من كتاب نقل الأديب
وهي ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب
مؤلفة محمد إسعاف النشا شيبي
الشاكر والصابر في الجنة
نظرت امرأة عمر بن الخطاب يومًا في المرآة، وكانت من أجمل النساء، فأعجبها حسنها، ونظرت إلى عمران وكان قبيحًا فقالت: أبا شهاب، هلم فانظر في المرآة.
فجاْ فنظر إلى نفسه وهو إلى جانبها كأنه قنفذ، ورأى وجهًا قبيحًا فقال: هذا أردت؟
فقالت: أني لأرجو أن أدخل الجنة أنا وأنت. قال: بم؟
قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت. الشاكر والصابر في الجنة.
كتاب أمير المؤمنين لا يكون ملحونا.
قال ابن الخطيب البغدادي: كتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن العنبري (وهو قاضي البصرة) كتابًا فقرأه عبيد الله فرده فحمل عبيد الله إلى المهدي فعاتبه فكان فيما عاتبه به أن فال له: رددت كتابي.
فقال عبيد الله: يا أمير المؤمنين أني لم أرد كتابك، ولكنه كان ملحونًا، وكتاب أمير المؤمنين لا يكون ملحونًا. فصدق المهدي مقاتله، وأجازه، ورده إلى عمله.
حتى لا تقول حلقة، حلقة؟
قال ابن عساكر: كان زريع على عسس بلال فقال له يومًا: يا بني، إن أهل الأهواء يجتمعون في المسجد ويتنازعون، فاذهب فتعرف ذلك. فذهب ثم رجع إلي، فقال: ما وجدت فيه إلا أهل العربية حلقة حلقة فقال: إلا جلست إليهم حتى لا تقول: حلقة، حلقة؟
أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة؟
قال ياقوت الحموي: سأل بعض الأكابر من بني طاهر أبا العباس ثعلبًا أن يكتب له مصفحًا على مذهب أهل التحقيق فكت (والضحى) بالياء. ومذهب الكوفيين أنه أذا كانت كلمة من هذا النحو، أو الهاضمة أو كسرة كتبت بالياء - وإن كانت من ذوات الواو - والبصريون يكتبون بالألف. المبرّد في ذلك المصحف. فقال: ينبغي أن يكتب (والضحى) بألا لف لأنه
[ ٥ / ٧ ]
من ذوات الواو. فجمع ابن طاهر بينهما. فقال المبرد لثعلب: لم كتب (والضحى) بالياء؟ قال: لضمة أوله.
قال: ولم إذا ضم أوله - وهو من ذوات الواو - تكتبه بالياء؟
قال: لأن الضمة تشبه الواو. وما أوله واو يكون آخره ياء، فتوهموا أن وله واو.
فقال المبرد: أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة؟
مهدًا، ثلثدًا، أسطوط
قال ابن حزم: إن الذي، وقفنا عليه، وعلمناه يقينًا، أن السريانية والعبرانية، والعربية التي هي لغة مضر وربيعة - لا لغة حمير - واحدة، تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام لغة الأندلس ومن الخراساني إذا رام نغمتهما. ونحن نجد من سمع لغة أهل (فحص البلوط) وهي على ليلة واحدة من قرطبة كاد أن يقول: إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير في البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلًا لا يخفى على من تأمله. ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلًا. وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى، ولا فرق. فتجدهم يقولون في العنب: (العينب) وفي السوط (أسطوط) وفي ثلاثة دنانير: (ثلثدًا) وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال (السجرة) وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاءً فيقول: (مهمدا) إذا أراد أن يقول: محمدا ومثل هذا كثير فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية يقن أن اختلافها من نحو ما ذكرناه من تبديل الفظ الناس على طول الأزمان. واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل.
إن لم تكف عن هذا الكلام بارت قريتك
قال السبكي: ذكر الزبير بن بكار أن بعض التعقرين كتب إلى وكيل له بناحية البصرة: أحمل إلينا من الخوزج والكنعد الممقوريين والإوز الممهوج، ولحم مها البيد ما يصلح للتشرير والقديدفكتب إليه وكيله: إن لم تكف عن هذا الكلام بارت قريتك فأن الفلاحين ينسبون من ينطق بهذه الألفاظ إلى الجنون.
التخصص بمعرفة التلصص
[ ٥ / ٨ ]
قال الثعالبي: سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: أنشدني الصاحب نتفه له، منها هذا البيت:
فأن هو لم يكفف عقاب صدعه فقولوا له: يسمح بترياق ريقه
فاستحسنه جدًا حتى حممت من حسدي عليه، وودت لو أنه لي بألف بيت من شعري. قال الثعالبي: فأنشدت الأمير أبا الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي هذا البيت، وحكيت هذه الحكاية في المذاكرة فقال لي: أتعرف من أين سرق الصاحب هذا لبيت؟ فقلت لا والله. قال: إنما سرقه من قول القائل، ونقل ذكر العين إلى ذكر الصدغ:
لدغت عينك قلبي إنما عينك عقرب
لكن المصة من ريقك ترياق مجرب
فقلت: لله در مولانا الأمير، فقد أوتي حظا كثيرًا من التخصص بمعرفة التخصص.
على أنه قيل في الوقت.
قال أبو المستهل: دخلت يومًا على سلم الخاسر، وإذا بين يديه قراطيس فيها أشعار يرثي ببعضها أم جعفر، وببعضها جارية غير مسماة، أقوامًا لم يموتوا. وأم جعفر، يومئذ باقية فقلت له. ويحك! ما هذا؟
فقال: تحدث الحوادث فيطالبونا بأن نقول فيها ويستعجلونا، ولا يخمل بنا أن نقول غير الجيد فنعد لهم هذا قبل كونه، فمتى حدث حادث أظهرنا ما قلناه فيه على أنه قيل في الوقت.
ذاك لمن لا يسخف إلى بيت الزراجين.
قال عامر بن هشام القرطبي: قالوا:
الكفاف مقيم. قلت: ذاك لمن لا يسخف إلى بيت الزراجين
ولا يبلبله هب الصبا سحرًا ولا بلطفه عرف الرياحين
ولا يهيم بتفاح الخدود، ورمان الصدور وترجيع التلاحين
تستعين به على صيانة جمالها، ورونق بجتها
قالت سلمى بنت القراطيسي من أهل بغداد وكانت مشهورة بالجمال:
عيون مها الصر يم فداء عيني وإيجاد فداء جياب
أزين بالعقود، وأن نحري لأزين للعقود من العقود
[ ٥ / ٩ ]
ولا أشكو من الأوصاب ثقلا وتشكو قامتي ثقل النهود
وبلغت هذه الأبيات المقتفي أمير المؤمنين فقال: أسألوا هل تصدق صفتها قولها؟
فقالوا: ما يكون أجمل منها.
فقال: أسئلوا عن عفافها؟
فقالوا: هي أعف الناس. فأرسل إليها ملا جزيلا وقال: تستعين به على صيانة حمالها ورونق بهجتها.
ألا نسيم الصبا والقوم أغصان. حضر الشاعر ابن القيسر أني مرة في سماع،
وكان المغني حسن الغناء، فلما طربت الجماعة، وتواجدوا، قال:
ولله لو أنصف العشاق أنفسهم فدوك منها بما عزوا وما هانوا
ما أنت حين تغني في مجالسهم ألا نسيم الصبا، والقوم أغصان
إسعاف النشاشي
[ ٥ / ١٠ ]