سحر المدينة
صورة لبرلين في الليل
للكاتب الألماني وسكار ماريا غراف
في محطة السكة الحديدية الكبرى المغمورة بالأنوار كانت ضوضاء مزعجة: آلاف من البشر يسرعن في خطواتهم وكلماتهم المتقطعة تتطاير وبائعو المرطبات والصحف ترن أصواتهم الحادة وتتجاوب مع صراخ الحمالين وتختلط بقعقعة أواني الطعام في غرف الانتظار وتضيع جميعها بين طنين الأجراس وصفير القطارات الذاهبة والقادمة وقرقعة عجلاتها التي ترتجف الأرض من اهتزازها. وكانت الروائح المنتشرة من أجسام المزدحمين والعطور المختلفة ودخان (السكاير) ورائحة الزيوت والأطعمة والصابون تمتزج بعضها مع بعض وتملأ الهواء الكثيف. والجموع المحتشدة من الركاب الذاهبين والقادمين تموج وتختلط. ووكلاء الفنادق يعرضون على الغرباء بأصوات مرتفعة غرفًا منخفضة الأسعار والسيارات على أبواب المحطة (تزمر) والمسافرون يهرفون ويضحكون ويسألون ويتنازعون ويسألون ويتنازعون مع الحمالين.
إزاء هذه الضوضاء وبريق الأنوار المرتعشة في المدينة التي كان الظلام قد هجم عليها وبدأت الآن النجوم تبزغ في سمائها الفسيحة صاح أحد القادمين:
- ما أجمل المدينة العظيمة في الليل!
وفي بهو المحطة استقبل بعض الرأسماليين زملائهم من مساهمي إحدى الشركات الكبرى وامتطى الجميع متن السيارات الخاصة.
- هيا بنا، إذن
قال أحدهم وقد هبط على المقعد الوثير: إن الجلسة الإدارية سوف تكون حامية الوطيس. وفي الساحة أمام المحطة كانت حافلات الترام تنهب الأرض ولم يكد أحد القادمين يعرب لرفيقه عن إعجابه بهذه السرعة الزائدة حتى سمع صوتًا مخيفًا:
(آخ!) ووقفت السيارات والحافلات فجأة وقفز الركاب يرتعشون رعبًا وتراكض الناس من جميع الجهات وازدحموا على مكان الصراخ وظهرت بينهم خوا رجال الشرطة تلمع. . .
[ ٢ / ٥٨ ]
وكان بائعو الصحف يصيحون بملء أفواههم:
(ليلة في حي الفقراء، الوزارة الجديدة، زلزال في اليابان، حادثة قتل في شارع لسينغ)
- ناشدتك الله يا (قورت)، قف! لا تقترب من الجمع. لقد حدث شيء هناك يا للفجيعة! كانت هناك امرأة قصيرة كأنها كرة، تقول ذلك بتوجع وقد سترت عينيها. وكان إلى جانبها زوجها الذي لا يختلف عنها كثيرًا في قصره وسمنه يتدحرج وفي يديه حقيبتان كبيرتان وهو يلهث والعرق يتصبب منه فوقف ودمدم بضع كلمات غير مفهومة. وكان الحمل الثقيل قد حنى ظهره فاستقامت الآن ركبتاه واتجهت عيناه البليدتان تنظران إلى الجمع المحتشد بامتعاض.
وفي السيارة التي وقفت قال أحد الرأسماليين إلى جليسه:
- إن العمال بدؤوا يتمرّدون. يا للملاعين! على أننا قد اتخذنا جميع التدابير اللازمة وسريعًا ما وصلت إحدى سيارات الإسعاف الصحي وفتحت لنفسها طريقًا بين الجموع المحتشدة وكان الشرطيون يصدرون الأوامر بأصوات حادة فتفرق الناس وعادت الحافلات والسيارات إلى سيرها.
وفي المستشفى استلم الأطباء رجلًا متقدمًا في السن ذكروا في السجل أنه دعس من قبل حافلة الترام. وبسبب الحادث وصلت السيدة (ماير) وزوجها متأخرين إلى دار التمثيل لأنهما كانا في هذه الحافلة ولم يستطيعا العثور على سيارة بالقرب. وكتب مفوض الشرطة ورقة ضبط مختصرة عن الحادث. وفي إحدى الدور الفقيرة في شمالي المدينة أخذت امرأة في العويل وبدأ أطفالها الصغار يصرخون ويبكون. وأسرع مخبر إحدى الصحف إلى أقرب هاتف ونقل إلى المحرر الحادث ليضعه حالًا في عمود (حوادث السير).
ولما عقد الاجتماع في شركة (يوست) قام رئيس المهندسين وشرح للمساهمين ما يأتي:
- أن تدارك المواد الابتدائية لا يصاف شيئًا من العثرات. وقد انتهى تحسين معاملنا وتنظيمها عل أسس اقتصادية سريعة حتى أصبح في الإمكان أتمام عجلة ذات محرك في ٨٨ ساعة فقط. وإذا ازدادت العناية في انتقاء العمال الصالحين فليس من الصعب إنقاص هذه المدة إلى ٨٢ ساعة. .
وكانت أنغام الموسيقى في المقاهي المفعمة بالناس تنعكس إلى الشوارع ومعارض المحلات
[ ٢ / ٥٩ ]
التجارية الكبرى الغارقة في النور تسحر عيون المارة بما فيها من كنوز هذا العالم وغرائبه والإعلانات الكهربائية الملونة ترتعش في سماء الليل المظلم.
ومرت جماعة من السكارى على الرصيف تغني وتزعج الناس فأسرع شرطي لتفريقهم بينما بنات الشوارع ترمي أنظارًا كلها إغواء وتسير في طريقها متبخترة عند رؤية الشرطي وبعض الأحداث يرشقونها بكلمات بذيئة.
وكانت السيدة (ماير) تقرع زوجها وهي تأخذ مقعدها في الصف الخامس من الطابق الأول بدار التمثيل وتقول: إن الفصل الأول من الرواية قد ضاع كله لأن الخادم منعها من الدخول أثناء التمثيل وهي لو كانت وحدها لما رضيت بذلك ولكن زوجها يتحمل كل إهانة ثم أخذت تفتش وهي تلهث والعرق يتصبب منها على نظارتيها وعلى زجاجة (الكولونيا). أما زوجها فظل صامتًا ينظر إلى المسرح:
- ثم! ثم أعود إليك مرة أخرى، يا عزيزتي الصغيرة، إذا كنت توافقين. كان الممثل الجميل الأنيق يقول ذلك وهو يرمي نظرات ذات معان إلى زميلته الرشيقة على المسرح.
وفي إحدى غرف الحاضرات كان الأستاذ (نفينكر) يخطب قائلًا:
- إننا، يا سيداتي وسادتي، تجاه نوعين من الأنظمة الاجتماعية: من جهة النظام الصناعي الأمريكي الذي بدأ ينتشر في أوروبا أيضًا ثم النظام الروسي الاشتراكي من جهة أخرى. وهنا وقف قليلًا ليتناول جرعة من الماء.
- ما أشد جوعي! قال صانع شاب إلى رفيقه في مقهى صغير مشبوه. (ألا تريد، يا فرانتس، أن نذهب إلى مطعم رخيص) وكان أثناء ذلك يعد خلسة ما في جيبه من الدراهم خيفة أن لا تكفي لتسديد قيمة الطعام. وبينما كان الاثنان في طريقهما إلى المطعم خرج من فندق (كونتننتال) رجل متقدم ف السن كثير التأنق في لباسه ودخل أيضًا وراء الشابين إلى المطعم الفقير في هذه الأثناء ظهر من أحد الشوارع الفرعية جمهور من المتظاهرين وتجمعوا في الساحة وهم ينشدون:
أيها الأقوام اسمعوا النداء
وهيا قوموا إلى النضال
فحقوق الإنسان وسعادة البشر
[ ٢ / ٦٠ ]
تدعوكم لجمع الكلمة وإلى العراك. .
وسار الجمع، والأعلام الحمراء تخفق، إلى الأمام ولكنه وقف فجأة وسمعت خطوات الشرطة الخيالة مسرعة إلى الساحة فتفرق المتفرجون وارتفعت أصوات المتظاهرين بالمسبات والشتائم يتهددون ويتعدون وكان ضابط الشرطة يصدر الأوامر بصوت حاد وبعض المتحمسين يشجع الجمهور ويدعوه إلى الثبات والمقاومة ويصرخ: إلى الأمام إلى الأمام. وكانت الخيل في هياج وسيوف الشرطيين تلمع وسمعت أصوات الأنين والتظلم وكلمات الشتم والسب. وبعد برهة قصيرة عادت الساحة إلى ما كانت عليه قبلًا.
وكان الشابان في المطعم طلبا شيئًا من القديد وأخذا يلتهمانه دو التفات إلى الرجل المتقدم في السن، الأنيق الملبس الذي جلس قريبًا منهما. ولما أبدى أحدهما ملاحظته على مظاهرة الشيوعيين وحمد الله على أنه لم يكن في الشارع ولم يشترك فيها تداخل الرجل المتقدم في السن في الحديث مع الشابين قائلًا:
- ماذا حدث؟ هل كان هؤلاء من الشيوعيين. حقًا إن هذه المظاهرات أصبحت من الأمور المعتادة.
وقد ساقت الشرطة أربعة عشر من العمال المهشمين إلى سجن الشرطة وسلمت أثنين إلى المستشفى لأن جروحهما كانت خطرة
وسأل الرجل المتقدم في السن الشابين:
- كيف تجدان الطعام؟ ثم تقدم منهما قليلًا وهو يبتسم: هل أنتما من هذه المدينة؟ إنني غريب وأريد أن أتعرف قليلًا على الحياة الليلية هنا فهل تريدان مرافقتي؟
ولما أجاب الشابان بالقبول ازداد الرجل الأنيق المتقدم في السن بشاشة ولطفًا وأوصي لهما بقدحين من الجعة
وخرج الناس من غرفة المحاضرات واخذوا يتناقشون بحماسة ويبحثون في آراء الأستاذ (نفينكر). فكنت تسمع البعض يقول:
- شيء عظيم! أفكار جديدة بكل معنى الكلمة! استنتاجات مدهشة! ووقف طالب وصرخ في الجمع:
- يا خنازير! لماذا، إذن تذهبون الآن في منتهى الهدوء إلى بيوتكم إذا كنتم اقتنعتم بأن
[ ٢ / ٦١ ]
النجاة لن تكون بمحاربة الشيوعية والقضاء عليها. . . . على أن أكثر السامعين لم يعبأ بصراخ الشاب وأبتعد مسرعًا بعض أصدقاء الطالب وقال له:
- لا تهرف، يا رجل، هيا بنا لنذهب!
ولكنه أزداد حماسة وأخذ يعربد كالوحش حتى اضطر رفقاؤه للتخلي عنه وجاء شرطي وأوقفه لإخلاله بالراحة العامة
وفي دار التمثيل كان إعجاب الحاضرين بالغًا أشده وأعترف الجميع بأن الممثلين أجادوا في أدوارهم وإن الرواية لا تخلو من فكاهة وروح واجتمعت السيدة (ماير) - أما زوجها فكأنه لم يكن موجودًا - بالتاجر الكبير (وينديكر) في بهو دار التمثيل وأخذت تقص عليه حادث المساء:
- شيء فظيع! بينما نحن جالسون في حافلة الترام. . . الموقف أمام منزلنا تمامًا ولذلك نفضله للوصول إلى هنا. . ومع الأسف فاتنا الفصل الأول كله. . فإنه عندما وصلنا إلى المحطة، نعم، تمامًا عند المحطة. . مسكين الرجل! قطعت كلتا رجليه! منظر فظيع. . وعبثًا فتشنا أكثر من ربع ساعة على سيارة. . يالله الرجل المسكين، وإنني لا أتحمل رؤية منظر كهذا. . - ماذا فعلتم بالصانعة، هل بقيت عندكم؟. . - إنها حقًا رواية جميلة جدًا والدور الذي قامت به الممثلة ولم تكن أحكام الحاضرين في البهو على الراية تختلف عن رأي السيد (ماير).
- أعطيه حقنتين! قال الطبيب للممرضة في المستشفى وغاب في الممشى الطويل وكان الرجل الشيخ الذي قطعت رجلاه يصيح دون انقطاع من شدة الألم وكان صوته الفجيع يتردد في سكون لمستشفى المفعم بروائح (القلوروفورم).
- والىن فإن القيادة لكما، تعالا، أيها البطلان! قال الرجل الأنيق المتقدم ف السن بعد أن خرج الثلاثة من المطعم. .
- ولكن، يا رجل، يجب أن أرجع إلى البيت وإلا فإنهم يطردونني. .
لا، لا، يا (ويلي) لا أستطيع. . كانت فتاة أسمها (فريدا) تظهر الامتناع لجليسها على مقعد في الحديقة العامة وقد أمسكت بأذيال ثوبها الذي يكاد يستر ركبتيها: (لا، لا، أرجوك، أنت تعرف. .) حينئذ قام الشاب الملح في طلبه فجأة وقال:
[ ٢ / ٦٢ ]
- إذن لا، ي بلهاء! وبعد مشادة طويلة تركها وذهب مسرعًا وكان التمثيل قد انتهى وكذلك الجلسة الإدارية في شركة (يوست) فانتقل بعض الأعضاء إلى حانة قريبة وجدوا فيها رهطًا من الطلاب السكارى يعربدون ويقلقون راحة الزبائن بأناشيدهم وصراخهم.
وهدأ سير الترام قليلًا ونشطت حركة السيارات وبدأ الموسيقيون في المقاهي يصرون آلاتهم والخدم يضعون الكراسي بامتعاض على الموائد وخرجت الخادمات لتنظيف المحلات الخالية ونشطت بنات الشوارع لاصطياد المنفردين من المارة وكان الرجل الأنيق، المتقدم في السن قد غلب عليه السكر وأخذ يسأل الشاب الذي بقى معه:
- أين هو فرانتس، رفيقك فرانتس الجميل. . وكان هذا قد استأذن ليقضي حاجة فلم يرجع.
- يظهر أنه قد فرّ، إذن، تعال لنذهب
وكان العمال الأربعة عشر جالسين في سجن الشرطة يتجادلون فقال أحدهم:
- إن مثل هذه الأعمال لا تجدي نفعًا ما دمنا لم نستلم مقاليد الحكم
- إنما ينقصنا الاتحاد فقط
- ما معنى الاتحاد، يا هذا؟ الأفضل أن يكون عددنا قليلًا ولكن يجب الإخلاص والثبات والصدق. أما الخونة فلا يمكن العمل معهم. .
وكانت السيدة (ماير) وزوجها في غرفة النوم ينزعان ثيابهما
- هكذا أرى أسرة التاجر (وينديكر) تعود إلى البيت بالسيارة ونحن بالترام! أنت تبيع (سيكاراتك) بأغلى الأسعار ولكن عندما ينبغي أن تحافظ على مكانتك بين الناس تبدأ بالتوفير
قالت السيدة (ماير) ذلك بغضب وصرخت في زوجها فجأة:
- يا رجل، لا تجلس على قبعتي، هل أنت أعمى. ثم، إياك، وإياك أن ترافقني مرة أخرى إلى دار التمثيل. .
وكان زوجها لا ينطق ببنت شفة وينظر حائرًا إلى الأرض. وفجأة سكتت السيدة وأرهفت سمعها وخاطبت زوجها:
- والآن ماذا تقول؟ إن الخادمة تعود إلى البيت في هذه الساعة. حقًا إن هـ١اشيء لا
[ ٢ / ٦٣ ]
يحتمل. ثم فتحت باب الغرفة وصرخت:
- يا فريدا، الآن تأتين إلى البيت؟
دمدمت الفتات بضع كلمات غير مفهومة للاعتذار لم تلتفت إليها السيدة ماير التي استمرت قائلة:
- إذا تكرر هذا منك مرة أخرى فلا يمكن أن أسكت عنه أبدًا وأغلقت الباب بشدة وهي تقول:
- إن الساعة قاربت الثانية. شيء جميل مع هذه الخادمة
وفي المستشفى كانت الخدم تنقل سريرًا من غرفة المرضى وأخبرت الممرضة الطبيب بأن الرجل الشيخ الذي قطعت رجلاه قد مات. فهز هذا كتفيه. .
ولما ازداد إلحاح الرجل الأنيق المتقدم في السن هرب منه الشاب الآخر أيضًا وكان الفجر بدأ يتسرب نوره إلى الشوارع وهب نسيم نشيط من السماء. وانطفأت فجأة الأضواء في الطرقات وأخذت عجلات الحليب تدخل المدينة وارتفعت أصوات الكناسين. وكنت تسمع من النوافذ لمفتوحة أجراس الساعات ترن لإيقاظ النائمين. وبعد قليل كان العمال يتسربون من البيوت الخلفية مسرعين إلى أعمالهم. . .
تعريب ك. ع.
[ ٢ / ٦٤ ]