وكيف تلافي ذلك
جواب السيدة وداد سكاكيني على استفتاء الثقافة
شاءت الثقافة الغراء أن تنظمني في عدد الأديبات اللواتي وجهت إليهن هذا السؤال ما سبب انصراف الفتيات عن الأدب العربي وكيف تلافي ذلكمعتقدة - وشكرًا لحسن اعتقادها بي - إنها ستقع على خبيرة وافرة الاطلاع كثيرة البحث والاستقصاء للخواطر والآراء التي يطلبها سؤالهم القيم، ولست أنكر أن شيئًا من الذهول تولاني عند ما أخذت سؤال الثقافة فقد وجدتني أمام معضلة قومية - إن صحت التسمية - لا يجوز لنا إهمال شأنها وترك الأمور التي تتفرع عنها تسير في غير طريقها المستقيم وذلك رغبةً منا في تدارك هذا النقص البارز في أدبنا النسائي فيكون عملنا هذا ترويجًا للأدب العربي بين حاملات رسالة الأدب السنوي فيقبلن عليه بلذة وشغف إقبالًا يؤدي حتمًا إلى رفع قيمته في نظر الأدباء والمتأدبين. تولتني هذه الفكرة فعكفت على السؤال أدرسه بقدر ما تسمح معرفتي وطاقتي متلمسة في ذلك وجه الصواب، وها أنا أبسط لقراء الثقافة وقارءاتها ما وصلت إليه بإيجاز راجية أن يجدوا فيه ما ينقع اللغة ويروي الآوام ولا فحسبي إني حاولت معالجة الموضوع ورائدي الإخلاص وليس من ملام على المجتهد الذي له من إخلاصه ما يشفع به إن أخطأ سهمه الهدف، والتوى عليه القصد
ألقيت على نفسي السؤال ورحت أناقشها فيه فألفيتني أنتهي دون قصد إلى صوغه على وجه آخر وهوماسبب انصراف الفتيان عن الأدب العربيوما كنت أخبز لنفسي أداخل هذا التعديل على سؤال الثقافة المحترمة لولا أنَّ التفكير قد ساقني إلى ملاحظة ذلك التأثير الذي يتركه أو يحدثه الأدب الرجالي، في الأدب النسائي ولست أجيء بشيء جديد إذا لحظت أن نهضة الرجال الأدبية قد سبقت نهضة المرأة فكان طبيعيًا والحالة هذه إن تتأثر نهضتها بنهضته وإن تحمل في تضاعيف أدبها وثناياها بعض الخصائص الموجودة في أدبه دون أن يشغلنا ذلك عن ملاحظة الفارق بين عناصر الأدبين. وهي هذه لعناصر لتي تنبثق عن بيئة كل منهما وتطبع أدبه عليه لست أعني بذلك أدباء العرب في أيامنا لا يعنون بأدبهم نثرًا وشعرًا عناية تستحق الإعجاب ولا كني أريد أن أقرر أمرًا لا سبيل إلى إغفاله ولا
[ ٤ / ٤٠ ]
مندوحة لنا عن تقرير قيمته وخطره، وهو هل كان الأدباء في فجر نهضتهم الحديثة يدرسون الأدب العربي ويسيغون فنونه ويذيقون ما فيه من روعة وجلال كما هو شأنهم اليوم على رغم ما يجدون من عنت وعناء وجهد في بحوثهم ودراساتهم في الكتب الأدبية الباقية في أيدينا من تراث أسلافنا وهي كما لا يخفى على الباحث كثيرة البلبلة والتشويش والتشتيت، تحتاج إلى استثمارها واقتناه أسرارها لتجار لغة عصرنا ومنهجه وروحه ومصطلحا ته.
إن الرجل الأديب لم يزج بنفسه تحت أعباء هذا العمل المرهق إلا أسلافهم ولا ريب في أن محاولته الأولى كانت شاقة ومدنية لأنه لم ينشأ نشأة فيها شيء من الاستعدادات لذلك فالبعث الأدبي التي تقوم عليه نهضتنا الحديثة تشوبه روح أجنبية وتعليم غير عربية بثهما فيه رجال غير عرب حريصون على ترويج ثقافتهم وطبع المتعلمين عليها فهل نعجب والحالة هذه إن وجدنا المرأة مقصرة عن الرجل في هذه الحلبة لاسيما وهي لا تزال في فجر نهضتها يطلب منها كأديبة ناشئة أن تلم إلمامًا صحيحًا بأحوال عصرها وتلاحظ ما يتعاوره من لمظاهر المتأخرة وتدرس ما قد يقع تحت حسها وعقلها من قضايا الحياة لتفهم بواعثه وأسبابه وتفقه أعراضه
وآثاره وتدرك مراميه ونتائجه؟ وبعد فإني أسأل بحق هل أخذت المرأة من كل ذلك بنصيب يذكر حتى نريدها أن تعكف على الأدب العربي فتدرسه دراسة صحيحة فيها لذة ومسرة ومنفعة، وقد رأينا عناء الرجل فيه ثم تحدثنا عنه في لهجة المتفهم له لا ريب عندي أن انصراف الفتيات عن الأدب العربي يتأثر إلى حد بعيد بالعوامل التي ذكرناها آنفًا باقتضاب، وتقع فيما أرى تبعة ذلك على عاتق الرجل الذي هو قدوة المرأة في كل لون من ألوان الحياة، تجاريه في خطاه باعتباره أرسخ منها قدمًا في ممارسة هذه الأمور فلو أحسن أعمال الترويج للأدب العربي ودرسه كما يدرس آداب الأمم التي تثقف في معاهدها واستمد من مواردها متداركًا ما يعتروه من بلبلة وتشويش تستبهم بهما معالم جماله ورونقه - لما وجدت الفتيات بعد أن يذقن ما فيه من روعة وبهاء - سبيلًا إلى الإعراض عن دراسته ولما يكن يفضلن عليه أدبًا مهما يكن له من قيمة في نظرهن، وعلى ذلك فالجهل بقيمة الأدب العربي عامل آخر يصدر الفتيات عن تذوقه وترشفه بلذة وشوق والإنسان كما قيل
[ ٤ / ٤١ ]
في الأمثال عدو لما جهل.
خلاصة القول: إن الأسباب التي أدت إلى انصراف الفتيات عن الأدب العربي ترجع إلى عدة عوامل نقتصر على ذكر أهمها وهي:
أولًا - أننا أمة شديدة الافتقار إلى مدارس وطنية للفتيات تعنى بالثقافات العالية ولا عبرة في المعاهد الأجنبية المنتشرة في الحواضر والعواصم فهي إن كانت تعنى بشيء من ذلك فهو طبعا لا يعدو حدود الترويج لآداب قومها وبث تعاليم أمتها في نفوس ناشئتها لأنها إنما وجدت للعمل على تحقيق هذه الغاية مهما كلفها الأمر من عناء وتضحية فتأتى عن ذلك هذا الضعف الظاهر في ميل الناشئة إلى الأدب العربي وكان حتما على الفتاة التي مابرحت في دور التكوين العقلي أن يكون لها نصبي في ذلك
ثانيًا - إن المرأة عندنا لا تزال في فجر نهضتها التي لا نستطيع إلا أن نسمها بالضعف والاضطراب لما بعثورها من عقبات كأداء تقتضي ردحًا من الزمن حتى تذلل وتكون سنة التطور قد فعلت فعله في تكوينها وتنظيمها كما ذلك من قبل في نهضة الرجل حتى أصبحت كما نراها اليوم دانية القطوف.
ثالثًا - عدم توفر أسباب الدعوة والترويج والتنشيط للأدب العربي، والتعاون قولًا وفعلًا على إحياء معالمه وآثاره من قبل الحكومة والشعب. وهناك عوامل غيرها تأتي في الدرجة الثانية، كاندفاع ناشئتنا شبابًا وشابات مع تيار التقليد، والتسامح المريب في الشؤون الوطنية والقومية وتسرب الأفكار المتطرفة والمبادئ الملتوية والأدب الماجن والفاسق إلى مختلف بيئاتنا. إلى غير ذلك مما تسهل مطالعته في الكتب والصحف والنشرات غير العربية. أما كيف نتلافى ذلك الجفاء الذي يجده الأدب العربي من الفتيات فأجمله بعبارة واحدة، وذلك أن نتعاون حكومة وشعبًا على مكافحة هذه العوامل كلها في غير هوادة ولا رفق، وبديهي أن إزالة المسبب تؤدي حتمًا إلى زوال السبب هذا رأيي في الموضوع أبسطه بإيجاز راجية أن أكون قد أحسنت تشخيص الداء ووقفت إلى وصف الدواء.
وداد سكاكيني
[ ٤ / ٤٢ ]