ورد الى التنكيت
السوال
باي سبب ماتت صنائع الشرق وافتقر اهلها وباي وسيلة تحيا وتعود ثروة اهلها
الجواب
ماتت الصانع تجاسد اهلها وتباغضهم اللذين اورثاهم الفقر وفقد الامن والثقة بهم. وذلك ان اصحاب الاعمال اذا ارادوا فتح عمل كالبناء مثلاُ احضروا طائفة المعمار ووضعوا لهم ورقة يسمونها قائمة المزاد وامروهم بالتناقص في المقدار المعين لذاك العمل فاذا كان العمل يساوي الف جنيه قال واحد علي بسبعمائة فيتحرك بغيضه ويقول علي بخمسمائة ثم يتحرك بغيض الثاني ويقول علي بثلثمائة وهكذا حتى ينتهي المزاد الى مائتين فيرى صاحب العمل ان الالف لايقوم بعمله فضلاُ عن المائتين ولكنه فرح بهذا التناقص فيطلب من العامل تاميناُ وضامناُ غارماُ ثم يتركه لا يعرف له شيئاُ مقدماُ فيبتدى المسكين يبيع مصاغ زوجته وحليها وامتعه بيه واذا انتهى
[ ٥٩ ]
- ٢٧ -
العمل وجه اليه صاحبه واحداُ من المعلمين فيبتدي بسب اخيه ولعنه ويقول له هذا. العمل مغاير لما في الشروط فان الحجر احرش والبلاط معصراني والقصر مل كله تراب والهيصم مرمل والجير قليل وقلب البنيان فارغ والبياض قشرة واحد والجبس بارد والسلم قائم والسقف واطي والجدار ناقص وسمك الحائط ناقص عشرة سانتي متراُ وهكذا كله يمنعني من التصديق على نظافة عملك فاذا صافحه برابط المحبة (الجنيه) قال له لا باس من تنازلك عن عشرة في المائة من اصل المطلوب لك فيضطر المسكين لختم الكشف والتصديق على ما بقوله معلمه الاكبر وقد خرج من العمل بخراب بيته وكثرة ديونه واوقعه التباغض والتحاسد في الفقر وفقد الامن والثقة
فان قلت ِلمَ لم تفتقر الاجانب وهي تأخذ الاشغال العظيمة والاعمال الجسيمة. قلت نحن مغرومون بحب الاجنبي والاعجاب بكل ما جاء به من الاعمال حسنت او قبحت واذا اراد احد مقاولة اجنبي وساومه على عمل قيمته مائة جنيه قال له (دي اعملتو إحنا ميتين كمسين جنيه) واذا قدم لاخر من جنسه قال (يا خيبي دي راجل مجنون دي إسوى ثلاثة مية
كمسين جنيه) وقصده بذلك ان ياخذه اخوه وهو يشتغل معه في باطنه ليربحا معاُ وهذه فضيلة جميلة ووسيلة لزيادة ثروتهم واراك تسال عن الطريقة التي بها يتوصل اهل الصناعة لاعدة ثروتهم وتقدم صناعتهم فخذ الجواب من مشفق عليك طامع في انقاذك من مخالب الفاقة وناب الذلة
يعلم كل وطني ان هيئة حكومتنا الان غير ماكانت عليه قبل وغاية امالها تقدم ابناء الوطن وتهذيبهم تشهد بذلك اعمالها الجليلة ومساعيها الخيرية فانها وكلت امراء يرون ان لا دولة الا بالرجال ولا رجال الا بالمال ولا مال الا بتقدم الصناعة والفلاحة. فاذا اجتهدنا في مساعدتهم على افكارهم الحسنة لزمنا ان نسعى في عقد جمعية لكل طائفة تحت رئاسة عقلائها فاذا طراء عليهم عمل من الاعمال كان امره مفوضاٌ لمجلس الروساء من الطائفة يساوم من يشاء وياخذ ما يشاء ثم يوزع فيه من العمال بقدر مايتحمله وعند ما يطرأ غيره يوزع فيه من لم يكن في الاول وهكذا. وهذا العمل يلزمه راس مال يديرونه به فعلى روساء الطائفة ان يفرضوا فريضة على كل صانع بصفة سهام على قدر قوته واقتداره والمجموع يكون في صندوق تدور به الاعمال وعندما توزع الارباح يحجز المجلس من كل صانع جزءا يضيفه لسهامه حتى يصبح ذا ثروة من حيث لايشعر. وحيث ان الغالب من اهل الصناعة لايقراون ولا يهتدون لاسرار الجمعيات فعلى النبهاء من اخواننا ان يتنازلوا لهؤلاء الضعفاء بحثهم على عمل صناديق الاقتصاد وادارة الاعمال بالاتحاد والوفاق ولا باس من تفيهمهم بعض ما يقرؤنه في الجرائد من تقدم صناع اوروبا واجتهاد في زيادة
[ ٦٠ ]
- ٢٨ -
الثروة ومقدارما وصلوا اليه يحسن التدبير والاتفاق لتنبعث فيهم الغيرة والحمية ويحرصون على تقدم صناعتهم فان الانسان مقلد طبعا لا تطبعاُ واذا تمت هذه المبادئ وعقدت جمعيات الطوائف وفتحت صناديق الاقتصاد اختصتهم الحكومة باشغالها واعمالها لما تراه فيهم من الثقة والنشاط وظهرت الصنائع في عالم الوجود بحالة لايتصوره العقل الان فان الفكر الشرقي والعقل العربي والذهن المصري لاينبه باكثر من الاشاره
والا اذا لم تعقد هذه الجمعيات وتفتح تلك الصناديق وتلم الحكومة شعثهم ونعيد ثروتهم بمساعتها لهم فلا نلبث ان نرى اهل الصناعة (وهو السواد الاعظم) خدما للمتمولين (وليتهم منا) يصرفونهم كيف شأوا ويستعملونهم فيما يريدون ونفقد رجالنا بلاحرب وباء وتعدم
الهيئة الاجتماعية قوتها بتعذر التحصيل من فقير لا يأخذ من سيده الا القوت او غنى اذا طولب لجاه الى الغير. ولا يظن عاقل ان ضياع اهل الصناعة لايضر بهيئتنا وماليتها فانهم قسم واهل الزراعة قسم فمن هذا القبيل نفقد الثروة ومن القبيل الثاني يختل نظام الهيئة الاجتماعية بكثرة التشيع سيما واننا مغرمون بحب الغريب والميل اليه فترى الرجل اذا خدم غريباٌ سمى باسمه ومدح فعاله وذم اهل بلاده وعاداتهم كما نرى ذلك في كثير ممن يخدمون الاغراب. واذا استمر حال الصناعة على ما راه من التأخير في جانب الوطنيين خسرنا رجالنا وفقدنا قوتنا باعدام الثروة واصبحنا معاشنا ارقا صناعتنا وتحولت طباع الامة وفقدت اللغة وضاع المذهب بالاهمال والتقليد ونحن في بحار الغفلة غارقون