تطورها وأفضل طرقها
للدكتور مرشد خاطر
الطفل صفحة بيضاء تسطر عليها يد المربي خيرًا أو شرًا، صدقًا أو كذبًا، إباءً أو خسة، استقلالًا أو استعبادًا. هو معدن لين تنقش فيه يد النقاش ما تشاء من السجايا والأخلاق فتصوره وديعًا محبًا مخلصًا أو شريرًا مبغضًا عقوقًا ولا أصدق من المثل العربي القائل العلم في الصغر كالنقش على الحجر وليس العلم في الطفولة الأولى سوى التربية التي تغرس في قلب الطفل وعقله بذور السجايا الحميدة قبل أن تنبت فيها بذور الأشواك الفاسدة.
غير أن تلك الصفحة البيضاء والمعدن اللين يختلفان عما هما عليه في عالم الجماد اختلافًا بينًا لأن نفس الطفل وعقله يتصفان بصفة الحياة لا الجمود فإذا كان القرطاس يحفظ على وجهه الناصع البياض ما تخطه يد الكاتب عليه بدون أن يكون له تأثير في اليد الكاتبة أو كان لذلك المعدن أن يبقي ما نقشته يد النقاش بدون أن يكون له أن يتكيف تكيفًا مخالفًا لحركة تلك اليد وعملها فليس الأمر كذلك في نفس الطفل وعقله لأن حيٌّ وليس الحي كالجماد فإن الجماد منفعل فقط يتأثر من العوامل الخارجية التي تحيط به ومن البيئة التي يكون فيها والحيُّ فاعل ومنفعل يتأثر بما يحيط به كما أنه يؤثر في ذلك المحيط أيضًا. ولهذا كان في الطفل نزعات واستعدادات وغرائز لا بد من المحافظة عليها حفاظًا يكاد يكون مقدسًا لا يجوز ليد المربي أن تمسها بل يجوز لها أن تنميها موفرة لها ما تحتاج إليه في نموها. وكان فيه أميال أخرى تهيب به إلى الجنوح عن السداد، عن ذلك النموذج الاسمي الذي يطمح إليه المربي في تربيته، ويترتب على الوالدين والمربي أن يقوموا أودها في الطفل تقويمًا لطيفًا بالغًا منتهى الحكمة لأنهم إذا عمدوا إلى العنف أنقلب الأمر إلى ضده وليس أفصح وأجلى من ذلك التحديد الذي يحدد به (روجه كوزينيه) التربية إذ يقول: التريبة علم غايته الفضلى التي تمكن الطفل من إظهار طبيعته إظهارًا جليًا لأن الطفل لا طاقة له أن يكون كهلًا قبل أن يبدي غرائزه الخاصة.
إن هذه الكلمة القليلة تمثل لنا التربية كما يمثلها اليوم علماء النفس الذين هم المربون
[ ٣٨ ]
الحقيقيون. وإذا قلنا المربون الحديثون فلكي نوضح الفرق الكبير بين تربية القرن العشرين والقرون الغابرة. أن الذين يعنون بتربية الأطفال في عصرنا الحاضر ناقمون على أسلافهم نقمة كبيرة وكتاباتهم ومؤلفاتهم جميعًا ملأى بالحط من تلك الخطط القديمة ووصفهم لها بالثوب البالي الذي يجب خلعه واستبداله بالثوب الزاهي الجديد. وإذا سكت فلا أستطيع السكوت عن تلك الكلمات التي لا يزال صداها يرن في آذان المربين والمربيات تلك الكلمات التي فاه لها دوهمال ذلك الكاتب الطائر الشهرة الذي مثل في أحد مؤلفاته أولاده والطريقة التي يتبعها في تربيتهم فقد دافع عن عقيدته في مؤتمر تربية البنين الذي عقد سنة ١٩٢٤ في باريس قائلًا: قليلون بيننا هم الذين يرغبون في أن يعودا إلى طفولتهم الأولى مشيرًا بذلك إلى ما كان يقاسيه أولئك الأطفال في العصر الغابر من عنف مربيهم. فإذا نحن عددنا كلامه غلوًا ولم نقض على تلك الطرق القديمة القضاء المبرم لأن عددًا لا يستهان به من النوابغ قد أنجبتهم تلك القرون ولا يعود الفضل في نبوغهم إلا إلى تربيتهم فلا نتمالك عن الإقرار بأن بين التربيتين القديمة والحديثة هوة كبيرة وبونًا شاسعًا. فإن في تلك ذرة من الحسن تحف بها الأشواك وفي هذه كل الحسن والسداد لأنها ترتكز على إنماء غرائز الطفل لا على قتلها فيه منذ نشأته وما النوابغ الذين نبغوا في ما مضى على رأي الكثيرين من المربين الحديثين إلا أشخاص نشأوا على الرغم من فساد الطرق المستعملة في تربيتهم كما نشأ أشخاص أصحاء البنية أقويائها على الرغم من فساد علم الصحة في تلك العصور وجهل طرق المداواة واتقاء الأمراض. فإذا أقررنا بأفضلية التربية الحديثة كان لا بد بنا من وضع برنامج تتمشى عليه هذه التربية وهذا البرنامج هو ما ألمعت إليه في بدء كلامي.
لا أن للتربية أقسامًا ثلاثة: تربية الجسد والعقل والنفس وسأقتصر في كلامي على تربية النفس وحدها لأنها أس التربيتين الأخريين ولأن البحث في تربية الجسد أمر طويل يستحسن الكلام عنه في المجلات الطبية كما أن تربية العقل منوطة بالمعلمين وحدهم وقلما يكون للوالدين شأن فيها.
بيد أن تربية النفس منوط أمرها في الدرجة الأولى بالأبوين ثم بالمعلمين ويجب أن نبتدئ التربية منذ السنة الأولى وفقًا لما قال جان جاك روسو: كما تكيف النباتات بالشذب منذ
[ ٣٩ ]
غرسها يكيف الولد بالتربية ولهذا يشبه الكثيرون من علماء النفس مهمة المربي بمهمة البستاني: فإذا رغب البستاني في الحصول على شجرة جميلة يانعة الأثمار اعتنى بها وهي شجيرة فقلمها وأبعد عنها ما يضيرها ووفر لها وسائط النمو وإذا أحب الوالدان أن يكون ابنهما صالحًا وجب عليهما أن ينسجا على نسج البستاني. ولا بد معرفة الأولاد معرفة حقيقية ومعرفة قواعد التربية أما معرفة الأولاد فهي الصعوبة الكبيرة التي يجب التغلب عليها لأن طباع الأولاد تختلف كما تختلف وجوههم.
فعلى كل مرب أن يضع أمام عينيه نموذجًا من الكمال وأن يسدد خطوات ذلك الطفل الذي يعني بتربيته ليوصله إلى ذلك النموذج الأسمى، يجب عليه أن يضعه في ذلك القالب ليخرج وفقًا لما رسمه من الكمال، يترت عليه أن يفكر دائمًا في أن من يعتني به ويعده لأن يكون عضوًا مفيدًا في المجتمع البشري فعليه أن يكفيه وفقًا لمقتضيات ذلك المجتمع ولا يتمُّ هذا إلا بإنماء ما يجب إنماؤه في الطفل بدون معاكسته البتة وهو القسم البارز في التربية وبتقويم ما أعوجَّ فيه وهو القسم الصغير الذي لا يأتي إلا في الدرجة الثانية.
أما القسم الأول فينطوي تحته إنماء الخواص والاستعدادات والميول التي تبدو بوادرها في الطفل. فالشيء الأول الذي تجب المحافظة عليه في الطفل ويترتب على كل مرب خبير بأصول التربية الحديثة أن يحترمه احترامًا مقدسًا هو الطفولة نفسها. أقول هذا وأنا واثق أن السواد الأعظم من المربين لا يحترمون الطفولة بل يقاومونها بكل ما لديهم من قوة فهم يميلون إلى أن يجعلوا من الطفل كهلًا وما الطفل بذلك الكهل فنراهم يلجأون إلى العنف والإجبار والتهديد ونرى الطفل الذي يخاف مربيه ووالديه قد أطاع مرغمًا إطاعة ظاهرة إلا أن نفسه لا تزال ميالة إلى الطفولة التي يمثلها ولهذا تدعوه تلك النفس بعد أن يرغم على الطاعة مرات متوالية إلى العصيان وهو لا يعصي إلا ليحيا لأنه يريد أن يحيا طفلًا قبل أن يحيا كهلًا.
أن بيئة الطفولة هي الدمى والألعاب الصغيرة والأطفال الذين لا تزيد سنهم عن سنه فيجب ألا يحرم الطفل هذه البيئة التي أوجدتها الطبيعة له بل على المربي أن يحترمها ويوفر له الأغذية المادية والروحية التي يحتاج إليها ويتركه يرتع في تلك البيئة بسلام. وما الطفل إلا كالغرسة اللطيفة التي متى توفرت لها أسباب الحياة من ماءٍ وهواءٍ ونور نمت نومها
[ ٤٠ ]
الطبيعي العادي وكانت أزهى مما لو عاشت حياتها في قفص من زجاج تنمو فيه نموًا سريعًا ولا تلبث أن يعاجلها الذبول فالموت.
وإذا تأملنا قليلًا من هذه البشرية والقينا عليها نظرة دقيقة وجدنا أن كثيرًا من العقول الضيقة لم يكن السبب في ضيقها إلا عنف المربين وخنقهم في الطفل نزعات الطفولة لنبتسم إذن لهذه التربية الحديثة ابتسامة لطيفة ولنترك الأولاد يفعلوا بحسب رغباتهم ونزعاتهم واستعداداتهم ولنخفف من حصر الطفل وحفظه وسجنه ولنبتعد عما يفعله بعض المربين الذين يرون في المخالفة الصغيرة وفي الهفوات الطفيفة جرمًا كبيرًا فهم يبرقون ويرعدون إذا لطخ الطفل ثوبه أو مزقه أو كسر قدحًا أو ضرب أخاه أو أخته أو رفيقه فينهالون بالتوبيخ والتهديد وقد ينهون هذه المأساة بالضرب ويوجدون في ذلك الولد الذي لم يقترف أثمًا ولم يفعا ما فعل إلا لنزعات طفولته واستعداداتها ميلًا إلى العصيان. فكأنهم يعلمون ذلك الطفل الخشونة والتمرد عوضًا عن أن يعملوه الطاعة والرقة واللطف، ويملون عليه أمثولة في الظلم لأنهم أساؤا إليه وهو لم يقترف أثمًا حقيقيًا بل الهفوة التي اقترفها إذا جاز لنا أن ندعوها أثمًا قد اقترفتها الطفولة وكان الواجب عليهم أن يولدوا فيه عاطفة الاستقامة والعدل.
فيترتب على المربين أن يقلوا عن التنبيهات المتواصلة وإلا يزعجوا أولئك الملائكة الصغار بإرشاداتهم المتواترة وصراخهم الدائم وقصاصاتهم المتتابعة التي لا تثمر في النهاية سوى العصيان وضياع ما في الطفل من الاحترام لهم وأن يعرفوا لأولادهم الشروط التي تمكنهم من إتمام ما يريدون على ألا يكون في أعمالهم ضرر لهم. ليعط الطفل من الألعاب والأشياء ما يشغل به مخيلته وفكره ويديه فيفرح ويسر ويفرح المربي لفرحه أيضًا. أن المربين الانكليز هم المجلون الذين أدركوا قبل جميع المربين في سائر البلدان الأخرى أن التربية تقضي بإفراز بيئة خاصة للطفل يحيا فيها لا يكون لها أقل علاقة واشتراك ببيئة الكهول وأنهم لا يزالون حتى اليوم منارًا للمربين الآخرين يسترشد بهم في ليل التربية الحالك.
إن طاعة الطفل ضرورية لا بد منها غير أن للطاعة أوقاتًا وشروطًا وما الطاعة في إجبار الطفل على ترك نزعات طفولته إلا ضرب من الظلم وأداة من أدوات التربية القديمة
[ ٤١ ]
المضرة.
والخاصة الثانية: التي يجب إنماؤها في الطفل هي صفة الأستملاك التي لا تخرج عن كونها مظهرًا من مظاهر الحرص والمحافظة. وهذه الصفة تنمو نماءً شديدًا في الأطفال.
فلو سار الطفل للتنزه نراه يملأ جيوبه عجائب غرائب والتقط كل ما يراه في طريقه من حصى ونوى وأعشاب وجذور وغير ذلك أو كان في البيت نراه يفتش في سلة المهملات عن شرائط قديمة وخرق بالية وصور ممزقة فيحفظها في مكان يخصه بنفسه كأنها كنوز ثمينة لا يحق لأحد أن يمسها.
فليترك الطفل وشأنه في عمله ولا يجوز للأم أو المربية أن تجبره على الاكتفاء بلعبة جميلة تأتيه بها ليلهو موجبة عليه إهمال ما جمع والامتناع عن اللعب بتلك الخرق والحصى والبذور والعظام وإلا كان عملها مداعاة إلى حمل الطفل على عصيانها فتضطر إلى توبيخه مع أن الطفل لم يقترف أثمًا ولم يعمل ما عمل إلا مدفوعًا بعوامل طفولته فعلى الأم أن تحترم نزعته هذه وأن تعلم بأن الطفل يجد في تلك الخرق البالية سلوى لا يجدها في تلك اللعبة التي تراها هي جميلة ويراها هو قبيحة لأن تلك الخرق تمكنه من أعمال فكره ومخيلته ويديه وتوحي إليه الاجتهاد في تأليف شيء منها بيد أنه لا يجد في تلك اللعبة غايته. وإذا ما اعتاد الطفل من صغره هذه الأمور نما في هـ فكر الاختراع والابتكار والتنقيب ومال إلى الصبر والثبات والاجتهاد فكان الشغل في مستقبل حياته لذة له.
والأمر الثالث: الذي يجب إنماؤه في الطفل حب الاكتشاف. أن مثل الطفل مثل رجل غريب يدخل بلادًا جديدة فيجدُّ في كشف ما فيها من الأسرار فعلى المربي ألا يقاوم الطفل في سائر أعماله الموصلة إلى تلك الكشوف لا بل عليه أن يسهل له الأمر كلما عسر عليه بدون أن يلحظ منه الطفل المساعدة أو المداخلة في شؤونه.
والطفل اجتماعي بطبيعته وحبه للاجتماع يساعده ويمكنه من الاستكشاف ولهذا نراه في سنواته الأولى يفتش عن أمثاله وأشباها ليجتمع بهم ويؤلف مجتمعًا وهذا المجتمع ضروري لا منوحة عنه سواء كان مؤلفًا من أخوته وأخواته أو رفقائه في المدرسة أو سواهم.
لنتركه يجري اختباراته في هذه الحياة ولا نكن ممن يكثرون النصائح والتنبيهات ولا نكرر عليه ما قلنا له منذ هنيهة. فلندعه وشأنه لأننا ولو أكثرنا من الاحتياطات نظل مقصرين
[ ٤٢ ]
عن وقاية الأطفال من خطر يهددهم فعلى قدر ما يسرعون في إجراء اختباراتهم في هذه الحياة تزداد حنكتهم وتكون الأخطار التي يتعرضون لها في مستقبل حياتهم أقل.
ولست أعني بالتساهل الذي لا بد منه للأطفال لكشف حقائق هذا الوجود تركهم حيث يتهددهم الخطر بدون تنبيههم له فلا يجوز أن يترك الطفل في غرفة تتقد فيها النيران أو قرب حوض من الماء لا حاجز له أو على سطح مشرف على هوة فإن ذلك ضرب من الجنون كما أن من الجنون أيضًا منع الطفل عن التعرض لأشياء طفيفة لا تضيره إذا كان في تعرضه لها فائدة له وإنماءٌ لخاصة الاستكشاف التي يميل إليها بطبيعته.
يحتاج الطفل الحاجة الشديدة إلى لمس حقائق الوجود بعقله ويديه ولا خير في تربية تسجن الطفل في قفص وتمنعه عن لمس تلك الحقائق لأن على الطفل أن يفتتح هذا الكون ويملكه.
يقول دوهمال الاستكشاف ثروة غريزية وحياة الطفل الذي يترك وشأنه سلسلة متتابعة من الاكتشافات غير أننا نرى والأسف ملء قلوبنا أن طرق التربية تميت هذه الخاصة.
والأمر الرابع: الذي يجب إنماؤه في الطفل هو رقة الشعور والإخلاص والدعة وغيرها من السجايا الحميدة إلا إنني اكتفي بأن أتكلم عن الصفة الأولى.
من منا لم يسمع أو لم يصدف له أن رأى الطرق التي كانت مستعملة من قبل في التربية كربط رجلي الولد بما يسمونه فلقًا وضربه عليهما إلى أن يسيل الدم منهما أو ضم أصابع يديه والضرب عليهما بقضيب إلى أن تخدر أو ربط الولد إلى شجرة أو عامود. أهكذا تنمي رقة الشعور في الولد؟
لا لعمري أن الشعور هو أولى البذور التي في الطفل فهو يبتسم وما ابتسامته إلا إفاقة هذه الخاصة ودليل على المحبة. يقول أحد الاختصاصيين في التربية: ينمى الشعور في الولد بجعله في جو هادئ ساكن وبإنقاص عدد الأشخاص الذين يحادثونه وبتركه بين لعبه لأنها أشياء هادئة لا تعكر صفاء عقله النامي. هكذا تنمو جميع الملكات نومها الطبيعي بعيدة عن الضوضاء كما تنمو النباتات الصغيرة تحت الغطاء الذي يقيها الريح والشتاء والشمس المحرقة.
أما نحن فلا نزال قاصرين عن إتمام هذا الواجب لأننا نعود الطفل منذ ولادته الدغدغة والدلال والرَّج بين اليدين، نسمعه صراخنا وأغانينا التي تثير عواطفه وتنبه أعصابه غير
[ ٤٣ ]
أننا لا نقف عند المنطق بل نغالي في هذا التنبيه إلى أن نصل إلى حد الضرر فيكون أول ثائر على خطتنا هذه السقيمة المضرة الطفل نفسه لأنه وقد اعتاد هذه الضجة الدائمة لا يعود يرى في السكون لذة فلا يكاد يستقر في سريره حتى يعلو صراخه متطلبًا إعادة ذلك المشهد.
وهكذا نطبع في أعصاب ذلك الطفل منذ صغره ضعفًا وتنبهًا لا يفارقانه وفي نفسه الميل إلى الغنج والدلال فيشب ويكون عالة على البشرية وعارًا لأهله.
والأمر الخامس: الذي يجب إنماؤه في الولد متى كبر قليلًا هو الضمير الحي وما من تربية حقيقية إلا والضمير الحي أساسها وما من ضمير بدون كمال كما قال فلاماريون العالم الشهير.
ويستدعي إنماء الضمير في الولد تعويده أن يكون حاكمًا على أعماله نفسها حسنة كانت أم سيئة ولا بأس في مقابلة أعماله بأعمال سواه والحكم بينهما على أن تولد فيه خاصة الانتقاد. ومتى بدأ الولد بتعويد عقله الحكم تحت إشراف مربيه توصل متى شب إلى إحسان هذا الحكم بدون معونة أحد. فأصبح ضميره الذي نما مرشده والحقيقة مناره والثبات شريعته وحب الواجب غايته.
أما الأشياء التي يجب محاربتها في الطفل وهي الشق الثاني من هذا البحث فإنني أمر بها لأننا متى أنمينا فيه تلك النزعات الطبيعية الشريفة عاد الطفل من طبيعته ميالًا عنها واعني بهذه الميول التي تجب محاربتها في الطفل تلك النزعات التي لا يكتسبها إلا من مربيه ومعاشريه كالأنانية والكذب والكبرياء وغيرها. إن الطفل مقلد ينتبه لكل حركة وسكتة في مربيه ومعلميه فتنمو فيه هذه العادات وتتسرب في نفسه تسربًا خفيًا بدون أن يشعر بها فعلى الوالدين والمربي أن ينتبهوا لكل عمل يعملونه أو كلمة يلفظونها متى كان الأولاد في حضرتهم لئلا يقتبس هؤلاء الصغار منهم تلك العادات السيئة.
الخلاصة: نستنتج من كل ما تقدم الاستنتاجات التالية:
١ - على الوالدين والمربين أن يحترموا الطفولة في الطفل وألا يقاوموا نزعاتها وميولها.
٢ - عليهم أن ينموا في الطفل بعض الخواص التي تبدو بوادرها فيه منذ طفولته الأولى: كصفة الاستملاك والاكتشاف ورقة الشعور. وأفضل طريقة في أنماء الشعور جعل الولد في
[ ٤٤ ]
جو هادئ بعيد عن الغنج والدلال وليس في الضوضاء والاجتماعات
٣ - عليهم أن ينمو فيه الضمير الحي ويسددوه متى كبر قليلًا.
٤ - عليهم أن يقتلعوا من نفسه بذور الميل إلى الكبرياء والأنانية والكذب وبهذا يتم لنا أن نربي أبناءنا التربية الحديثة ونوجد للبشرية أعضاء عاملين يعلون شأنهم.
مرشد خاطر
[ ٤٥ ]