للدكتور منير العجلاني
. . في آخر حدود الإنسانية، في وادٍ كثير الأرائك، تحيط به الجبال من كل جانب ولا تنفذ إليه أشعة الشمس إلا من بين أوراق الشجر، كان يعيش الشاعر الأمريكي (أدغاربو) مع بنت عنته أيليونور. ولدا في الوادي وترعرعا فيه، لا يعرفان من البشر غير نفسهما، ولا من الطبيعة غير الوادي، وكان يجد كل واحد منهما في رفيقه سلوى لروحه وأمنا. ولكن أيليونور، التي بدأ أبن عمثها يفهمها ويحبها، أصيبت بمرض شديد لو أصيب به غيرها لتمنى الموت وناداه:
ياموت، خذ ماأبقيت الأيام والساعات مني
بيني وبينك خطوة إن تخطها فرجت عني!
وأما أيليونور، فلم تشأ إن تموت، لا حبًا بالحياة الوجيعة، المحمومة، ولكن لأمر لم تبح به لأبن عمتها إلا في اللحظة الأخيرة من العمر، فالفكرة التي كانت تخافها هي أن خالتها الوادي بعد موتها ويعشق فتاة غيرها من السواد! قالت ذلك للشاعر، فركع عند قدميها، ووعدها أن يبقى محبًا لها إلى الأبد أمينًا على ذكراها حتى النفس الأخير، فالتمعت عينا أيليونور بنشوة الظفر وتنفست الصعداء كأنما أزيح عن صدرها غم جاثم، ورجفت، وذرفت دمعًا لاهبًا، ثم أطمأنت في سريرها، وقالت للشاعر وهي تموت: إنها تقديرًا لما صنعه في تلطيف مرضها، وتهوين آلام الموت عليها، سنسهر عليه، وهي روح في السماء وتزوره في الليالي، وإذا أبى الله عليها أن تزوره بشخصها، فستمثل له في زهرة يأخذه جمالها وتتنهد قرابه كلما بزغ الفجر وتطيب النسمات التي ينشقها بعطر تستعيره من مباخر الملائكة! فالت هذا وصعدت آخر أنفاسها أما (أدغاربو)، فعاد يتصور إن في الزهرة والنسيم والماء والعشب في كل ذرة من هذه العناصر شيئًا من بنت عمته، وغرامها ولهوها، وبالجملة مظاهر مختلفة لبنت عمته: على هذه الأوهام شيدت مدرسة الشعر الرمزي. فشاعر الرمز يغوص إلى أعماق الأشياء ويتخل لكل جمالشخصيةولكل جمال روح انه لا يشغف بهذه التشابيه - وأكثرها سمج أو مبتذل - التي شغفت بها طائفة كبرى من شعرائنا، فراحت تشبه العيون بالسيوف، والحواجب بريش الغراب، والقامة
[ ٥ / ٢٨ ]
بالخيزران، أنه لا يحفل بالتشبيه لأنه مقارنة بين صورتين (خارجيتين) ولكنه يعنى بالروح، يعنى بالرمز، وهو في الفلسفة، صلة بين لحظة من ديمومة الذات ولحظة من ديمومة الأشياء. يقول (البارناسيون) أن وظيفة الشعر هي أن يشبه ويصف. فالشعر عندهم (رسم ناطق)! وأما الرمزيون فيتخذون الشعر وسيلة لنقل القارئ إلى مثل العالم الذي عاشوا فيه لما نظموا قصيدتهم ولذالك يعنون كثيرًا بالعنصر الموسيقي، ولكنهم لا يسمون الأشياء بأسمائهاحتى لا يفقد القارئ لذة الحزرولا يحللونها لأن التحليل يهدم الجمال، ولا يصفونها ولكنهم يصفون أثرها في نفوسهم. ومن ها هنا نشأ غموض الشعر الرمزي، لأن شاعر الرمز يخلع روحه على الأشياء، ويجب عليك أنت، لتذوق شعره، إن تتفهمه من خلال روحه، من خلال عبقريته، من خلال شاعريته التي لا تشبه شاعرية الآخرين. يقول (أريسطوفان): إن الرجل والمرأة كانا في بدء الكون مخلوقًا واحدًا، ولكن آبولون قسمهما ذات صباح. فالحب هو سعي كل جزء من هذا الجسم إلى الجزء الذي يتممه، فلا يتوهمن أحدهما إن الرجل يبحث عن (الجمال المطلق) ويحبه، كلا، إنه يبحث عن جمال خاص يتمم به جماله، فيا رب امرأة تبدو لك لطيفة ويكرهها غيرك: ذلك لأن الجمال ليس له مقياس مطلق، فأنت تحب جمال امرأة معينة، لأنها تظهر مزاياك وتمم نقائصك وبكلمة أخرى أوجز لأنك تعتقد أن بها يكملنظامك. وهكذا شعر الرمز، يهوى الشاعر جمالًا خاصًا، فلكي يشركك في هواه يملأ قلبك بمثل مشاعره ويهدهدك بمثل الأنغام التي طرب لها، وهو لو وصف لك امرأة مثلًا بأسلوب الطبيعيين، أو وضع تمثالها بين يديك، ربما كنت لا تبالي بها!.
الرمز والمدارس القديمة
لا تفيد هذه التوطئة إلا إذا ذكر أن مدرسة الرمز مذهب حديث من مذاهب الخيال، فهي إذًا تخالف جميع المدارس التي تقدمها، وأكابر شعراء فرنسا اليوم رمزيون ومن ليس منهم رمزيًا فهو متأثر بالرمزية إلى حد بعيد.
تخالف مدرسة الرمز
١ - النظمية من السخر أن نسميها مدرسة! - أن النظامين يعرفون الشعر كما عرفه بعض قدماء العرب بأنهكلام مقفى موزونوهذا تعريف أضاع قيمته، فما كل كلام منظوم يسمى
[ ٥ / ٢٩ ]
شعرًا، ولا كل شعر يجب أن يكون كلامًا مقفى موزونًا. يفخر أبو الهلال العسكري في صناعيته بالشعر العربيلأننا لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقايعها إلا من جملة شعرها، فالشعر عنده كما ترى هي عناصر النثر وهذا خطأ فاحش نبه إليه (أريسطو) في كلامه على (التراجيديا) إذ جعل الشعر يأخذ مادته من الفلسفة، بمعناها الواسع. أما التاريخ والعلوم فيأخذان مادتها من تفاصيل الحياة! لما يدرس نقادنا الشعر تنصرف أذهانهم إلى اكتشاف ما فيه من بلاغة ولكنهم لا يفكون في الصورة الشعرية وقديمًا قال (فيرلين): (خذ البلاغة وقط عنقها) فما شيء أقتل للشعر من هذه البلاغة التي يهيمون بها!
٢ - ثم هي تخالف المدرسةالبر ناسيةالتي ألممنا بها، لأن هذه المدرسة كادت تحشر الشعر بين فنون النحت والتصوير وتقتصر وظيفته على الوصف، حتى أنك إذا سمعت بعض قصائدها استطعت أن تأخذ ريشة وترمم بأوصافها صورة حقيقية! نعم نحن لا نقول مع مهدمي هذه المدرسة أن أنصارها يشبهون القردة لا عمل لهم إلا التقليد، فهذا إسراف، لأن الفن يزين الصورة الطبيعية وينبهك إلى نواح منها كان يمكن أن تجهلها، حتى أنه يروى عن مادام ده ستال أنها قلت: أحب الرسم ولكن من فم لشعراء. ذلك لأن الشعراء يصفون الأشياء على شكل يثير اللذة لما يذيبون فيها من روحهم شاؤوا أم أبوا. على أن مأخذنا على هذه المدرسة هو ضيق آفاقها ومحاربتها الخيال ثم تقييدها نفسها بقواعد الشعر القديمة، تقييدًا شديدًا خانقًا.
٣ - وهي تخالف المدرسة الإبداعية رومانتيك لأن شعراء هذه المدرسة الذين يقول خصومهم في شيء غير قليل من الحق، أن نصف قصائدهم إشارات تعجب واستفهام ونقط. . يسرفون في استغلال العاطفة، ويكثرون من المبالغات السخيفة، ومن زعماء هذه المدرسة (لامارتين) الذي أضاع كثيرًا من سلطانه في وقتنا الحاضر لأن البارنسيين لا يجدنه يعنى بالجمال كما يعنون، ولأن الرمزيين لا يجدون في شعره ما يحبون بل يعتقدون أنه بكاء، مبتذل المعاني.
الشعر والرواية والمدرسة
وظاهر بعد، أننا إذ نأخذ على المدارس القديمة ضعفها إنما ننظر إليها بأعين المجددين فما زال في أوربا (بشر) كثير لا يفهمون شيئًا عن مدرسة الرمز ويتغنون دائمًا بالشعر القديم
[ ٥ / ٣٠ ]
الذي أفرغه معلموهم في صدورهم وهم على مقاعد الدرس، ثم عاشوا لا يعرفون شعرًا غير هذا الشعر ولا يتذوقون سواه! ومن الصعب جدًا إن تغير ذوق المدارس التي تبقى في مؤخرة الحركات الأدبية، لأن المعلمين درسوا القدماء ولا يجدون من الرأي إن يقذفوا بكتبهم القديمة إلى النار ويأخذوا في دراسة الأساليب الحديثة. ولذلك قال (ره مي دوغورمون): إن المدارس مصانع شهرة، تغمر الأسواق ببضائع قديمة دائمًا!
طوبى إذًا للشاعر الذي دخل أسمه في مناهج المدارس، مهما يكن سخيفًا، لأن ألف ناقد لن يستطيعوا إن يخرجوه منها بعد أن درسه المعلمون وفهموا وألفت فيه الكتب المدرسية! ولكنك قد تقول: إن السر في تقهقر. . وإن تيس من الحكمة في شيء إن يتخالف الشعراء ويتفرقوا شيعًا وأحزابًا. فيدال منهم للناثرين. ما في كلامك هذا شك. بل وأنني أعرف حادثًا نادرًا يؤيده:
كان (أوغوست دورشان) مؤلففن العروضشاعرًا عتيقًا ولكنه قليل الحظ من السهرة وكان يكره الرمزيين والمجددين ويفضل عزيف الجن على سماع قطعة من الشعر الجديد. خرج ذات صباح يهيم على وجهه، في شوارع باريس، ينزه عن نفسه، فمرت به سيارة مستعجلة فخلفته على الأرض صريعًا فاقدًا كل حس وتجمع الناس حوله فعرفوه، ثم تبينوا السائق الذي دهسه بسيارته فإذا هو القصصي الفرنسي المشهور (جان تارو)! فما ملك أحد المتجمهرين نفسه عن أن يصبح: حكمة أليمة: القصة قتلت الشعر!. . وفي الواقع، إن المطابع تخرج لنا كل يوم عددًا لا يحصى من الروايات، وكثير من الروايات يعاد طبعها أكثر من خمس مئة مرة في خلال أعوام قلائل. . بيننا كتب الشعر يغلفها الغبار بغلاف يحفظها من لمس الأيدي! ولكن الشعر الذي ضاع هو الشعر المنظوم، وأما الشعر، بالمعنى الواسع، فلم يضع ولكنه ذاب في قالب جديد هو الرواية! على أن هذا التقهقر الذي مني به الشعر لم يكن من شأنه أن يضعف قوة الرمزيين، لأنهم لا يكتبون للشهرة ولكن للذة أنفسهم وللخلود الذي يطمعون به لما يتفهم الناس جمال شعرهم العميق.
طائفة من مزايا المدرسة الرمزية
ليس أحفل من الرمزيين بالموسيقى، وقيمة الحروف الغنائية، حتى أنّ بعضهم إذا أراد أن يصف وثبة أسد على حيوان وديع ليفترسه، جاء البيت الأول من قصيدته فخمًا ضخم
[ ٥ / ٣١ ]
مخارج الألفاظ والبيت الذي يصف به الحيوان الوديع من أرق الشعر، فكأن البيت الأول يفترس الثاني! بل أن من شعراء الرمز من يعتقد أن للحروف ألوانا، فلا يصح أن توصف الألوان إلا بحروفها. وعلماء الرمز يقولون أن القصيدة (قطعة موسيقية)، ويدرسونها كذلك وكل ما يخشونه من المغنى هو أن يكون مبتذلا أو رديئًا بحيث يهدم ما في القطعة مناختلاف منسجم.
متى عرفت ذلك هان عليك أن تفهم لماذا لا يلزم الرمزيون أنفسهم بالبحور والقوافي فليس صحيحًا أن بحرًا معينًا لا يصلح إلا لأنواع من الشعر معينة، ليس ذلك في فن الموسيقي، وهو ركن الشعر الرمزي. الرمزيون هم الذين بشروا بعد (بالشعر الحر) فخدموا الشعر بذلك كثيرًا، ولم يكتفوا بالتمرد على البحر والقافية من حيث اصطناعهما في أغراض مختلفة من الشعر، ولكنهم تمردوا كذلك على التقاطعوالمواقف، حتى إن منهم من يعتقد أن البيت يقف حيث يقف نفس الشاعر! وإن التقاطيع جد خادعة، فقيمة قراط طراق مثلًا تساوي قيمةريمي
- لتهما مؤلفان من تقطيعين سيلاب - والفرق بينهما، في الواقع، يلمس باليد! ومن طبيعة هذه المدرسة الغموض، لأن الشاعر لا يعطيك إلا طرفًا من الشيء ويترك لك أن تكتشف بقيته، هذا إلى أنه يبدع عالمًا جديدًا، فيجب عليك أن تقضي وقتا في تفهمه وربما اكتشفت فيه بعد كل قراءة ناحية خافية فزاد إعجابك بتنوع مناحيه. ويذكر النقاد الأوربيون مستشهدينبسانت بوفإن العبقرية في نظر الرمزيين تشبه الجنون، فكما أن المجنون الذي يقبض في يده على قذى يخيل إليه أنه ممسك بشعاع من نور، كذلك الشاغر الرمزي يستطيع إن يقول مع المجنون: في يدي شعاع من النور. . . مسميًا الشيء لا باسمه، ولكن بالخيال الذي أثاره في نفسه. وهنا يحسن أن تقول أن الرموز غير الكناية، فالكناية نوع من الأعيب الكلام ووصف الشيء ببعض مظاهره وأما الرمز فهم الرمز إلى الشيء بصورة نفسية والشاعر على كل حال لا يستنفذ الرمز بكلمة أو بيت كما يستنفذ الكناية فالرمز لا يتم في الراجح إلا مع القصيدة لأنه وصف عالم كامل مستقل، عاش فيه الشاغر زمنًا ما وكذلك يختلف الرمز عن التشبيه، فإنك تستطيع أن تقول مثلًا: هذا الشيخ يشبه القبر. تريد بذلك أنه متهدم الجسم مثل قبر عتيق. فهذا تشبيه صورة خارجية بصورة خارجية ولكنك
[ ٥ / ٣٢ ]
إذا سمعت (بودلير) يقول: أنا قبر. . أو (فيرلين) يقول: أنا باخرة إلخ. . عرفت أنهما يشبهان حالة نفسية بصورة خارجية، فبودلير إنما أراد أن يقول أنه لما انحنى على نفسه، كما يقول الغربيون، وطاف في أعماقها، وجد أنه قبر يزخر بالموتى. و(فيرلين) رأى نفسه في لحظة ما باخرة يسيرها الريح على ما يشتهي!
هذه أمثلة ما كان يصح لنا أن نسلخها من صورها وننتزعها من (إطاراتها) ولكننا أقدمنا على ذلك لنقرب الرمز من فهم القارئ العربي الذي لم يدرس الحركة الجديدة في أدب الغرب، ولنمهد بهذا لبحوث قابلة ندرس فيها طائفة من القصائد الرمزية ونستعين بها علىتنويرعالم الرمز، هذا العالم الثائر علىالتحليل. . مثل ثورة الفتاة التي يقول فيها (بودلير) يجيب الشيطان الذي سأله عن أحب شيء فيها إلى قلبه: ما دامت كلها كنعنعة الماء فلست أفضل بعضها على بعضإنها تسحر كالفجر وتسلي كالليل. . نفسها يخلق الموسيقى وصوتها يبعث العطروالحق أن سحر الشاعر الرمزي أقرب إلى سحر الموسيقى منه إلى سحر القول، والشاعر يتخذ العالم وسيلة لإنماء أنانيته الطيبة المباركة ودرسها ليس غير، فهو في ذلك يشبه نبع أوسكار وايلد ولكن في غير صلف.
. . . أتعرف قصة النبع؟
لما ماتت النرجسة، حزنت عليها أزهار الحقل كثيرًا، وراحت إلى النبع تسأله قطرات من الماء تبكيها بها. فقال النبع: لو كانت قطرات مائي كلها دمعًا، لما كفتني وحدي، لأنني كنت أعشقها. فأجابت الأزهار: نفهم يانبع أن تحبها، بل ما كانت لك مندوحة عن حبها لأن النرجسة كانت بارعة الجمال.
قال النبع: وهل كانت جميلة حقًا؟
فأجابت الأزهار: ومن يعرف ذلك أكثر منك وأنت الذي كانت تنحني على موجك ويتراءى جمالها كل يوم في مائك الرقراق؟
قال النبع: أنا إذا أحببتها فذلك لأنني كنت أرى في عينيها وهي تنحني علي صورة جمالي! هكذا شاعر الرمز. يرى في الأشياء صورة نفسه وحياة قلبه. . وقيمة الأشياء بما أودع فيها الشاعر من سره وهذا السر هو ما يجب أن نراه!. . . وحده!
منير العجلاني
[ ٥ / ٣٣ ]