الانسانية الا ما تانيت على خادم افكارك حتى يفرغ من حديثه وان شئت انبت او احبيت فانك في الاولى تحمد العاقبة فتندم على اهمال المبادى وفي الثانية تمدحك المبادي وتعشقك النهايات فان اكتفيت بالاشارة تركتني اعاني غير هذا الموضوع وان ابيت الا الشرح تفكها لا جهلا فما دعوت الا سميعا ولا امرت الا مطيعا. كانت نشأة الجرايد في اوروبا كنشأة زراعة القطن عندنا ووجه الشبه ان القطن عندما امرنا بزراعته كنا نزرعه ورجال الحكومة خلفنا بالكرباج ثم كنا نقلعه بعد ذهابهم ونحرث الارض لغيره فما زالت الحكومة تعالج رجالنا معالجة المريض حتى ارتنا الثمرة فالفناه وعشقناه واجتهدنا في خدمته حتى صار معدن ثروتنا كذلك الجرائد التي كانت توزعها كتابها بلا مقابل فتلقى في الطرقات والمحافل ولا تقراه فلما عجزت ارباب الاقلام في تفهم فنون السياسة خذت تذم الاخلاق الفاسدة وتمدح اخلاق المهذبين فتورط المهذب وصار يطالع الجرائد وتحرك الغبي فصار يتصفحها لينظر مايقال في امثاله فصارت قرأتها من الفروض العينية بل من معدات الحياة. فلما رات الكتاب ان جوائدها نفذت في الامم وتعلقت بها الافكار انقسمت قسمين قسم يهذب بضرب الامثال وسبك الوقائع في قوالب مألوفة. وقسم يؤدب بنقل الاخبار وتفسير الافكار فارتفع شأنها وعظم قدرها واشتدت سطوتها حتى صارت لسان الامم ثم ترقت الى درجة كانت فيها الامرة بالصلح المثيرة للحرب القاضية بالحكم فما نسمع الا قولهم من رأي جرائد ايتاليا في مسألة كذا وكذا ومن رأي جرائد فرنسا كذا. وهذا حد لم تبلغه الجرائد بنفسها بل بقرائها الباحثين في فصولها فانها انما تتكلم بلسان امة او طائفة من امة. اراك تعترض وتقول ان جرائدنا ليست في قوة التكلم رويدا فاننا الذين حجرنا عليها افكارها بما ابتلينا به من التهور وعدم التبصر في العواقب فاننا لو علمنا اننا في مهد من التهذيب وحضانة الاداب لوقفنا عند حدودنا وحصرنا افكارنا فيما يزيد ثروتنا ويقوي سطوتنا وتركنا تشويش الاذهان وتكدير الخواطر خلف ظهورنا واشتغلنا
[ ٥٥ ]
- ٢٣ -
بما يضمن صلاح مستقبلنا واجتهدنا في توسيع دائرة المعارف
واحياء ميت الصناعة حتى نخلص النفوس الطيبة من الجهاله ونفتح البيوت التي قفلها الاهمال والاعجاب لمصنوع الغير وان كان مغشوشا. واذا انتهينا الى السعي في منفعة الوطن وتركنا رجال هيئتنا تشغل بمصالحنا ونتج من هذا الاجتهاد تعميم العموم ونجابة الابناء ظهرت الجرائد فينا ظهور الشمس في كبد السماء واطلقت لها الهيئه حريه لا نصل بفكرنا الان الى حدها فانها تكون امنه اذ ذاك مطمئنه لما تراه من سلامة باطن اهلها وحرصهم على بقاء عمود الوطنيه تدور عليه الايام وهو في قوة وصلابة. اسمعك تقول اذا لا لزوم لجرائد الان. لا تعجين ايها الاخ فنحن في عصر لن تبقى فيه قريه فضلا عن مدينة الا وفيها قارئ فحق على كل من خط بيده وقرأ بلسانه ان يكون بيده جريدة يشاهد فيها العالم باسره وهو على كرسيه او في سرير نومه ولا يفعل فعل بعض الناس من اجتماعهم حلقه على جريده يقرأنها. نعم وان كانت مبادى حسنة الا اني لو كنت في تلك الحلقه واردت ان اراجع امرا مضى وانا في بيتي هل اسأل على من عنده الجريدة واذهب اليه او ابقى في حيرة لا اهتدي الى مقصدي. فمن هذا القبيل اقول حق على قارى ان تكون له جريدة باسمه ليحفظها ويراجع فيها ما يشأ في أي وقت شاء لاتبداء بالطعن في قبل ان نعرف مقصدي لقول اني اريد رواج المحررين لا كون في جملتهم لم ايها الاخ وانت تعلم ان المحررين يخدمون الافكار ابتغاء الانسانية ولقد صروا على جفاك وتباعدك عنهم حتى نضبت ثروتهم هم يستردون منك ما انفقوه عليك. وهذا العاجز يخدم الوطن خدمة زائدة على اشغاله المستغرقة اوقاته حبا فيه وطمعا في تقدم اخوانه ولو وجد من ينفق على صحيفته ويستخدمه بأجر الانتساب الى الوطن لارسلها اليك تقبل يديك شاكرة تفضلك عليك بقبولك الحميد غير سائلة منك ولا اجرة البريد ولكن عدم رضاء الوراق بالعفو ابي عليه الا تقدير قيمة الورق كما تراه في اخرها على انك لو نظرت لقيم بقية الجرائد لوجدتها لا تذكر في جانب بعض مهامك التي لا تعباء بها وما يقصد المحرر الا خدمة الافكار بقلمه لما يعلمه من ان جرائد الاخبار مدارس الافكار