(بقية ما نشر في العدد الماضي)
الفعل الرديومي الصناعي:
بين (جوليو) في العام التالي. أي عام ١٩٣٣. إن من الممكن صناعيًا تحويل عدد كثير من الذرات إلى ذرات ذات فعل رديومي. أي أصبح في الإمكان صناعة مواد كثيرة ذات فعل رديومي بأية كمية مطلوبة. وفي عام ١٩٣٤ كشف العالم الإيطالي (فيرمي) وزملاؤه بروما، أنه عند تصادم أثقل العناصر المعروفة وزنًا أي اليورانيوم بالإلكترونات، أعطى اليورانيوم ذرات معروفة؛ وذلك طبقًا لإحكام إحلال الفعل الرديومي. وتدل هذه النتائج على ما يظهر أن من الممكن الحصول في المعمل على ذرات أعلى في عددها الذري من الذرات الموجودة في الطبيعة. وقد دلت الدراسات والتجارب التي أجريت بعد ذلك على أن عدد العناصر (عبر - اليورانيوم) - المتكونة كثير شاذ، على أن البحوث الكيميائية الدقيقة التي أجريت في نفس الوقت للتعرف عن نوع الذرة الناشئة بذرات تلك العناصر التالية لليورانيوم مباشرة في العدد الذري أو الوزن قد فشلت.
انقسام اليورانيوم انقسامًا ذاتيًا:
وفي يناير من عام ١٩٣٩ كشف العلم أيضًا عن نتيجة في غاية الخطورة. فقد أيد (أوتو كاهن) وزميله (ستراسمان) ببرلين الحقيقة الثابتة التي نصت على أن ذرات اليورانيوم يمكن شطرها مع إطلاق كمية هائلة من الطاقة. وقد توصلا بجانب هذا إلى كشف آخر في غاية الأهمية، وهو الذي نص على أن أحد مركبات (عبر - اليورانيوم). هو عبارة عن نظير العنصر (باريوم) الذي في عدده الذري وكتلته لا يختلف اختلافًا تامًا عن نصف العدد الذري وكتلة اليورانيوم. وقد كان أن فطن العلماء عقب هذا مباشرة أنه ينشأ عند استحالة اليورانيوم تفاعل نووي يختلف اختلافا تامًا عن أي تفاعل درس حتى هذا الوقت، بمعنى أن ذرة اليورانيوم وهي ذرة كبيرة جدًا، لابد وأن نفرض بأنها قد انقسمت إلى قطعتين، وأن هاتين القطعتين تحتويان على ذرتين عاديتين وزنهما متوسط. ولما أضيف وزن هاتين الذرتين كل منهما إلى الآخر وجد أن الوزن الكلي أقل بمقدار محسوس عن
[ ٦٧٦ / ٤٠ ]
وزن ذرة اليورانيوم، وأن النقص في الوزن قد ظهر في شكل طاقة منبعثة، وأن هذا التأثير أقوى عشرين مرة من أي تأثير من نوعه كشف عنه العلم من قبل. وفي الحال بدأ الباحثون في الكثير من بلدان العالم في إجراء بحوث دقيقة شاملة لمعرفة ماهية انقسام ذرة اليورانيوم انقسامًا ذاتيًا.
وفي بحر شهور قليلة توصل (جوليو) وزملاؤه بباريس إلى الكشف عن أدلة بينوا بها أن ذرة اليورانيوم عند انقسامها إلى ذرتين ينطلق منها في الوقت نفسه عدة نيوترونات - من المؤكد أكثر من أثنين - أي أصبح من الممكن إذن الوصول إلى سلسلة من التفاعلات مبينة في شكل متوالية هندسية. فلنفرض أن في متناولك كتلة من اليورانيوم أطلق فيها نيوترون واحد. النتيجة أنه يصحب استحالة ذرة واحدة من اليورانيوم انطلاق ٢ نيوترون على الأقل؛ وأن ال ٢ نيوترون يسببان استحالة ذرتين أخريين من ذرات اليورانيوم، وينتج من هذا انطلاق ٤ نيوترون على الأقل. وتستمر العملية على هذا المنوال حتى تحدث استحالة عامة في الكتلة. وقد كان من الواضح الجلي أنه من الممكن باستخدام عملية كهذه الوصول إلى منبع هائل من الطاقة.
وفي ربيع عام ١٩٣٩ وقت أن كان الأستاذ (نيل بور) يزور أمريكا، وضع مع الأستاذ (هويلر) بجامعة برنستاون بمقاطعة نيوجرسي نظرية في عملية الانقسام الذاتي. وعلى أساس هذه النظرية تكهن العلماء أن من بين نظائر اليورانيوم الثلاثة المعروفة ب (نم ٢٣٨، نم ٢٣٥، نم ٢٣٤) (نم) هو الرمز الكيميائي لليورانيوم باللغة العربية) إن من المتوقع أن النظير الشائع (نم ٢٣٨) ينقسم انقسامًا ذاتيًا في حالة ما إذا كانت النيوترونات المنطلقة ذات طاقة عالية فقط. وأن (نم ٢٣٥) النادر الوجود لا ينقسم انقسامًا ذاتيًا إلا إذا كان طاقة النيوترونات، أو بعبارة أخرى سرعة النيوترونات، المنطلقة بطيئة جدًا. وقد تأيدت تلك التكهنات في مارس من عام ١٩٤٠ بتجارب أجراها (نير) (بجامعة مينيسوتا)، بود، دانينج جروس بجامعة (كولومبيا بنيويورك) وقد نصت تجاربها على استخدام عينه من اليورانيوم زيدت فيها كمية (نم ٢٣٥) عن الكمية العادية بواسطة (الأسبكتروغراف الكتلي) الذي اخترعه (نير).
وعند تصادم اليورانيوم بنيوترونات ذات طاقة معينة معتدلة. تكون نظير له عدد يساوي
[ ٦٧٦ / ٤١ ]
٩٤. وقد تكهن العلم أيضًا على أساس نظرية (بور - وهويلر) أن هذا النظير - الذي أطلق عليه اسم (بلوتونيوم) وعبر عنه بالرمز الكيميائي يمكن انقسام ذاتيًا بنفس السهولة التي ينقسم بها (نم ٢٣٥).
انطلاق الطاقة الذرية:
كان الكشف عن انقسام اليورانيوم انقسامًا ذاتيًا بمثابة قوة دافعة حركت أذهان كل المهتمين بالبحث في هذا الفرع من العلم. فبدأ في الحال الأستاذ (جوليو) وزملاءه بباريس والأستاذ (فيرمي) وبعض علماء الطبيعة الذرية الآخرين في الولايات المتحدة الأمريكية، والسير جورج تومسون وزملاؤه في لندن، في إجراء التجارب بقصد الوصول إلى طاقة ذرية منبعثة يمكن ضبطها.
وقد دلت التجارب التي توصل إليها العلماء في لندن، والتي أيدها زملاء الأستاذ جوليو بعد وصولهم إلى إنجلترا بتجارب كانوا قد أجروها مستقلين قبل هذا بباريس، على أن الأمل كبير في استخدام الطاقة الذرية كمنبع للقوة. ولما كانت النتائج في هذا الوقت ليس لها أهمية حربية منتظرة أبطأت البحوث في هذا الموضوع في لندن.
وفي الشطر الأول من عام ١٩٤٠ اقترح على الحكومة كل من الأستاذ شادويك والدكتور (فريش) والأستاذ (بيرليس) كل على حدة أنه من الممكن الحصول على فرقعة هائلة على جانب كبير من الخطورة إذا استبدل النظير النادر (نم ٢٣٥) باليورانيوم العادي. وعليه ألفت الحكومة لجنة من العلماء المتخصصين تحت رئاسة السير جورج تومسون، وبدأت عملها أولا في جمع كل المعلومات العلمية التي ظهرت في هذا الموضوع وقد تطور البحث الذي كان قد بدأ في لفربول تحت إشراف السير جيمسشادويك بتعيين الدكاترة فريش وروتبلات مساعدين له. ولما أخذ البحوث تترى ظهرت هناك مسائل أخرى لها علاقة بهذا الموضوع. وعليه ساهم معمل (كافنديش) المشهور بكمبردج بنصيبه في هذا البحث الخطير تحت إشراف الدكاترة (فيذر، برتشر) وقد أجريت التجارب في فصل (نم ٢٣٥) في معمل كلارندون تحت أشرف الدكتور (سيمون) يعاونه في البحث من الناحية الكيميائية الأستاذ (هوارث). وقد أجريت البحوث من الناحية النظرية الأستاذ (بيرلس) يعاونه الدكتور (فوش) وغيرهما من العلماء. وذلك بجمع المعلومات التجريبية من مختلف المعامل. وقد
[ ٦٧٦ / ٤٢ ]
وضعت اللجنة في ١٥ يولية سنه ١٩٤١ تقريرًا أثبتت فيه إمكان تحضير سلاح حربي له قوة تخريبية لا مثيل للها، أي استخدام الطاقة الذرية كسلاح حربي:
وقد تطور في نفس الوقت في الولايات المتحدة الأمريكية. ولما اقترح المرحوم الرئيس روزفلت في عام تبادل المعلومات والنتائج بين الباحثين البريطانيين والباحثين الأمريكان وافق المستر تشرشل على هذا الاقتراح. وعليه قدم فريق من العلماء بريطانيا. وفي فبراير من عام ١٩٤٢ رحل فريق من العلماء البريطانيين إلى أمريكا. واستمر العمل بعد ذلك في إنجلترا وأمريكا في جويشوبه التعاون التام بين البلدين. أما في إنجلترا فقد زيد في عدد العلماء الباحثين؛ وانضمت جامعتا برستول ومانشستر، ووضع لكل منهما برنامج بمسائل للبحث فيها. ولما اشتدت الغازات الجوية على بريطانيا أصبح من الضروري نقل الكثير من المجهود البريطاني إلى أمريكا عام ١٩٤٣ رحل العدد الكبير من الفريق البريطاني إلى أمريكا للعمل مع زملائهم هناك. وقد كان من تأثير هذا النقل أن وقع معظم الحمل على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تم استخدام المواد الخام اللازمة من كندا. واشتغل العلماء الأمريكيون والكنديون والبريطانيون جنبًا إلى جنب في جو يشوبه التعاون التام والإخلاص لغرض واحد. والعالم أجمع يعرف الآن نتيجة تلك الجهود الموفقة وهو فوز لا نظير له في التاريخ. فوز في تطبيق المعلومات الجديدة لتركيب الذرات ونواتها. وقد اشترك علماء لكثير من الدول في الوصول إلى هذه النتيجة الباهرة التي لا مثيل لها في تاريخ العلوم. ولكن الفخر كل الفخر يرجع بلا شك لرثرفورد الذي عاجلته المنية منذ بضع سنوات قبل تطبيق هذا الفرع الجديد من العلم تطبيقًا ناجحًا، والذي ساهم فيه لرثرفورد بنصيب وافر.
المستقبل:
قد رأينا كيف استخدم الطاقة الذرية كسلاح حربي في غاية الخطورة. بيد أنه من الممكن استخدامها في الوقت نفسه في الكثير من النواحي لسعادة المجتمع بنجاح تام وفائدة لا مثيل لها فمن الممكن مثلا استخدام المفرقعات الذرية لتحويل الأصقاع. ومن الممكن أيضًا استخدامها للحصول عل حفرة هائلة في الحجم خنادق في الأرض وتحويلها إلى بحيرات وأقنية أو مصارف. بهذا يصبح في الإمكان إنشاء بحيرات في وسط الصحراوات. أي
[ ٦٧٦ / ٤٣ ]
يمكن تحويل أردأ بقاع الأرض إلى واحات وأرض خصبة. من الجائر أيضًا توليد كميات هائلة دائمة من الحرارة في المناطق القطبية للراحة والاستجمام.
ومن المنتظر في القريب العاجل تطبيق منبع الطاقة الجديدة تحريك السفن والقاطرات. أو على الأقل يمكن استخدام الطاقة الذرية للوصول إلى قوة بدون الدخان والقذر المألوف.
وستنتج معامل الطاقة الذرية كميات هائلة من مستخرجات مواد الرديومية يمكن توزيعها على الجامعات لأجراء بحوث أخرى شاملة، وعلى المستشفيات للبحث واستخدامها في الأغراض الطبية العديدة. فإذا ما تصادمت النيوترونات بسرعة محددة مع نظير اليورانيوم الأكثر ثقلا، كتلتة٢٣٨ وحدة، وقعت سلسلة من التحويلات، يتغير فيها اليورانيوم أولًا إلى (نبتيونيوم) ثم إلى (بلوتينيوم) ولكل من هذين العنصرين اللذين ليس لهما وجود في الطبيعة خواصه الكيميائية الفريدة. فالنبتيونيوم ذو فعل رديومي يتحول نصف وزنه إلى بلوتنيوم في فترة أكثر من يومين بقليل. ولما كان البلوتينيوم يتبع نظرية الانقسام الذاتي أصبح من الممكن استخدامه في انبعاث الطاقة الذرية.
فالعلم إذن قد كشف عن عناصر جديدة من المادة في الوقت الذي كشف العلماء فيه عن قوة فتاكة. فماذا عسى أن يكون مأربه الجديد؟ هل البحث عن تطورات جديدة في الحياة؟
عن النشرة العلمية الإنجليزية
[ ٦٧٦ / ٤٤ ]