وما ملابسات عصره التي ساهمت في تشكيله ..
وأساليبه في الكتابة والنقد والفكاهة ..
نثرياته وزجله ..
هذا هو الحديث هنا .. فاسمعوا.
بدأت مصر حياة جديدة .. فالقاهرة تحقق حلم الخديوي إسماعيل في أن تكون عاصمة تفوق في حسنها باريس وفينا .. «ولم تكن إلا سنوات حتى قامت القصور على شواطئ النيل بين الجزيرة والروضة وفتحت المدارس ومدت السككك الحديدية واتصل البحران في مشهد فذ في التاريخ شهده ملوك أوروبا» .. وأسرف إسماعيل في الاستدانة حتى أرهقت مصر بديونها وفتحت الباب للأجنبي في التدخل بشؤونها ..
في تلك الفترة كانت الحياة الداخلية تتشكل بصورة جديدة، في القاهرة والمدن الكبيرة على الأقل. ظهرت الصحافة السياسية وأصبحت هناك حركة قومية دستورية ترمي إلى تقيد سلطة الحكومة المطلقة.
افتتحت أول مدرسة لتعليم البنات وبدت بوادر الحركة النسائية. وافتتحت المسارح وانشئت دار الأوبرا وأخذت الحياة الثقافية اشكالا جديدة لم تعرفها البلاد ويمكن القول أنها كانت فترة ميلاد للثقافة الجديدة.
ولد النديم في يوم عيد الأضحى بالاسكندرية سنة ١٨٤٥، قضى بضع سنوات يتلقى العلم بالمسجد الأنور يحضر حلقات الفقه والنحو واللغة لكنه سرعان ما ترك الدرس فلم يعد يحفل به وانصرف عن التعلم وسئم الكتب وخط لنفسه طريقا غير التي رسمها له أبوه.
انطلق إلى التسكع في الطرقات، يندس بين الناس إذا رآهم مجتمعين يتندرون أو يتسامرون. حفظ أحاديثم واطلع على طبقات المجتمع المختلفة فخيره أبوه بين أن يستمر في التعلم أو ينطلق لحال سبيله ويتولى هو أمر نفسه، وكان حينها في السابعة عشر من عمره .. فخرج من الإسكندرية يجوب القرى والمدن يجد - شأنه شأن كل الظرفاء الجوالين - مكانا عند العمد وأعيان البلد .. فيخالطهم ويمتعهم بزجله وطرفه ويعرف عاداتهم وأشكال حياتهم ..
نزل ضيفا عند أحد الموظفين الكبار في السكك الحديدية واقترح عليه أن يرتب له عملا حكوميا يستقر به، وعينه عامل (برق) في التلغراف ببنها، لكنه ضاق بالحياة هناك سريعا وكان وكتب لصديقه الذي عينه يشتكي له من ضوضاء القطارات وضيقه بمن حوله من أوباش وصفهم فقال: «أعبدهم إذا رأى الخمر هام، فلا يرد إلا الحمام، وأصلحهم (نواسي) العمل، وأقنعهم (أشعبي) الأمل .. لا يركعون ولا يتصدقون ويخلفون ولا يصدقون، ولا يرون عيبا في فحش ) إلى آخر ما كتب، فنقل إلى القاهرة عاملا في مكتب تلغراف القصر العالي (قصر الوالدة باشا أم أفندينا بلسان زمانهم) وهناك تفتحت عينه على حياة جديدة ملؤها الأبهة والفخامة .. كان في القصر فرقة موسيقية لعزف الأدوار الغربية تحت رئاسة مديرة حائزة أرقى الشهادات من أوروبا، غاية في الجمال والروعة، كانت ترتدي أثناء إقامة الحفلات سترة من الجوخ الأحمر المزخرف بالقصب وسروال من الصوف الأزرق وقد رصع صدرها بالنياشين وعلى راسها طربوش وفي يدها عصا فضية .. وفي القصر أيضا فرقة لعزف الموسيقى التركية بمصاحبة فرقة من المغنيات المصريات وكان فيه أيضا فرقة للتمثيل المسرحي وفرقة من أجمل راقصات أوروبا .. ومجموعة من الجواري والوصيفات .. وفوق كل هؤلاء خادم أسود مرهوب الجانب اسمه (خليل أغا) ورتبته باشي أغا الأميرة .. وكلمته سيف على الجميع .. ومن علو مقامه أن كبار الأعيان حينما حضروا حفل زفاف الأمراء (حسن وحسين وتوفيق) كانوا جميعا يقبلون يده ..
في هذه الأثناء اتصل النديم بالأفغاني في قهوة متاتيا وعرف هناك محمود سامي البارودي ومحمد صفوت الساعاتي والسيد علي أبو النصر وهما شاعرا المعية السنية ..
وحدث أن أغضب (خليل أغا) مرة فطرد من القصر وسدت أمامه كل سبل التعين الحكومي فهام مرة أخرى في البلاد ثم عاد للقاهرة واتصل مرة أخرى بالأفغاني وانضم لحزب الإصلاح وهو حزب أنصار الأفغاني وكان نصيبه هو مقر الاسكندرية فانطلق إليها وأنشأ هناك الجمعية الخيرية الإسلامية وولي هو نظارتها وفي مدرستها كتب أول مسرحياته الوطنية وأخرجها على مسرح (زيزينيا) في حضور الخديوي وكبار رجال الدولة، وكانت بعنوان (الوطن وطالع توفيق) لكنها فتحت عليه عين رياض باشا رئيس الوزراء فسلط عليه أعوانه يخرجوه من الجمعية حتى استقال النديم بعد أن ضيق عليه الخناق.
في هذه الفترة عزم النديم على إصدار أولى صحفه ورأى أن تكون بنسق غير مسبوق .. فقد أرادها أن تكون صحيفة الخاصة والعامة من أبناء الأمة وسماها (التنكيت والتبكيت) وصدر العدد الأول منها في ٦/ ٦ / ١٨٨١ وسأفصل الحديث عنها إن شاء الله ..
اتصلت صلته بأحمد عرابي ورأى أن يغير اسم الجريدة إلى (الطائف) وجعلها لسان حال الثورة العرابية.
ولما انتهت الثورة العرابية نهايتها المعروفة أصبح النديم من المطلوبين .. إلا أنه ظل هاربا في قرى مصر يخفيه أحباؤه ومريدوه تسع سنوات كاملة .. تحول خلالها النديم إلى أسطورة مصر التي يحفظها الكبير والصغير ونسجت حوله الحكايات وأطلقت الإشاعات ورفعت هذه السنوات ذكره كما لم تفعله خطبه وكتاباته من قبل.
وحدثت له في تلك السوات مغامرات لا تخطر ببال .. ونجا من أن تمسكه الشرطة مرات كثيرة بأعاجيب .. وفي أحد الأيام ضاق خادمه بحياة المطاردة وأراد أن يعود لأهله وخشي النديم إن سمح له أن يدل عليه ثم طرأت له فكرة فقال لخادمه ولم يكن يحسن القراءة: أسمعت الخبر .. إن الحكومة رصدت لمن يدل علي ألف جنية ولمن يدل عليك خمسة آلاف جنيه فسكت الخادم عن الضجر وتبعه كما كان ..
قبض عليه بعد تسع سنوات من الهرب ونفي إلا أنه عاد أوائل حكم (الخديوي عباس) وكان شابا متحمسا لمصطفى كامل .. وأنشأ بعد عودته مجلة (الأستاذ) التي هي أساس هذا الحديث ..
نفي بعدها مرة أخرى. ومات في منفاه سنة ١٨٩٦ بعد أن تمكن الشيخ محمد عبده وبعض محبيه من اقناع الخديوي السماح له بالعودة.