للأستاذ محمد جنيدي
(تتمة ما نشر في العدد الماضي)
يتولى الحكم في إندونيسيا نائب عن الملكة ولهلمينا يدعى باسم الحاكم العام، يساعده مجلس مكون من رؤساء المصالح الكبيرة، المالية، والحربية، والبحرية، والعدلية والاقتصادية وهم هولنديون، طبعًا!. ويسمى هذا المجلس المجلس الهندي، ويساعده أيضًا المجلس النيابي.
وفي يناير ١٩٢٠ أنشأ بعض رجالات جزيرة حزب (شركت مادورا) عاملًا لتقوية الحركات التحررية في هذه الجزيرة. وفي ٨ مايو ١٩٢٠ تأسست جمعية سياسية في جزيرة (سيليبيس) باسم (شركة أمبون) لا تخرج غايتها غايات الأحزاب الوطنية التي ظهرت قبلها.
وخلال عام ١٩١٩ حدثت عدة اضطرابات في المرافق العامة إظهارًا للشعور المكبوت من سياسة الحكومة الهولندية في إدارتها أمور البلاد بطرق دلت على الاستغلال والاستعباد للشعب، وأشهر حوادث الأعتصاب: الإعتصاب الذي قام به موظفو وعمال ترام سومطرة الغربية، ثم موظفو وعمال مطبعة سورابايا الأميرية، ثم لإضراب نقابات الخياطين الوطنيين، ثم الإضراب النهائي الكبير في مصانع السكر العائدة للأميريالية الغربية، فشلت حركاتها أيامًا.
في عام ١٩١٧ حاول الدكتور سمعون والمستر تان ملاكا والمستر عالمين نشر المبادئ الاشتراكية الحديثة في حزب الرابطة الإسلامية. فهؤلاء الثلاثة كانوا أعضاء في حزب الرابطة الإسلامية بمدينة (سمارانج) وقد تلقوا مبادئ الاشتراكية من المستر سنفليت الهولندي مؤسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي فوقف لهم زعماء الرابطة موقفًا رائعا، صدوا المبادئ الشيوعية من الولوج في المجتمع الإسلامي بإندونيسيا، وبعد مجادلات في الصحف وفي الأندية. انفصل اشتراكيو (شركة إسلام) منه وانشئوا حزبًا سياسيًا باسم (شركة إسلام ميرة) أو (الرابطة الإسلامية الحمراء) بزعامة الدكتور سمعون. وأما (شركة إسلام) الأصلية فقد زيدت في اسمها كلمة واحدة، وأصبحت تدعى باسم (الرابطة الإسلامية البيضاء) برئاسة شكري أمينوتو. ثم أبدل زعماء الرابطة الإسلامية الحمراء اسم حزبهم
[ ٦٧٧ / ٢٧ ]
إلى (شركة رعيت) أو (حزب الأمة) وانتشرت فروعة في القرى والمدن وكانت الروح المعادية للإميريالية تكتسح المجتمع الإندونيسي وتهز دعائم الحكم الهولندي. وفي ٢٣ مايو ١٩٢٠ ظهر حزب الأمة بمظهر جديد، فقد بدل أسمه إلى حزب (الحزب الشيوعي الأندنوسي) المرموز إليه بحرف، ويعد هذا الحزب أكبر الأحزاب الأندنوسية المتطرقة، ومبادئه العمل الإيجابي لإزالة الاستعمار الهولندي من إندونيسيا.
وفي عام ١٩٢٢ سافر الدكتور سمعون إلى أوربا ومنها إلى موسكو للاتصال بمركز قيادة الحزب الشيوعي الروسي واطلع على نظمه وبرامجه ومؤسساته، ثم عاد إلى إندونيسيا. ومنذ ظهور الحزب الشيوعي في المسرح السياسي اشتعلت اندنوسيا نارًا، فالمبادئ الشيوعية تنتشر في القرى والمدن، والأفكار الحرة تهدم معاقل الاستعمار.
من شهر نوفمبر ١٩٢٦ إلى يناير ١٩٢٧ اندلعت نار الثورة الشيوعية الكبرى في إندونيسيا، أشعلها الحزب الشيوعي الاندنوسي، فكافحتها السلطة الهولندية كفاحًا عظيمًا استعملت خلاله المدافع الرشاشة والدبابات والسيارات المصفحة. أما الإندونيسيون فكانت أسلحتهم المسدسات والقنابل اليدوية!.
واستطاعت الحكومة الهولندية إخمادها لقواتها الكثيفة التي قذفتها إلى ميدان الثورة. وبعد انجلاء الموقف سجنت السلطة الهولندية (٤٥٠٠) إندونيسي شيوعي، ونفت أيضًا إلى غينيا الجديدة (١٣٠٨) شيوعيين!
في ٤ يوليو ١٩٢٧ أنشأ الدكتور سوركانو (اتحاد الشعب الإندونيسي) وساعده في إنشائه المستر سر تونو، والمستر اسحق والمستر بودترات، والمستر سوجادي، والدكتور شفتو ماعون كسومو. وفي ديسمبر ١٩٢٨ عقد الحزب مؤتمره الأول بمدينة سورابايا، وقررت الهيئة الرئيسية للحزب إبدال اسم الحزب. فسمى (الحزب الوطني الإندونيسي) برئاسة الدكتور سوكارنو فأنشا هيئات عسكرية من الشباب سميت بفرقة الهجوم. وفي هذا الظرف كان الشعب الإندونيسي يترقب مصير الحكم الهولندي في إندونيسيا، حيث أن الحزب الوطني كان أقوى حزب سياسي في إندونيسيا، سياسته رفع السيادة الأجنبية عن إندونيسيا. وفي نهاية عام ١٩٢٩ داهمت جنود الحكومة الهولندية دار الحزب الوطني بمدينة (باندونج) فجمعت أوراقه ومستنداته، ثم داهمت أيضًا فرقة من الجنود الهولنديين (٥٠)
[ ٦٧٧ / ٢٨ ]
مدينة في إندونيسيا فيها فروع الحزب، وقبضت على (٣٠٠) عضو من أبرز أعضاء الحزب. أما رئيس الحزب فقد سيق إلى السجن ليلًا والأسباب التي دعت الحكومة الهولندية إلى إجراء هذا العمل شعورها بثورة يشعل نارها الحزب الوطني في غرة عام ١٩٣٠ لما رأت منه من الأعمال الثورية منذ ظهوره في الميدان السياسي. وبعد محاكمات طويلة قررت السلطة الهولندية سجن الدكتور سوكارنو أربع سنوات، وسجن كل من المستر غاتوت والمستر ماسكون والمستر سوفريا والمستر سنغيه مددًا مختلفة. أما الدكتور سوركانو فقد قضي عامين مسجونًا في سجن (سوكا مسكين) بسورابايا، وأنقص عامان من مدة سجنه بأمر من الحاكم العام وأما الأعضاء الآخرون فقد أتموا مدة سجنهم.
في ٣١ ديسمبر ١٩٣١ خرج الدكتور سوكارنو من السجن فوجد أتباعه قد اقسموا إلى قسمين: قسم برئاسة المستر سرتونو وقسم آخر برئاسة الدكتور محمد حتى. فأنضم إلى (الحزب الإندونيسي) أو بزعامة المستر سرتونو. ثم في عام ١٩٣٢ اسند إليه رئاسة الحزب، وبدأ عمله السياسي كما كان وفي ٥ مارس ١٩٣٣ قبض عليه ثم نفي إلى جزيرة فلورس. وفي عام ١٩٣٦ أعيد إلى مدينة (بنكولين) بجزيرة سومطرة، ثم عهدت إليه الجمعية المحمدية الأشراف على أقسامها الثقافية بفرعها بهذه المدينة.
أما الدكتور محمد حتى فقد أنشأ بمساعدة الدكتور شهرير (حزب التربية الإندونيسية) وكانت مبادئه تحرير أندونيسيا من الاستعمار الهولندي. وفي ٢٥ فبراير ١٩٣٤ ضربي السلطة الهولندية بيد من حديد على هذا الحزب. فنفت رئيسه الدكتور محمد حتى إلى جزيرة (بندانيرا) والدكتور شهرير إلىغينيا الجديدة، وهكذا تضرب الإمبريالية الغربية الحركات الشرقية التحريرية.
وفي ديسمبر ١٢٩٧ تألفت هيئة سياسية باسم: (اتفاق الهيئات السياسية القومية الإندونيسية) أو المرموز غليه بالحروف الأولى،،،، لاتخاذ مناهج سياسية مستقيمة لمقاومتها الاستعمار الهولندي، وتولى رئاستها المستر محمد حسني تمرين من حزب (إندونيسيا الكبرى)، وتكونت هذه الهيئة من حزب (بودي أوتومو) وحزب (الرابطة الإسلامية) وحزب (قوم بتاوى) و(سومطرة بوند) وأدت هذه الهيئة خدمات سياسية في صالح الشعب.
[ ٦٧٧ / ٢٩ ]
في ١٦ أكتوبر ١٩٣٠ أبدل الدكتور ستومو (نادي التعليم) إلى حزب سياسي باسم (اتحاد الشعب) للتكاتف مع الأحزاب السياسية في كفاح الاستعمار. وفي ٢٩ أبريل ١٩٣١ أنشأ الدكتور أمير شرف الدين حزب النهضة الإندونيسية للعمل لتحرير إندونيسيا من الاستعمار الغربي. وقد استطاع الدكتور أمين الدين بجهوده العظيمة إيجاد حالة سياسية للشعب أوضحت له ان أعماله وجهاده ستثمران بعد سنوات قليلة، ومنذ نشأت الجمهورية في إندونيسيا تولى الدكتور شرف الدين وزارة الأخبار ثم عين إلى وزارة الداخلية ثم عين إلى وزارة الدفاع، ولا يزال يشرف عليها للآن.
وفي ١٤ سبتمبر ١٩٣٠ أنشأ المستر محمد يمين (حزب الشعب الإندونيسي)، وكانت سياسة حزبه ترمي إلى الاستقلال التام لإندونيسيا أو البقاء تحت الاستعمار! أما إنشاء حكومة ذاتية أو غيرها من أنواع الحكومات فليس من الحكمة الرشيدة، والسياسة المستقيمة! ويتولى اليوم المستر محمد يمين منصب حاكم جاوا الغربية.
وفي ٢٤ ديسمبر ١٩٣٥ أدغم الدكتور ستومو حزب أوتومو، وحزب اتحاد الشعب، وحزب دشركت سومترا، وأخراج منها حزبًا سياسيًا كبيرًا هو (حزب إندونيسيا الكبرى) اتبع الحزب سياسية معتدلة تجاه السلطة الهولندية، وكان عمله الأول متجهًا نحو الحياة الاقتصادية والحياة الثقافية فمؤسساته الاقتصادية:
١ - البنك الوطني الإندونيسي. وله فروع كثيرة في أهم المدن الإندونيسية ويؤدي الأعمال التجارية.
٢ - شركة الملاحة الوطنية.
٣ - المعهد الزراعي. ومؤسساته الثقافية: ١ - معهد التربية الإندونيسية ٢ - دور للأيتام ٣ - مدارس ثانوية ٤ - مدارس شعبية عامة ٥ - هيئة للأيتام ٦ - دور للأطفال لحمايتهم من داء -،،، إدارة للصحافة والنشر.
في ديسمبر ١٩٣٦ أسس بعض الزعماء الإندونيسي (الحزب الإسلامي الإندونيسي) لعمل خطة سياسية لإسلامية يسير عليها الشعب الإندونيسي المسلم في جهاده في سبيل استقلاله وتولى رئاسة الحزب (رادين ويووهو) العضو بالمجلس النيابي وساعده في إدارته الدكتور سوكيمان، والمستر كسمات والدكتور سكارى. وقد جعل الحزب مبادئه مستمدة من القرآن
[ ٦٧٧ / ٣٠ ]
والحديث مع مراعاة سير التطورات السياسية في الشرق والغرب. وأعطى لرئيس الحزب التصرف المطلق حتى لقنته الصحافة الوطنية بلقب (دكتاتور) ولهذا الحزب وزير في الحكومة الإندونيسية الحديثة هو الدكتور محمد ناصر ويشغل وزارة الاستعلامات، وكان قبل نشوب الحرب الأخيرة رئيسًا لفرع بمدينه سورابايا.
في ٢١ مايو ١٩٣٩ أنشأ المستر أبيكوسنو زعيم حزب (شركت إسلام إندونيسيا) والمستر محمد حسني تمرين وكيل حزب (فرندرا) والمستر أمير شرف الدين زعيم حزب النهضة الإندونيسية. انشأ هؤلاء رابطة سياسة باسم والمقصد السامي لها توحيد الأحزاب السياسية الوطنية للعمل متحدة في سبيل تحرير إندونيسيا من السلطة الغربية، والأحزاب التي اشتركت في هذه الرابطة السياسية هي:
حزب إندونيسيا الكبرى.
حزب النهضة.
حزب الرابطة الإسلامية.
حزب الاتحاد الميناهاسي.
حزب فاسوندان.
الحزب الإسلامي.
وأول عمل قامت به هذه الرابطة مطالبة السلطة الهولندية بإنشاء برلمان. وقامت الرابطة بدعاية واسعة النطاق لمشروع البرلمان في الدوائر الإندونيسية والهيئات الهولندية. وفي ٢٣ - ٢٥ ديسمبر ١٩٣٩ أقامت الرابطة مؤتمرًا قوميًا باسم (المؤتمر القومي الإندونيسي) بمدينة جاكرتا لبحث ما وصل إليه زعماء الرابطة من أعمال مشروع البرلمان. واشتركت الجمعيات الإندونيسية في هذا المؤتمر قدمت الرابطة مذكرة إلى المجلس النيابي بطلب إنشاء برلمان للبلاد، وأوضحت فيها مستوى ما وصل إليه الشعب من الثقافة والتربية السياسية، ثم أحال المجلس النيابي مذكرة الرابطة إلى البرلمان الهولندي بلاهاى، فأغمضت هولندا عينيها وتجاهلت الحالة في إندونيسيا.
هذه خلاصة تاريخية للتطورات السياسية والحركات الاستقلالية في لإندونيسيا. فلعل القارئ تمكن من تصوير حقيقة الشعب الإندونيسي، والتكهن بمستقبله بعد أن أعلن استقلاله
[ ٦٧٧ / ٣١ ]
بين أصوات المدافع وهدير الطائرات، ثم خطى خطوات موفقة بين الأشلاء والدماء!. . .
محمد جنيدي
[ ٦٧٧ / ٣٢ ]