كلها عيشة وآخرها الموت
قص علينا احد النبهاء المهذبين قصة بليد ماسمعنا بمثلها ولا رايناها في كتاب فنحن ننشرها على اخواننا الشرقيين حذرًا من الوقوع في مثلها اعاذنا الله: قال هذا المهذب سافرت من بلدي الى قرية استقضى دينًا لي عند احد مشايخها فلما انخت الرحل قابلني بالسلام والترحاب وادخلني منزله الرحب
[ ٩٠ ]
- ٥٧ -
وجلس في ناحية يمضغ الدخان ويقتضي بين رجال قريته بما نعود علية وبعد ان قدم لنا الطعام وفرغنا منه اخذت احدثه واسامره وهو لا يجيبني الا بقوله (هيه) فحل بنا الوخم وادركنا النوم فيهأ لي فرشًا ونام بجواري يخط ويشخر ويشهق فادركني القلق وغاب عني النوم وما مضت ساعة حتى سمعت حركة في الباب فاضغيت اليها واذا هي حركة سارق يحاول خلع الباب فنبهت صاحبي وقلت له لص بالباب يحاول خلعه
فقال نام اللي على الجبين تراه العين.
فقلت له يلزمك ان تستعد له قبل دخوله وهجومه علينا. فقال المقدر كائن ولابد من انقاذه. فقلت له مدافعتك عن نفسك واهلك ومالك وبيتك لاتنافي المقدر بل انت مامور بذلك. فقال اللي في الغيب عجب فقلت له ارى الرجل تمكن من خلع الباب وسيدخل علينا. فقال لما يدخل فيها فرج. ثم وقف اللص منصتًا لينظر هل في البيت يقظان فقلت له ها هو الرجل واقف مهيأ للدخول فقال توكل على سيدك ونام. ثم دخل اللص وحاول حمل صندوق فيه ملبوسات. فقلت له اللص يحاول حمل الصندوق قم وامسكه. فقال ربما كان معه سلاح والله يقول ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة. ثم حمل اللص الصندوق وخرج فقلت له صار الرجل في الخلاء قم واستصرخ الناس. فقال كل انسان ونصيبه قلت له اذا علم الناس بهذا في الصباح ماذا تقول لهم. فقال تبات نار تصبح رماد لها رب يدبرها فقلت له هذا جبن لاتوكل ولا يقين فاننا مامورون بالاجتهاد وحفظ الاموال والارواح. فقال لو شاء ربك مافعلوه. ثم رأيت اللص عاد لاخذ شيء آخر فقلت له ارى اللص حضر ثانية ليحمل غير الصندوق. فقال ربنا يرزقه باقوى من يحجزه عنا. فقلت له ان لم ندافعه ونحفظ امتعتنا من يدفعه. فقال شي لله يا اهل الله. فقلت له حسن الاعتقاد لايدفع عنك اللصوص ولايحفظ لك
حقوقك فقد كان النبي في درجة لانصل اليها وكان له حرس ثم قاتل ودافع عن نفسه وحقوقه والله قادر على رد اعدايه بلا قتال ولا نزال ولكنه امره بالوقاية والاستعداد لاعدائه تشريعًا للامة وتعليما. فقال بلوة اخف من بلوة. مين عارف كان رايح يجري لنا ايه. فقلت مادمتَ في هذه البلادة لابد ان تنهب ونجرد من الامتعة والنقود. فقال ان كان لي نصيب في شيء الحقه. فقلت ارى الرجل يقصدك ليأخذ عمتك ومافي جيبك. فقال ربنا يعميه عني ببركة شيخنا. فقلت له لو فجأ شيخك مثل هذا فانه بلا شك يدافع عن نفسه وبطرد عدوه بما يعلمه من بقاء شرفه بحفظ حقوقه وماله. فقال هو قاصد فضيحتي ربنا يجزيه باعماله. فقلت له ارى الرجل دخل الخزنة لياخذ نقودك وخرجي قم بنا نحبسه المصباح فقال وحياتك لربنا يصيبه بمصيبة تتعجب منها الناس. فقلت له أي مصيبة تلحقه بعد غناه
[ ٩١ ]
- ٥٨ -
بمالنا وتمتعه به. فقال خليها على الله. فقلت له أي معلم لقنك هذه الكلمات التي اماتت همتك واورثتك الجبن والبلاده واضاعت منك جوهر العقل وصيرتك اخس من البهيم واي جبان علمك هذه الالفاظ ولم يقلها نبي ولا صحابي ولا ولي فقد روت. لنا الاخبار كثيرًا من افعالهم العظيمة التي دلت على تهذيبهم ومعرفتهم الحقوق وحمايتهم كل ما من شئنه ان ينسب اليهم والله لو ان نبيًا كان في مكانك هذا نائمًا مستغرقًا وفجأة مثل هذا اللص لنبهه الملك واوحى اليه بصيانة ماله وحفظ حياته
فقال مايصيبك يا ابن آدم الا ماقدر عليك فعلمت ان الرجل جبان فسدت اخلاقه بسوء تربيته ولم يحفظ غير ما تعودت عليه العامة بالالفاظ التي لايتعقلون معناها ولا يعرفون اصل وضعها وعلمت اني ان اتصفت بصفته ضاع خرجي مع ماله فقمت وقبضت على الرجل وكتفته وحسبته في الخزنة فقلت ليه بايها وجلست احفظه. فقال البليد حرام عليك ياشيخ يمكن يكون صاحب عيال والفقر احوجه الى السرقة. قال له اللص وهو داخل الخزنة يا جبان هل وكلك الله بارزاق العباد ام انت الكريم الذي لايبالي بالانفاق ما انطقك بهذه الكلمات الا خوفك وموت همتك وجهلك بما يهديك لحفظ حياتك ومالك ولئن تركني صاحبك وفتح لي الباب ضربتك ضربة قطعت بها اجلك. فقال ربنا يكفينا شرك ياشيخ ثم وضع راسه على الارض وقال توكلت على الله ونام وشخر فرفسته برجلي وقلت لهُ ضيفك يخفرك وانت نائم هلا سهرت معي في حفظ هذا اللص حتى يصبح الصباح وتذهب
به الى الحاكم. فقال اراني لو دافعت عن نفسي وحفظت مالي وصرت قارون زماني لابد ان الموت بعد ذلك وحيث ان اخر الحياة الموت فالانسان يعيش كيفما يعيش وكلها عيشة واخرها الموت ثم تركني ونام
(التبكيت) لو تعلم هذا في صغره وتهذب حتى عرف قدر نفسه وشرف بيته وتربي على افكاره حرة وتلقى اصول دينه على استاذ صادق لاجتمعت فيه معدات الكمال وجرت في عروقه دماء الحماسة وعلم مكابد الاعداء وحيل الماكرين ولم يرض بقول الاغبياء كلها عيشة واخرها الموت