مليحة
بقلم كاظم الداغستاني
من فائز إلى مليحة
دمشق في ٢٥ أيلول سنة ٩٢٩
لقد مضى مع مقامك مع والديك في بحمدون شهور لم يصل إليّ في خلالها شيءٌ من أخبارك. لقد قبل سفرك أن تكتبي لي من حين لآخر فهل أصبح من الصعب على من كانت أولى الصف في الإنشاء العربي كتابة بضع أسطر لأحدى رفيقاتها القديمات؟. ليس لدي من الأخبار في دمشق ما يهمك الإطلاع عليه سوى إني ألقيت في الأسبوع الماضي الراهبة الأخت سيسيل أستاذتك القديمة، وقد ذكرت لي وهي تعرف ما بيننا من أواصر الود، أنها لم ترك منذ وقت طويل ثم سألتني عن أحوالك وعن البلد الذي تقضين فيه شهور هذا الصيف وفيما إذا كان من الصحيح إنك مخطوبة لحسن بك الكندي وقد أضافت على ذلك بقولها أنها لا تجد أحق منك بهذا الشاب المثري الذي يعد اليوم من نوابغ السوريين. وأعلمك بأنها ليست الأولى التي تسألني عن ذلك، فالإشاعة حول هذه الخطبة تدور في أكثر البيوت في دمشق حتى يقولون بأن عقد القران لا يلبث أن يتم عقب عودتكم إلى دمشق، ولم يبق الآن إلا موافقة الباشا والدك.
لقد خففت من حنقي عليك حينما ذهبت بي الاعتقاد إلى أن مشاغلك الذهنية في أمر هذه الخطبة هي التي قد تكون ألهتك عن موافاتي بأخبارك، على أني أميل إلى الظن أيضًا بأن هذه المشاغل كلها لن تمنعك من أن تبر بوعدك فتكبين لي فلقد أصبحت أشوق ما يكون إليك يؤلمني هذا الفراغ الذي أشعر به في نفسي منذ افترقنا.
عهدتك لا تخفين عليَّ شيئًا من شؤونك فاكتبي لي عما تقرأين في هذه الأيام وبماذا تفكرين وكيف تقضين الوقت في بحمدون ولا تنسي أن تقدمي احترامي إلى السيدة والدتك.
من مليحة إلى فائزة
بحمدون في ٢٨ أيلول سنة ٩٢٩
ما أكرمك في الود يا صديقتي العزيزة وما أشد وفاءك. لقد كانت على وشك أن أكتب إليك
[ ٧٩ ]
حينما تلقيت رسالتك لي إذًا إلا أن أضاعف الصفحات وأسهب في القول.
لقد أصبت حينما سميت ما اتصل بك من أمر خطبتي بالإشاعة وثقي بأنه إذا صح هذا الخبر فليس ما يكفي لأن يلهيني عنك أو ينسيني ودك وصداقتك.
يخيل إليّ أن الأيام التي أقضيها هنا متشابهة الصور لا أكاد أجد فرقًا بين صبحها ومسائها وكثيرًا ما استغرق ذاهلة فلا أدري ما أريد ولا ما أشتهي.
أن والدي ما برحا يحوطاني بكل أسباب الرفاه والنعمة فهما لا يريان هناءً غير هنائي ولا سعادة غير سعادتي. ولقد شاء أبي أن يترك لي أيضًا في بحمدون كما في دمشق ملء الحرية في الحياة التي أحياها وكل الخيار في غدواتي وروحاتي، فهو يأبى أني يسألني إلى أين ذهبت أو من أين أعود ولعل هذا هو السبب فيما أعانيه، لأني أكاد أحاسب نفسي على كل خطوة أخطوها في بلاد رزحت تحت أعباء التقاليد القديمة فأخشى أن يتصل به عني من الأقاويل ما يعكر ولو جانبًا من صفو راحته ويكدر عليه هناءه وسعادته بي، حتى أني كثيرًا ما أختار البقاء في لمنزل خلال أيام كثيرة، وإذا خرجت للتنزه في بحمدون أو في ضواحيها فضلت أن أكون مع جمهور من الجارات والقريبات وبينهن الكثيرات ممن أغالب نفسي مغالبة على محادثتهن ومجاملتهن.
أؤمل أن لا أكون أمللتك كثيرًا من هذه الشكوى التي لم أجد بدًا من بثك إياها ولعلني لو انصرفت عنها إلى الأجابة عما تسألينني عنه مما أطالعه في هذه الأيام لعز عليّ على سبيل القول لأنني وأنا على ما وصفته لك لا أكاد أقرأ بضع صفحات من الكتب حتى أمله، فانقل منه إلى غيره، ولا أدري هل سيكون شأني كذلك مع الكتاب الوحيد الذي استهواني منذ يومين فانقطعت إليه أقرأ فيه بشوق ولذة. وغريب أن يستهويني كتاب علمي جاف كهذا عهدت نفسي لا تألف مطالعة أمثاله من قبل ولعل السر في ذلك أني أجد فيه ما يتلائم ويتفق مع ما يدور خلدي من آراءه لا أكاد أجد أن العلم يؤيدها حتى اصفق لنفسي بنفسي وأتيه بذاتي على ذاتي عجبًا وخيلاءً.
عنوان الكتاب الذي أطالعه هو المرأة في العائلة ومؤلفه لابي أحد أساتذة علم الاجتماع. وأهم ما يمكن أن ألخصه لك مما قرأته فيه حتى اليوم هو أن المؤلف درس حال المرأة في الأسرة عند ثلاث جماعات: المصريين القدماء والهنود الحمر والأميركيين في هذا العصر.
[ ٨٠ ]
وقد استخلص من الحادثات التي وصفها عند هؤلاء الجماعات في جملة ما استخلصه أن قدر المرأة يعلو في الجماعة على نسبة قدرها في العائلة، وإن مكانة المرأة تسمو في عين زوجها إذا كانت لا تقل عنه أو كانت أكثر منه ثروة أو ذكاءً أو علمًا ومعرفة، وعلى الأخص إذا كانت من أصل أو بيت تعتبره الجماعة أكثر شرفًا وأعظم وجاهة. والمجال هنا أضيق من أن يتسع لأن أورد لك كل ما يقيمه المؤلف من البراهين والأدلة على ذلك مستشهدًا بالكثير من وقائع الماضي وحوادث الحاضر. فالأولى أن أبعث إليك بالكتاب في الغد، وربما أتيح لي أن أجادلك قليلًا في موضوعاته وأبحاثه في دمشق بعد أن قرب موعد رجوعنا إليها. لقد بدأت نسمات لبنان تهب في الصباح والمساء باردة قاسية لا نستطيع أن نستقبلها وصدورنا عارية وقد شرع المصطافون يتفقدون من ضواحي البلد ما لم يزوروه بعد ويعدون معدات الرحيل والسفر.
ليس لديّ من حوادث جديدة أطرفك بها، ولعل أحدث ما لديّ منها هي أننا قضينا قسمًا من ليلة الأمس في صوفر حيث حضرنا حفلة موسيقية في الفندق الكبير. ولا يذهب بك الظن أننا تفرنجنا كثيرًا في هذه الحفلة فلقد جلس أبي مع رفاقه بعيدًا عنا وانضممنا نحن إلى النساء المسلمات من قريباتنا ورفيقاتنا اللاتي عزلهن صاحب الفندق إرضاءً لرجالهن، عن بقية الحاضرات والحاضرين بجدار خشبي متحرك، فكنا في مجلسنا كالقطيع من الغنم يحوطه راعيه إذا جن الليل من قضبان الشجر فيأمن عليها من مهاجمة الذئاب له. على أن هذا لم يمنع الكثيرات منا أن يفلتن من الزريبة ليتحدثن إلى بعض رفيقاتهن من السيدات المسيحيات اللواتي جئنا معنا من بحمدون لحضور هذه الحفلة. وعلى الجملة فقد كانت السهرة أنيقة مفرحة طربت لها وذكرتك كثيرًا فيها. ألا ترين بأنه قد آن لي أن أختم رسالتي؟. نقلت سلامك إلى والدتي فشكرتك فانقلي بدورك سلامنا إلى الوالدة والشقيقات وثقي دائمًا بحبي لك وبقائي على عهدك.
- ما شاء الله يا باشا إنه مطر غزير لم تر مثيله دمشق منذ سنين!.
هتف بذلك الشيخ سعيد وهو يغلق الباب من ورائه بعد أن سلم ونفض ما علق على أكمام جبته وجوانبها من رشاش الغيث الذي كان يسمع من في القاعة صدى أنهماره على صحن الدار المتلألئة بأشعة الكهرباء ثم انتحى ناحية الموقد وأخذ مجلسه وهو يدير نظره في
[ ٨١ ]
وجوه الجالسين فيحيي كل واحد منهم على حدة. ومشى الخادم ببطء يحضر للضيف الوافد القهوة البدوية ثم النارجيلة يفعم رأسها بالتنباك العجمي الفاخر، وحميد باشا صاحب البيت ولوع بانتخاب أنواعه يجلبها خصيصًا في كل سنة من طهران فلا بخل بها على سماره ممن اعتادوا أن يقضوا سهرات الشتاء عنده في قاعة المنزل البراني وهم كثر مواظبون. ولعل صّبارة البرد وتهطال الغيث في هذه الليلة حالا دون مجيء بعضهم، فكان عددهم لا يربو على خمسة كلهم من حي القنوات الذي نشأ فنه الوجيه صاحب البيت وأجداده من قبل. وأخذ القوم يتحدثون بما في شأنه أن يطرب مضيفهم. وجرى بهم حديث المطر الذي جاء به القادم الجديد إلى الحديث عن الزرع وموسمه وعن الكلأ والخصب في البادية وفي الضواحي وعن الخراف ومراعيها ولحومها. وهنا انبرى الشيخ سعيد بطرف القوم بنكاته ويتبسط في وصف المآكل الشامية فيقارن بينها وبين المآكل العراقية والمصرية ويذكر ما للحوم الخراف التي ترد إلى الشام من ديار بكر من لذة فائقة يعرفها جاره أبو صالح الذي يختارها دائمًا لأنواع المحشيات ثم يروي في شيء من التمثيل المسرحي أن أبا صالح رأى عند مطلع الشمس وهو واقف أمام داره قطيعًا من هذا الغنم يسير به راعيه إلى أحد تجار اللحوم، وفي مؤخرة القطيع خروف سمين استرعت أليته الغضة انتباه أبي صالح وهيجت كوامن شهيته فتبع القطيع إلى الطرف الآخر من المدينة وما زال يسأل ويتتبع حتى عرف التاجر الذي تسلم القطيع واللحام الذي اشترى الخروف العزيز وعرف موعد ذبحه فتواعد فتواعد واللحام أن يأتيه في ذلك اليوم وبرّ بوعده فاشترى من لحمه وأعطاه أهل بيته فطبخن له فخذًا وكوسى محشيًا دعا إليها جاره الشيخ سعيدًا فأكلا ما شاء الله أن يأكلا ولم يذوقا من بعد لحمًا ألذ ولا محشيًا أفخر.
ويضحك القوم معجبين بالقصة ويجاريهم مضيفهم حميد باشا وفي ضحكته شيء من التكلف، فقد كان كمن يصغي للشيء وهو يفكر بسواه على غير ما اعتادوه منه ويستمرون في سمرهم وأحاديثهم وهو يتكلف الجري معهم والإصغاء إليهم، وكثيرًا ما يبلغه ما يجول في ذهنه من شؤون هي أطرب على نفسه مما يسمع فيطرق مفكرًا ثم لا يلبث أن يستعيد ما فاته من كلام محدثيه فيضحك له ويتظاهر بالاهتمام به. ومضى الهزيع الأول من الليل فاستأذن الأضياف منصرفين أبكر مما اعتادوا وغادروا حميد باشا قاعة البيت البراني إلى
[ ٨٢ ]
منزله الداخلي حيث تسكن عائلته. وهتف بالخادمة العجوز يسألها عن زوجه وابنته فأعلمته بأنهما نامتا منذ قليل فيأوي إلى غرفته وهو حريص على أن ينعم لوحده بخبر ما اتصل به قبل أن يذيعه على ذويه.
نشأ حميد باشا في دمشق وشب فيها ثم اصطحبه أبوه القائد حين باشا إلى الأستانة فأدخله الجيش وما هي إلا سنوات أنقضت حتى أصبح من الضباط الذين تتردد أسماؤهم في أورقة الباب العالي وقاعاته. وزوجه أبوه بابنة صديقه القائد الشركسي عاصم باشا فوجد بها زوجًا صالحة حفظت ذمته ورعت عهده وأعانته بعد وفاة أبيه على المضي فيما طمح إليه حتى أصبح من أكب قادة العرب السوريين في الجيش العثماني ولقد أوشك أن يكون من ذوي الشأن العظيم في الدولة لولا عنجهية بقي أثرها في نفسه فلم تلتئم مع ما يطلبه عراك الرجال في قصر يلدز من اللين والنفاق والخبث. ولقد كان مع جل مواقفه أنوفًا تأبى عليه شخصيته القوت أن تضمحل أو تتصاغر أمام من هو أرفع منه درجة وأسمى مكانة. وزادت هذه العاطفة فيه نموًا حتى أنف حياة الجندية وانفصل عنها فعاد إلى وطنه القديم دمشق حيث خلف له أبوه ثروة طائلة من الضياع والأملاك بصبحة زوجه ووالداه وطائفة من جواريه وخدمه. وما هي إلا سنوات حتى ضربه الدهر ضربة قاصمة ذهبت بابنه الشاب وهو أشد ما يكون نضارة ونشاطًا، فبكاه بكاءً طويلًا مرًا، ونالت منه المصيبة حتى أوشك أن يجد سبيلًا إلى السلوى لولا بقية من الأمل أحياها مع الأيام في نفسه ما بقي له من عزاء في ابنته مليحة، فزهد في كل شيء إلا التفكير في إسعادها وهنائها فانصرف إلى أجابة رغباتها والسهر على تعليمها وتربيتها وزاد في سلواه بها بعد أن بلغت العشرين من العمر إعجابه بما اجتمع فيها من جمال أمها الفاتن ونفس أبيها الأنوفة العزيزة. ولقد كان ولوعًا بالتقاليد القديمة محافظًا عليها لولا أن حبه لأبنته جعله يرضى بكل ما يظن فيه هناءها وسرورها حتى لو أنه رآها سائرة في شوارع دمشق وهي حاسرة نقابها عن وجهها لأختار تقد الناقدين من مواطنيه ونيلهم منه على كلمة عتب أو تأنيب يوجهها إليها. وانصرف همه كله إلى اختيار زوج لها، ومضت سنون وهو لا يكاد يجد بين خاطبيها الكثيرين من هو كفؤٌ لها جدير بإسعادها، حتى جاءه في مساءٍ هذا اليوم صديق له يستطلعه رأيه فيما إذا تقدم حسن بك الكندي يخطب ابنته. فاستهمل الرجل حتى يسأل زوجه وابنته
[ ٨٣ ]
وهو يعرف مما يعرف من شؤون الخاطب الجديد أنه شاب شريف المنبت عريق المحتد حسن الخلق والخلق ورث عن أبيه ثروة واسعة ضخمة وهو كريم من غير تبذير ولا إسراف نال حظًا وافرًا من الثقافة والعلم بعد أن جاب أنحاء البلاد الأوربية باحثًا متتبعًا على مثال الطالب النابه وعاد إلى دمشق يعمل في سبيل الجماعة التي نشأ فيها عملًا جريئًا مخلصًا حتى ذاعت شهرته وتناقلت أندية السياسة والأدب في الشرق العربي وما يليه حديث أعماله المجيدة.
هذا ما كان يهمس به خاطر الأب الحنون قبل أن يستسلم للرقاد فيقول ويردد في نفسه ومن هو أجدر بمليحة من الشاب؟.
وطلع الصباح فجلس حميد باشا يحدث زوجه طروبًا بما ينقله إليها من نبأ خطبة ابنتهما فتقول له فرحة للخبر مستبشرة به أنها كانت تأمل ذلك وتنتظره ولكنها لم تشأ أن تفضي به إلى ابنتهما قبل أن يتحقق ويتحدث الزوجان عن زواج ابنتهما القريب وعما سيعدان لها من جهاز فاخر وعن المسكن الذي ستسكنه والحياة الهانئة التي ستحياها فيسعدان بما يتراءى لهما من سعادتها وهنائها. وتذهب الأم لترى ابنتها وتسألها رأيها بهذا الخاطب الذي عهدتها من المعجبات به وينتظر الأب طويلًا فيراها تعود وليس في أسارير وجهها ما ينبئ بارتياحها لما سمعته من جواب الابنة فيستطلعها الأمر فتقول إن ابنتك لا تريد أن تتزوج. قال هذا ما اعتادت أن تقوله الفتيات في مثل هذا الموقف فهل لك أن تعودي إليها؟. قالت عبثًا حاولت فلقد أوشكت أن أضجرها بإلحاحي. قال وهو ينهض من مكانه سأتولى سؤالها بنفسي فدعيني وحدي وإياها ومشى حتى دخل على ابنته في مخدعها فهرعت لاستقباله وقد عرفت ما جاء من أجله فهي لا تكاد ترفع طرفها إليه حياءً منه، ونظر إليها فرآها بثوبها الأبيض الناعم وقامتها الهيفاء وقد لمست خيوط من أشعة الشمس شعرها الأشقر الذهبي فبدت وكأنها خيال الشاعر. فأخذ بيدها وقلبه يطفح حنانًا وحبًا وأجلسها إلى جانبه برفق وهو يقول لها: لا تحاولي أن تصرفيني عنك كما صرفت أمك ولا تجيبينني بما أجبتها به مما أملاه الحياء عليك. فلقد جئت بنفسي استطلعك رأيك فيما ارجوه لك من السعادة. أن للشاب الذي بعث يخطبك مني بالأمس من الشهرة والجاه والسمعة الطيبة والثروة الطائلة ما يكفيني مؤنة الحديث عنه وقد ذكرت لي أمك أنها كثيرًا ما سمعتك تشيدين بذكره وتعجبين
[ ٨٤ ]
بأعماله وبالمرتبة التي بلغها فهلاّ تزالين على رأيك فيه؟. فأطرقت صامتة ثم وجدت أن لا محيد لها عن التصريح بما فكرت به وصممت عليه فقالت نعم. ولكني لا أيد أن أتزوج به لأني أراني دونه في الكفاءة وأجده أعظم من أن يكون زوجًا لي. قال أنه وهم قام في نفسك. فأنت سليلة الأمجاد من الرجال وأن لك من الجمال والشباب والعلم والذكاء ما يحسدك عليه قريناتك من بنات الأغنياء في هذه المدينة وما يليها من الأصقاع. وإن ثروتي وكلها لك، وأن تكن أقل من ثروة خاطبك فهي مما لا يستهان به في مثل هذا البلد الذي نعيش فيه. قالت وقد زاد الحماس في جرأتها: ولذلك لا أريد من الأزواج من أخشى أن تتصاغر نفسي أمام عظمته وغناه وتضمحل مكانتي التي أخذتها عنك وأنا أحرص عليها في وجه شهرته الواسعة وصيته الذائع. ولقد غرس ما كنت تحدثنا به دائمًا عن مواقفك من القواد من رؤسائك وأقرانك في نفسي ما يكفي لأن ينمي هذه العاطفة بي. وإني أفضل من الأزواج من هو دوني في الثروة والجاه فيحترمني ويعجب بمكانتي ويحمل في نفسه إجلالًا كبيرًا لي على من يحبني ثم ما يلبث أن يدعوه خيلاؤه بعظمته وعجبه وبامتداد شهرته إلى استصغار أمري وإهمال شأني فيعيش معي وكله لنفسي ولغيري. وإن الفتيات من قريناتي اللواتي يحسدنني كما قلت لي على ما أنا فيه من نعمة يصبن كثيرًا لو رأين رأيي فعشن زوجات عزيزات كما أفضل أن أعيش هنا.
وكأن هذه الكلمات أهاجت في نفس الأب كوامن العنجهية والشمم فمشت في أضلاعه رعشة من الحماس ورأى ابنته وقد خيل إليه أن روح شبابه قد بعثت فيها. فلقد كان وهو يصغي إلى حديثها يسمع صدى تلك الأنشودة في وصف الأنفة والإباء التي طالما رددها وما برح ولوعًا بنغمتها. وأطال نظره إليها محدقًا وهو كأنما ينظر إلى نفسه فيرضي عنها ويعجب بها.
وساد بينهما سكوت عميق عاد الأب في خلاله يمعن الفكر في سعادة هذه التي رأى فيها صورة نفسه فيستعرض في ذهنه صور خاطبيها جميعًا ويذكر من بينهم شابًا ليس من وجهاء المدينة ولا من أصحاب الثروات لكنه كثيرًا ما أعجبه منه أدبه ودعته وكرم خلقه وها هو ذا يتخيله جالسًا لجانب ابنته فخورًا بها حريصًا على راحتها ويتخيلها إلى جانبه سعيدة به هانئة بحياتها معه. فكر في ذلك فرفع بصره إليها وهو يقول لها: أن بين خاطبيك
[ ٨٥ ]
له من الصفات والمزايا ما ربما أعجبك شأنه وهو ذكي متعلم جميل الصورة عرف بين أصدقائه بدماثة الخلق ورقة الطبع على أنه الرجل يشغل الآن وظيفة أستاذ في المدرسة الثانوية وليس له من الثروة إلا راتبه الذي يتقاضاه وما يقتصد منه في مطلع كل شهر ولعل هذا ما دعاني أن لا أستطلعك رأيك فيه قبل اليوم على أنك ربما سمعت به فماذا ترين إذا عاد اليوم يخطبك زوجًا له؟. فوجمت الفتاة كمن فوجئ بما لم يكن يفكر فيه وأطرقت برأسها لا تجيب، ورأى الأب أن لا محيد له عن السير في الطرق التي سلكها فقال: أترينه دونك أو ممن لا يليقون بك؟. وكأنها رأت في هذا الكلام ما لا يصح سكوتها عنه فقالت لا ولو عرفت ما يجب أن أعرفه من شؤونه وقبلت أنت بمصاهرته فلا أترد في اختياره. قال حسن. ثم نهض من مجلسه وسار متجهًا نحو باب الغرفة وهو كمن اهتدى إلى ما وجد الخير فيه.
من مليحة إلى فائزة
القاهرة في ٢٥ آذار سنة ٩٣٠
هذا هو الشهر (شهر العسل) الذي غادرنا دمشق في أوائله يوشك أن ينقضي وأنا لم أكتب إليك كلمة واحدة فهل لي في ودك ما يشفع لي عندك؟
لقد كان سفرنا سعيدًا وأسعد منه هذه الأيام التي نحياها على ضفاف النيل حيث الساعات تمر بنا سراعًا فلا نستطيع لها عدًا. ما أجمل القاهرة يا صديقتي العزيزة وما أهنأ العيش فيها. لقد كنا على أن نقضي فيها بضعة أيام نغادرها من بعدها إلى بلد آخر فإذ بنا نستغني عن كل ما رسمته آمالنا من أسفار وننعم بمقام نقر فيه فلا نتصور أحمد منه.
لقد قرب زمن عودتنا بعد أن كادت إجازة زوجي أن تنتهي وهو مضطر لأن يعاود إلقاء دروسه ومحاضراته قبل انتهاء السنة وحلول موعد العطلة الصيفية ولقد كتبت لنا أمي تشتاقنا وتستعجلنا في الرجوع. كم ودت لو أطال أمد بقائنا في هذا البلد لكن زوجي يأبى إلا أن نعود إلى دمشق وهو من دعة الخلق وطيب النفس مالا أستطيع معه إلا أن أرى رأيه وإني أجد بطاعتي له من النعمى ما يضمحل معه كل ما قد يقوم في نفسي مما لا يتفق مع رغباته.
عندي كثير مما أود أن أقوله لك وكله لا يخرج عن أنني سعيدة وسعيدة جدًا بحياتي الجديدة
[ ٨٦ ]
التي أحياها وبزوجي الذي أهنأ بلذة العيش معه. ويزيد في هنائي ما أراه من فرحه وغبطته بي فهو يحبني ويحبني كثيرًا ويخيل لي بأنه سيبقى على حبه لي لأنه يجلني ويحترمني. فإلى اللقاء يا صديقتي العزيزة.
[ ٨٧ ]