للأستاذ أنور العطار
دمشق ترفل في أفواف وادينا غنَّى لها (برَدَى) هيمان مفتونًا
السلسل العذب يُهدي (النيربينْ) هوى كالروض يَعبقُ أورادًا ونسْرينًا
و(قاسيون) انتشت بالنور هامته كأنه قبس الأنوار من (سينا)
وضجت الغوطة المنضور جانبها بيوم (جلَّقَ) واهتزت أرانينا
يوم أغرُّ على الأيام مؤتلقٌ مُشَهَّرُ ما يزال الدهر ميمونا
يا صفحة قد كتبناها بأيدينا بالدمع والدم قد زِينتْ أفانينا
ويا جهاد الأُلى أعتز الجهاد بهم أرضيتم اليَعْر ُبيّين الأبيّينا
نزَّهتمُ الشام من باغ يعيثُ بها وصُنتمُ مهدها مهد النَّبِيِّينا
ملأتمُ ساحها عزًا وتكرِمة فكان حاضرُنا رمزًا لمِاضينا
أتت على الشام أعوام مُرَوًعة كأنما هي أجيالُ تُعَنًينا
جرُ المغير ' علينا نقمةَ عَظُمت فكانت الدار نهب الأجنُبيِينا
فهبًّ من مهدوا يوم الخلاص لنا يصارعون الرٌزايا غيرَ وأنينا
فكان إقداُمهم بعثًا لهامدنا وحافزًا يحفز الشًّعْت المساكينا
مشوا إلى الهول يرتادون جاحمه يستعذبون المنايا غير خاشينا
كأنهم أرَجُ الفردوس تَنفحه رياض جلٌقَ فوٌاحًا تحاسينا
تباركَ الدم قد أهرَقتموهِ فدًا وقدًّ ستْ أنفسُ سُالتْ قرابينا
لم تُلهِكم مُتعُ الدنيا وزينتها أن تبعثوها على الباغي براكينا
ولم يُخفكم أذى العادي وصولته أن تذعنوا أو تقرٌوا الذٌل عانينا
ولا ارتضيتم مِهاد العيش لينة والحرٌ لا يعرف الإذعان والهُونا
الخالدون وما الدنيا وبهجتها إلا سنا الخالدين العبقريينا
عاشوا جمال الدٌنا حتى إذا نزلت بهم مناياهم ظلوا عناوينا
كأنما يبدءون العمرَ ثانية حتى إذا ما تواروا أشرقوا فينا
يا حفنة من ثرى الأجداد طيبة تكاد من طِيبها تَندى رَوابينا
[ ٦٧٣ / ٤٢ ]
هبت فكانت ربيعًا في حواضرنا وبهجة وائتلاقًا في بوادينا
يلفٌهَا الحبُّ مختالًا بها فرحًا كأنها الشام قد رفٌتْ بساتينا
نبثها فرحة الأحفاد قد نهضوا وأثْلُوا الملك تدْعيمًا وتمْكِينًا
بثٌوا الرسالة في أوج العلى ومشوا للمجد والعزة القَعْساءِ سامينا
طافوا بقبر صلاح الدين واستلموا فعل المطيفين بالبيت المناجيا
شادوا كما شادتِ الأجدادُ في وطنٍ صُنْعَ الأباةِ الحماةِ العَبْشَمييٌنا
المالكين وعزُّ الملكِ يلحظهم والمالئين فِجاجَ الأرض تمدِينا
الناهجينَ إلى العلياءِ منهجها والألمعيين إتقانًا وتحْسينا
حيوا لأوطانهم حتى إذا رقدوا تفرٌدوا بجلال الذٌكر باقيا
لم يطمئنوا إلى الأيام خادعة والدهر مازال حرب المطمئنينا
مَن مبلغ راقدًا في الرمل متشحًا بُرد الشهادة مغمورًا رياحينا
الجوهرَ المحضَ تاهت (ميسلون) به كأنه البدر في راجي ليالينا
والصادق العزم لو لاقى بعزمته صم الجنادل رد الصخر موهونا
من آثر الموت أن يحيا إلى زمن يذوق فيه الردى صابًا وغساينا
تدرًّع العزم لا يلوى به أمل ولقٌن الصبرَ في الهيجاء تلقينا
إنٌ الوفيينَ قد صحٌتْ عزائِمهم فزحزحوا عن حِمى العرب المغيرينا
وشيٌدوا المجد بالهامات طائحة وللمآثر والعلياء بانونا
تلكم دماؤُهم ضجت مزغردةً وتلكم يا بني قومي أضاحينا
وأنت يا عيدَهم بوركتَ من أمل حلو على الدهر نُحييه فيُحيينا
في (ميسلون) طريف من مفاخرنا وفي حماها رفيف من أمانينا
وفي تضاعيف سوح الشام أمثلةُ من الفداء تُناجينا فتُصْبينا
وعدًا عليًّ وقد أصغى الزمان لنا لأ نظمنٌ بها أحلى أغانينا
يا وحدة العرب لوحي في أباطحنا وأشرقي كالدراري في مغانينا
وأنت يا نفحة الضاد التي سكرت بها النفوس وما تنفك تغرينا
لأنت زاد الأُلى ازدان الوجود بهم وأنت أنت السٌنا في الخطب يهدينا
[ ٦٧٣ / ٤٣ ]
إذا ضللنا ولم ترشد محجتنا لذنا بوحدتنا الكبرى تؤاخينا
وإن ضعفنا وأوهى الضعف عقدتنا كانت لنا داعمًا في الضعف يعلينا
وإن حننا إلى الأطيار صادحة شدت لنا اللغة الفصحى تناغينا
يا فرحة الملتقى أذكيتني طربًا وهجت أحلى المنى في أرض (جيرونا)
تركت قلبي مغمورًا بنشوته سكران تصيبه أفراح النجيينا
يا طول شوقي إلى الآلاٌف قد رجعوا ولم يكن طيفهم يومًا يصادينا
غنى لَهم خاطري فرحان مبتهجًا لحن اشتياقٍ يسيلُ الدمعِ مخزونا
تساءل النفسِ في شوقٍ وفي لهفٍ منْ أنتَ يا من أذاعَ الوجدِ مكنونا
أأنتَ ذيالكَ الطيف ' الذي خفقتْ له الضلوعِ وغناة المغنونا
أم أنتَ دنيا مِن الأحلامِ طيبةُ كالمسك نشرًا وأنفاسِ الربا لينا
أم حققَ اللهُ وعدًا فاتنًا لهجت به النفوسَ ونصرًا كانَ مضمونا
أأنتَ طيفُ سَرى في العينِ ناعِمة أم أنتَ حققت للعُرب الأظانينا
فصحتُ من طربٍ والزهوُ يملكني: (أضحى التداني بديلًا من تنائينا)
ماذا على القلبِ إنْ هاجتْ هوائجه فراحَ ينشد أشعارَ (أبن زيدونا)
يا جيرة العُرب صان الله عقدكم وزادهُ الحب توثيقًا وتمكينا
حلٌلتُم الوطن المزهوًّ جانبه من بعدِ ما نهلتْ منه أعادينا
وبعد داء عياء لا كفاَء له جمٌ المواجع يُشجينا ويُبكينا
الغاشم المرٌ ولُى عن أباطحنا وأنهارَ كالسيلِ سكبًا من صياصينا
قد حطٌهُ وهو في عليائه قدر يردِى المغير ويطوى المستبدٌينا
فقل له زاجرًا نهلان ِمن سخر لا عدتَ يا من صحبت الرأي مأفونا
ولا أظلٌتك دنيا الناس تملؤها غمًا طويلًا وويلاتٍ أفانينا
أثرْتَ للحق تُعليه وتُعظمه أم كان ذلك تضليلًا وتلوينًا
غررت ناسًا فقالوا ثورة عجب قد صاغها الحق حينًا والعلى حينا
يعيش فيها الحجا جذلان مغتبطًا ويستنير برأي الألمعيينا
ثم انجلتْ فإذا طغيان مختبل جم المخازى فما زينت ولا زينا
[ ٦٧٣ / ٤٤ ]
تفيض بالفتنة الكبرى جوانبها وتملأ الأرض تفكيكًا وتوهينا
يا يوم (جلق) ضم العرب فائتلفوا فما ترى بيننا غير المحبينا
الهائمين تلاقوا بعد ما افترقوا وعاهدوا الله أن يحيوا وفيينا
تمازجوا في إخاء رائع عجب فعل الأخلاءِ في الدنيا المصافينا
(نجد) الهوى و(الحجاز) السمح قدْ سربا في (جلق) وانثنتْ (بغداد) تطرينا
وأشرقتْ (مصر) باللأ لأء باهرة وبالحياةِ وبالأرواحِ تفدينا
ومر (لبنان) في خلابِ صورتهِ كأنه الشِعر ترتيلًا وتلحينًا
(عمان) طافت تهز النفس روعتها ورفتْ الشام في وشى (اليمانينا)
لكنما العين مازالتْ مؤرقة تبكي الأحبة في دنيا (فلسطينا)
تهيب بالعْربِ في علياءِ عزتهمْ أن ينقذوا اليعربيينِ المصابينا
العرب في (المغرب) الأقصى تناجينا والعرب في (المغرب الأدنى) تنادينا
لهفي عليهم وقدْ ضاقَ الفضاء بهمْ ماذا من الغاشمِ العادي يلاقونا
ما زالتْ الأرض تندى من دمائِهِمْ وما تزال عواديهمْ عوادينا
العرب في ثورةِ للمجدِ شاملة علياء وطدها الصيدِ المحامونا
حراس وِحدتنا الكبرى ومن سفكوا أرواحهمْ في سبيلِ العربِ فادينا
ومن أشاحوا عن الدنيا ومن تخذوا هوى العروبةِ فيما بينهم دينا
هذا هو المجد خطته أناملهم وخلدته على الدنيا قوافينا
كأنما هو مسكُ من دمائهِم قد استطارَ دموعًا من مآقينا
[ ٦٧٣ / ٤٥ ]