للدكتور مرشد خاطر
قد أطلت الكلام عن ابن سينا وأسهبت في تعليل بعض المستحدثات التي جاء بها عن السل ومن أحق منا بإظهار ما أوجد جدودنا القدماء وبإبداء فضائلهم ورفع الستار عن علومهم التي استنار بها الغرب حين كان يتسكع في دياجير الجهل فإذا نحن طمسنا فضلهم فمن تراه ينطق به. إن الواجب يقضي علينا بأن نرفع راية الجدود وألا نكتفي بالفخ بهم بل أن نتخذهم مثالا حيًا لنا نتبعه في نهضتنا العلمية فنبني بعلومنا أسس استقلالنا المنشود. أما الآن وقد ختم ذلك العصر المجيد عصر العرب فلنر التطور الذي تطوره السل بعد أن أنتقل الطب إلى الغرب.
لم تجل عدوى السل جيدًا ولم يكتب عنها في التاريخ الطبي شيء صريح إلا في القرن السادس عشر إذ جاء فرا كستور من فارونا في إيطالية وألف ثلاثة كتب أسماها: العدوى والأمراض المعدية ومعالجتها سنة ١٥٤٦وهي مؤلفات جزيلة الفائدة حددت بها العدوى وأعلن فيها مبدأ جديد عن أسباب الأمراض السارية قال فراكستور في ذلك العهدالحميات تنجم من بذور لا تستطيع حواسنا إدراكها وهي لا تحدث هذه الأمراض فحسب بل تنقلها أيضًا إلى الآخرين فالعدوى هي انتقال هذه البذور أو العفونة من المريض إلى السليم وإحداثها في السليم مرضًا شبيهًا بالمرض الذي كان مصدرًا لها وتنتقل هذه البذور باللمس أو المساكنة أو عن بعد أيًا كانت واسطة انتقالهاوقال أيضًالكل من الجدري والحصبة والطاعون والجرب والرمد الصديدي والكلب والإفرنجي والسل بذور خاصة به تنقلها إلى الآخرينوهو أول من قال عن السلإنه ينتقل بمساكنة المسلول ولبس أثوابهوقد ذكر في مؤلفهإن أثواب مسلول كانت السبب في نقل السل إلى سليم ارتداها بعد موت صاحبها بسنتينلعمري لابد من الإقرار بفضل هذا المفكر الكبير فكم في كلامه من حكم وكم في نظراته من حقيقة لأننا لو بدلنا كلمة بذور بكلمة جراثيم لكانت لنا الحقيقة الناصعة التي جاء بها باستور بعده بثلاثة قرون فهو قد نظر بعين بصيرته الثاقبة قبل أن تكون له تلك المجاهر المكبرة إلى تلك الخلائق المتناهية في الصغر فقال عنها بذور وإن حواسنا لا تستطيع إدراكها وعرفها قبل أن يراها ولم يكتف بهذا بل عرف أن لكل مرض بذرة خاصة
[ ٥ / ١٦ ]
وإن البذرة الواحدة لا تسبب أمراضًا عديدة فهو قد أوجد فكرة الجراثيم ووضع فكرة الاستقلال الجرثومي. وبعد أن لفظ فراكستور مبدأه هذا عن عدوى السل بقيت هذه الفكرة منغرسة في إيطالية فقد تكلم عنها بولس زكياس في مؤلفه المسمىالأسئلة الطبية الشرعية وقد تساءل فيه عما إذا كان يحق للمرأة السليمة أن تهجر زوجها المسلول. وفي آخر القرن السادس عشر جاء مار كوليالي فعدل بعض التعديل فكرة فراكستور وأقر بعدوى السل وانتقال الأمراض حسبما ذكر فراكستور غير أنه خالفه في أمر تلك البذور وقال أنها نوع شبيه فعله بفعل السموم. وفي نظر هذا العالم الإيطالي كثير من السداد فهو لم يقنعه أن بذورًا تدخل وتحدث ما تحدثه الأمراض الفتاكة بل لأن هناك أمرًا أعظم من هذا، أن هناك شيئًا من السموم يلقى ويسمم البنية وكأنه يقول أن تلك البذور أو الجراثيم اليوم لا تؤثر بدخولها للبنية فقط بل تفعل أيضًا بمفرزاتها أو زيغاناتها (تو كسينها) فيا له من نظر ثاقب بعيد المرمى. واشتهر في القرن السابع عشر بين الأطباء الذين عنوا عناية خاصة بالسل ريشار مورتون الانكليزي (١٦٩٨) وكان اكليريكيا في بدء حياته ومن أسرة شريفة غير أنه ترك الثوب إلى تعلم الطب فقد نسب سل الرئة إلى عقيدات تلتهب وتتقيح وكان يظن أنها تنجم من دمٍ متخثر وكان يعتقد أيضًا بعدوى السل فقد قال عنهأنه يعدي الأصحاء الذين ينامون والمسلول في فراش واحد كما تعدي الحمى الخبيثةولكنه كان يعتقد بالوراثة خاصة وقد قسم السل ثلاث درجات: الابتدائية والوسطى والانتهائية وهي درجة اليأس. والثانية تناسب تكون العقيدات والثالثة التهاب الرئة وتقيحها.
وقد روي حادثة سل استمرت خمسين سنة: حادثة اللورد هارت وحادثة أبيه مورتون الطبيب الشهير الذي قضى حياته كلها وهو يسعل ومات سنة ١٦٥٨. وقد عني مورتون بالسل خاصة لأنه كان ابن طبيب مسلول وكان يخشى الوراثة وانتقال هذا المرض بها إليه، وقد اهتم اهتمامًا جزيلًا بكثرة التغذية والأمور الصحية. فمورتون جاءنا بأمرين جديدين: الدر نيات الرئوية التي لم يذكرها أحد قبله وقد أثبت الطب الحاضر تكونها في الرئة ودرجات السل الثلاث التي لا نزال نذكرها. وفي القرن نفسه قام لازار ريفيار (١٥٨٩ - ١٦٥٥) في فرنسا ووضع مؤلفًا سماه الممارسة الطبية لا يخلو من الفائدة ذكر فيه بضع مئات من المشاهدات بينها العدد الوافر عن عدوى السل ومنها مشاهدة غريبة في
[ ٥ / ١٧ ]
بابها وهي أن أحد المرضى بعد أن سل كان يستطب برضع ثدي امرأة فسلت بدورها وماتت بعد أن نقلت العدوى إلى أختها التي غالبت المرض فغلبته وشفيت غير أن المريض المنكود الحظ الذي كان السبب في تفشي الداء وموت تلك المرأة البائسة لم تجده المعالجة نفعًا فقضى ضحية دائه الوبيل. وفي آخر القرن السابع عشر وبدء الثامن عشر جاء باليني الإيطالي (٠١٦٤٣ - ١٧٠٤) فكان أول من ذكر التوسط الجراحي في سل الرئة. وقد برز في القرن الثامن عشر فون سوتين (١٧٠٠ - ١٧٧٢) الهولندي المولد النمساوي الإقامة. اضطهد هذا الطبيب الشهير في بلده لأنه كان كاثوليكيًا فرحل إلى انكلترة ومنها إلى فينة حيث نال شهرة سريعة. ولم يكتب عن السل شيئًاَ جديدًا سوى أنه أشار باستعمال خزام العنق في السل الرئوي وبخزع الرغامى في الحالات الخطرة. وفي العصر نفسه قام في إيطالية مورغاني (١٦٨٢ - ١٧٧١) الشهير وكان يخشى السل خشيته للأفعى حتى أنه لم يكن يجسر على تشريح جثة المسلول خوفًا من انتقال العدوى إليه فأيد فكرة فراكستور بعدوى السل ولم يكتف بهذا بل أنه وصف قبل كل أحد التهاب السحايا السلي وأورد عنه مشاهدة جزيلة الفائدة: ابنة في الثانية عشرة متوقدة ذكاء فقدت أختها وأخاها بالسل وأصابها هي نفسها بعد سنة من فقدهما التهاب في الرئة اليسرى ثم اعتراها صداع فوق الوقب ولم يمر عليها يوم واحد على ظهور هذا المرض حتى أخذها الهذيان وثبتت عيناها واعتراها الإقياء وحركات تشنجية عقبها نوع من السبات كانت تتخلله آونة بعد أخرى نوب تشنج شديدة وزلة (ضيق نفس) ثم قضت وبعد أن فتحت جثتها بدا في قاعدة الدماغ مهل (أي مصل صديدي) نسب إليه المرض.
وظل الشعب في إيطالية يخاف السل خوفًا شديدًا ويرتعد متى ذكر اسمه لما زرعه الأطباء في قلوب العامة عن سرعة عدواه فقد كتب رولن (١٧٠٨ - ١٧٨٤) ما حرفه: متى ثبت إصابة شخص بالسل كان يرقن فراشه وأغطيته وأثوابه وأدوات طعامه وشابه وجميع ما يستعمله ومتى مات يحرق هذا الأثاث ويتلف وقلما كان يسمح باستعماله بعد تبخيره. أما الغرفة فنقشر جدرانها وتطلى بطلاء جديد وتغسل أرضها وتفتح نوافذها وأبوابها وتبقى معرضة للشمس والهواء سنة كاملة قبل أن يسمح بسكنهاوقد استولى الرعب على قلوب الإيطاليين استيلاءً غريبًا وبلغ منهم الخوف من السل مبلغًا بعيدًا فإن شيريلو وكوتونيو
[ ٥ / ١٨ ]
بعد أن استرشدا بإرشادات اسكوبار (١٧٧٦) وهو أول من أشار بتعقيم تفلات المسلولين وقعًا في نابولي على ذلك القرار التاريخي الشهير في٢٠أيلول سنة ١٧٨٢وأذيع على الملأ بأمر الملك فرديند في الشوارع بعد النفخ في الأبواق تنبيهًا للشعب وخلاصتهأن يعزل المسلول بعد أن يتحقق مرضه وأن كل طبيب يعاين مسلولًا ولا يعلن أمره يغرم في المرة الأولى غرامة كبيرة وإذا عاد إلى اقتراف هذا الجرم ينفى عشر سنوات
وقد تغلبت فكرة بوسكيون في فرنا وبعض أجزاء أوربة حتى الربع الأخر من القرن التاسع عشر إذ كشفت عصيات كوخ لأن اختبارات فيلمن عن التلقيح بالسل لم تثبت في البدء عدوى هذا الداء.
ومن الوجوه الساطعة في القرن الثامن عشر برسيفال بوت (١٧١٣ - ١٧٨٨) الذي وصف سل الأجسام الفقرية فسمي باسمه داء بوت وكان يعالجه بكي الأقسام الناتئة من العظام المصابة وقد وصف أيضًا الشلل المرافق له ونسبه إلى تخرب النخاع الشوكي فقد قال تتنخر أجسام الفقار ويخرب القسم الغضروفي بينها فيضغط النخاع الشوكي ويصاب بالتبدل وشل المريضونسب هذا المرض إلى الداء الخنازيري ونفى علاقته بالمرض وقد كتب عنه ما حرفهإن المرض الذي يحدث هذه الأحوال في النخاع الشوكي والأقسام المجاورة له هو الداء الخنازيري أعني به المرض نفسه الذي يكتنف الشفة العليا ويضخم عقد العنق وتحت الذقن ويحدث سعالًا جافًا متعبًا وضخامة وتنخرًا في العظام الأخرى فإذا كان أبقراط قد وصف سلي المفاصل والعنق ولم يعلم سببهم بل وصفه لهما ذلك الوصف الجميل كان ينطبق على ما نشاهده اليوم من أعراضهما فإن برسيفال بوت قد بين علاقة تنخر الفقار بالسل أو بالداء الخنازيري فلا أحق منه بأن يسمى هذا الداء يبقى اسمه خالدًا تردده من بعده السنة الأطباء أيد الدهر.
نصل الآن إلى القرن التاسع عشر وهو القرن الذي كشف به النقاب عن السل فبدا أمره جليًا. نرى في بدء هذا القرن غسبار لورن بايل (١٧٧٤ - ١٨١٦) الذي درس السل الرئوي درسًا دقيقًا وبين أن الدرنية الرئوية تتلين وذكر أنه كان يرى في جثث المسلولين درنيات عديدة مشابهة للدر نيات الرئوية في الأعضاء الأخرى الكبد والكلية والماساريق وغيرها غير أنه لم ير منها في الدماغ وقد نسب جميع هذه الدر نيات إلى سبب واحد حتى
[ ٥ / ١٩ ]
أنه لفظ هذه الكلمة التأهب السلي.
يتبين لنا من هذا أن الأفكار بدأت تتجه منذ بدء القرن التاسع عشر إلى توحيد المظاهر المختلفة التي يظهر بها السل وإن أطباء ذلك العصر بعد أن رأوا في العقد البلغمية والأحشاء والرئة درنيات متشابهة كل التشابه خالجهم الشك في أن هذه المظاهر جميعها ناتجة من سبب واحد. وجاء في الربع الأول من القرن التاسع عشر ذلك النابغة الكبير لنياك (١٧٨١ - ١٨٢٦) الذي فاق معلمه كورفيزار وسلح الأطباء بسلاح ماض في تشخيص أمراض الرئة والقلب وقد عني لنياك خاصة بالسل وأثبت وحدته بقولهأيًا كان الشكل الذي تظهر به المادة السلية فهي في بدئها مادة سنجابية شفافة بعض الشفوف ولا تلبث أن تعود صفراء ظليلة قاسية جدًا ثم أنها تلين وتميع ميعًا متجانسًا شبيهًا بقوام الصديد فتتفرع في العقبان تاركة تجاويف تسمى قبلا قروح الرئة أما نحن فنسميها كهوف الرئة
فهل أجلى من هذا التصريح عن وحدة السل في ذلك الزمن الذي لم يبد فيه المجهر لعالم الوجود اكتشافاته العجيبة وأننا فقد ورد في كتابه ما نصه:
لا يخيل ألي أن الأثواب الصوفية وفرش المسلولين التي يحرقونها في بعض البلدان ولا يكادون يغسلونها في فرنسة قد نقلت السل إلى أحد.
مع أن من قلب تلك المؤلفات الطبية العديدة التي نشرت فبل عهد لنياك وقد استقينا منها الكثير من شواهدنا التاريخية يرى فيها المشاهدات المثبتة لعدوى السل وأظن أن الشك كان يخالج ليناك في صحتها وأنه كان ينتظر مشاهدة العدوى بعينه ليقر بها فلم يتح له ذلك لأن السل نفسه حصد بمنجله هذه الغرسة النضيرة. وقد أقر لنياك بالتلقيح إذ قال متسائلًا أيحدث التلقيح سلًا أو على الأقل سلًا موضعيًا وأجاب عن هذا السؤال بقوله: ليس لي سوى حادثة واحدة أقدمها برهانًا على صحة التلقيح بالسل وهي وإن تكن مفردة جديرة بالذكر.
وقد كنا نتمنى لو أن تلك الحادثة لم تقع إذن لكانت طالت حياة هذا العالم ولكانت البشرية استفادت من علمه الجم وقد عني لنياك بتلك الحادثة المفردة نفسه لأنه وهو ينشر فقار مسلول سنة ١٨٠٦جرح سبابته اليسرى وقضى نحبه في١٣ آب سنة ١٨٢٦. مات هذا العلامة ضحية الواجب فعرف العالم قدره وهبت بلاده الفرنسية منذ سبع سنوات فاحتفلت
[ ٥ / ٢٠ ]
بذكرى مرور مائة عام على موته وكثيرون هم الذين يموتون هذه الميتة الشريفة فتبلى أجسادهم وأعمالهم معًا لأن الأمة التي ينتسبون إليها لا تكرم علماؤها.
وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى بدا إلى الوجود ذلك العلامة الألماني الكبير الذي كشف النقاب عن سبب السل فسكتت الألسنة وحسم الجدال وكان لاكتشافه الضجة الكبيرة في أقطار البسطة أعني به كوخ (١٨٤٣ - ١٩١٠) الذي لم تمر على موته أكثر من اثنتي وعشرين سنة. توصل هذا العلامة سنة ١٨٨٢ إلى كشف عصية السل فأثبت وحدة السل ونوعيته وعدواه. وكان كشفه أكبر برهان على صحة الفكرة التي جاء بها لنياك أو سداد الفكرة الفرنسية وانصع دليل على فساد الفكرة الألمانية المنافية لها وهي فكرة فيرخوف وريندهارت القائلة بعدم وحدة السل ورأي أمبيس الذي كان يعد السل الدخني مرضًا خاصًا لاعلاقة له بالسل. ولم يعد مجال للشك في عدوى السل هذه العدوى التي قالت بها الأجيال السالفة حتى إلى لنياك فنفاها وكان نفيه لها كما ذكرنا خروجًا على الحقيقة.
إنني أقف عند هذا الحد بعد أن استعرضت الأجيال جيلًا جيلًا منذ الهنود إلى القرن الماضي وبعد أن أوضحت تطور السل فيها وما أدخله كل قرن منها من الأمور الجديدة. أما تطور السل في القرن العشرين ولاسيما بما هو عائد إلى معالجته فإنني أضرب صفحًا عنه لأنه حديث العهد وقليلون هم الذين تفوتهم هذه الأمور الحديثة.
مرشد خاطر
[ ٥ / ٢١ ]