للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهراوي
اهدي إليك
يا موطنًا قد ذبت فيه غراما أهدي إليك تحية وسلاما
لولاك لم اك في الوجود ولم أشم بلج الصباح واسمع الأنغاما
أفديك من وطن نشأت بأرضه ومرحت فيه يافعًا وغلاما
ما كنت إلا روضة مطلولة تعطي الورود وتفتق الأكماما
غازلت منها في الغدو بنفسجًا وشممت منها في الأصيل خزاما
وسعدت ألعب فوق أرضك ناشئًا وشقيت شيخًا لا يطيق قياما
لك قد غضبت وفي رضاك حملت أن تنتابني نوب الزمان جساما
وسمعت من ناس شريرٍ طبعهم كلمًا على نفسي وقعن سهاما
لي فيك يا وطني الذي قد ملني حب يواري في الرماد ضراما
أما المنى فقد انتهت ومضاتها إلا بصيصًا لا يزيل ظلاما
لا نفع في أحلامكم
من ثقفّته الحادثات ملمة يلقى الخطوب بصدره بساما
كبر الألى من طيب أعراق لهم كانوا إذا لؤم السفيه كراما
أنا للأفاعي غير مكترث وإن تركت بنفسي نابها آلامها
بالذل لا أرضى وإن سلمت به روحي وأرضي بالحمام زؤاما
حيّ الذين إذا الهوان أصابهم تخذوا الآباء من الهوان عصاما
يا حامل الصمصام لا يحمى به حقًا لماذا تحمل الصمصاما
ما في المساواة التي تشدو بها إن الوهاد تطاول الآكاما
ياقومنا لا نفع في أحلامكم فخذوا الحقائق وانبذوا الأحلاما
أخشى عليكم في الحياة تدهورا فيه الرؤوس تقبل الأقداما
جهل الذين على قديم عوَّلوا فيه أن الزمان يغير الأحكاما
وأشد خلق الله جهلًا أمة نقضت فظنت نقضها إبراما
[ ١٤ ]
يغالي في آرائه
إني لا ربأ أن أكون مجنّة في الحادثات ولا أكون حساما
ولقد يريد الظالمون لنفسهم بالظلم من شر يلمُّ سلاما
وتشذ آراءٌ فكم من مجرم ما أن يرى إجرامه إجراما
ولقد يغالي المرء في آرائه حتى يثير عداوة وخصاما
ولربما أطرى أفاعيلًا له كانت إذا استقرأتها آثاما
لا يستطيع بناء مجد صادق من لا يكون لكاذب هداما
هل يخرق العادات فيما جاءه إلا جريءٌ لا يخاف ملاما
أإذا نجحت حمدت نفسك مطريًا وإذا فشلت تعاتب الأياما
دمَّ التعصّب
إن الحياة وغىً وقد يبنو بها سيف الشجاع ولا يكون كهاما
ذم التعصب في الجدال فأنه سقم يجر وراءه أسقاما
ولرب داء فيك إن أهملته يبقى على طول الزمان عقاما
ما أنت إلا ذرة منسية في بقعة من عالم يترامى
كون تحركه نواميس له كانت له منذ القديم لزاما
تشكو به الأيام مثلك أسرها فمن لسخافة لومك الأياما
فيه الشموس كثيرة فمن الذي في البدء إضرام نارها إضراما
الأوهام والحقائق
من يحسب الأوهام منه حقائقا يجد الحقائق كلها أوهاما
أو كان من داء به يصدى فقد يرد الخضم ولا يبل أواما
لا ينكر الحق المبين سوى امرئ يعمى وشر منه من يتعامى
ولقد يكون الفوز حلفًا للألى غمدوا السيوف وجردوا الأقلاما
كم ريشة في كف أروع بددت جيشًا تدجّج بالحديد لهاما
ابن آوى
ظن ابن آوى أنه أسد الشرى حتى إذا لقي الهزبر تحامى
[ ١٥ ]
لا تسخرنَّ فلابن آوى عذره أن لا يكون القسور الضرغاما
جعلت الطبيعة قدوة
ولقد جعلت لي الطبيعة قدوةً وتخذت منها في الحياة أماما
ما أن أروم وإن زجتني رغبة ما ليس يمكن أن يكون مراما
السيل إما عبَّ مندفعا فلا يدع الوهاد ويغمر الآكاما
ما أردن فطاما
ولقد أقول الشعر منفعلًا به ولقد أنبّهُ بالقريض نياما
بسمت بنات الشعر حين شببن لي ففطمتهن فما أردن فطاما
أسفي على الأدب الذي يبغون أن يكسوه من عصر خلا أهداما
أخذت تنغص راحتي ضوضاءهم من غير أن يلقي الجدال نظاما
فوددت لو أن الذين تجادلوا جعلوا الوفاق على الصواب ختاما
أنا لا أحب سوى مكان هادئ أما الزحام فلا أريد زحاما
بغداد: ١٠ شباط ١٩٣٣
جميل صدقي الزهاوي
[ ١٦ ]