(إلى الأستاذ سيد قطب)
للأستاذ علي الطنطاوي
ذكرتني غضبتك للشعر والبيان في (الرسالة) ٦٧٤ بأن في مكتبتي دواوين (شعرية. . . .) هي أولى إذا اطلعت عليها أن تكتب عنها، ففتشت عنها حتى وجدتها فإذا هي ثلاثة دواوين متشابهات في الحجم والقطع، وفي الوضع والطبع، كأنها قد صدرت عن ناشر واحد مع أن كلا منها قد ظهر في بلد - وكلًا من أصحابها يدين بدين من الأديان الثلاثة.
أولها: ديوان (الصيدح) لخليل جرجس خليل، طبع في مطبعة جرجس حنين بالمنيا في مصر سنة ١٩٣٩، وهو جيد الورق أنيق الطبع في مائة صفحة وقد أهداه (الشاعر) لروح الرافعي!!
والثاني: ديوان (حنين النديم) لعبد الله نديم مويال بكالوريوس علوم وهو من فلسطين، طبع في مطبعة صادر في بيروت سنة ١٩٣٦ على ورق صقيل مشكول الشكل الكامل، وهذا الشكل وحده أعجوبة الأعاجيب، وهو في مائة صفحة، وقد أهداه لوالده (المرحوم الدكتور شمعون بك مويال كلى الاحترام)،
وهذا هو نص الإهداء:
لذكرى والدي اهدي شعارًا لصدق الوحي في رفق الشعور
إليك الاحترامُ الُمجْزِ ودًّا حليف اللانهايات البحور
ولي الفكر والمبدأ وحسّ=لطيف خالد إهدا السطور
والثالث: ديوان (القلوب المنقطعة) لحسن محمود الحلبي، طبع في مطبعة الاستقلال العربي في دمشق ١٩٣٨ وهو في مائة صفحة (أيضًا) وفي أوله صورة الشاعر في وضع سينمائي. . .
رمتني الليالي في القبور ذليلًا وسار شبابي في الحياة ذبولًا
خلقت منالأحزان شخصًا مهددًا وبين جموع الناس دمت هزيلًا
فليت أقول الشعر دون تلوّع يسود فيبدو الشعر حزنًا طويلًا
ولكن أرى في مقلتي دمع ناحب يسيل فيعطي الشعر لونًا جميلًا
[ ٦٧٧ / ٥ ]
وإذا نزلت يا سيدي بهذا الأسلوب أدركه اخرى، وجعلت الموضوع كله في وصف بنات (المحل العمومي) وما يكون منهن وصفًا سافرًا مفصلًا، جاء معك ديوان (قالت لي السمراء) لـ (نزار قباني) الذي صدر في دمشق منذ سنتين، وإذا زدت لغة هذا الديوان لعنة على لعنتها، وأسلوبه عمى على عماه، موضوعه فجورًا على فجوره، جاء معك كتاب (في قصور دمشق) الذي أصدره في دمشق من نحو عشر سنين، موظف صغير في دائرة الصحة عامي يدعى (محمد النجار).
هذا كله عندنا فماذا يقول نحن يا أستاذ؟!
النثر والشعر في المدارس:
كنت كلما درست الأدب العربي اعجب لما أجد من انصراف الطلاب عن نثره إلى شعره، على حين انهم أميل إلى النثر في الأدب الفرنسي منهم إلى الشعر، ففكرت فرأيت أن السبب في ذلك المناهج.
والذي تقرر المناهج تدريسه من النثر العربي في مصر والشام والعراق لا يخرج في جملته عن رسائل ميتة لا روح فيها، أو فقرات جامدة مسجعة أو غير مسجعة ليس فيها وصف يهز القلب، أو معنى يوقظ الفكر، حتى أن ما يحتار لمثل الجاحظ وهو في رأيي أحد الخمسة الذين انتهت إليهم إمامة النثر العربي (الجاحظ وأبى حيان التوحيدي والغزالي وابن خلدون ومحيي الدين بن عربي) هو من الممل الممل المضجر كوصف الكتاب وصفًا هو مجموعة جمل مستقلة تشبه حكم اكثم بن صيفي ليس بينها ارتباط، ولا يفسدها لا تقديم فيها ولا التأخير، ويصعب استظهارها وحفظها، مع أن الجاحظ المعجب المطرب، والمبهج المرقص من القصص والاوصاف، فكان من ذلك أن رغب الطلاب عن أدبنا وكرهوه، واثروا عليه الأدب الفرنسي، لأنهم وجدوه اقرب إلى قلوبهم، وأدنى إلى أفكارهم.
ودواء هذا الداء أن يخرج واضعو المناهج من هذه الزاوية التي حبسوا أنفسهم والطلاب فيها، إلى فضاء الأدب ورحبة، ويدعوا الصاحب والقاضي والفاضل، وهذه الرسائل الباردة، وهذا الأدب الميت الذي لا روح فيه ولا جمال، ولا يصح أن يكون مثالًا يحتذي، ودليلًا يتبع، ولا يجوز أن يعرض على الطالب ألا علىانه لون من ألوان الكتابة، فيدرسه دراسة المؤرخ له، لا دراسة المتأدب به، ويفتشوا بين العلماء والصوفية والمؤرخين عن
[ ٦٧٧ / ٦ ]
ذوي الملكات البيانية، فيجدوا فيهم من لا يعد معه أدب الصاحب وعبد الرحيم البيساني إلا لعب أطفال.
اذكر على سبيل المثال (ابن الجوزي) في كتابه صيد الخاطر وموضوعه ظاهر من اسمه، وهو خواطر كانت له فيدونها في هذا الكتاب، وليس في هذا الكتاب بلاغة الجاحظ وابن قتيبة، ولا صناعة ابن العميد، ولا فحولة الجرجاني، ولكن فيه شيئًا ليس مثله عند أولئك جميعًا، هو هذه السهولة وهذه السلاسة، وهذا الصدق في تصوير الخواطر، وهذه الإلمام بالمسائل النفسية والاجتماعية والدينية، وما فيه من وثبات ذهنية عجيبة، وما يقوم به من تحبيب الأدب إلى الطلاب، وهذا الكتاب لو نشر اليوم على انه لبعض الكتاب العصريين، لقامت له الصحف الأدبية وقعدت، وهللت له وكبرت، وأحلته الذروة والسنام.
واذكر (ابن السماك) هذا الرجل الذي تدل الفقرات القليلة التي رويت له على انه أحد أفرادالدنيا في بلاغة القول، وصفاء الأسلوب، وعلو التفكير، ولم يفكر مع ذلك أحد في استقراء اخباره، وتتبع آثاره، و(ابن حزم) في (طوق الحمامة) و(ابن القيم) في (روضة المحبين) وابن داود الظاهرى، والبطري، والغزالي، وابن عربي، وابن حيان، والشافعي، وأمم لو احب واضعو المناهج العناية بآدابهم، لوجدوا شيئًا ينسيهم وينسى الطلاب الصاحب بن عباد وإضرابه.
الكتب المدرسية والكتب الأدبية:
زرت من سنين أحد (الناشرين) في دمشق، وكان عنده صديقي الأستاذ التنوخي، ومعه كتاب (المثنى) لأبى الطيب اللغوي الإمام العلم قريع ابن خالويه، وزميله في بلاط سيف الدولة. وقد وقع على النسخة الوحيدة منه التي ليست في خزانة من الخزائن العامة في الشرق ولا في الغرب، وانه أعلن في مجلة المجمع العلمي العربي السؤال عنها فلم يكن عند علم بها. والنسخة الصحيحة مقابلة بالأصل (أي بنسخة المؤلف) عليها تعليقات بخطوط كبار العلماء كابن الشحنة وغيره، فاشتغل بنسخها وتصحيحها ومعارضتها بكتب اللغة أمدًا طويلًا. . . فرأيته يعرض عليه طبعها بشرط واحد: هو انه لا يشترط شرطًا. . . ولا يريد مالا ولا يبتغي على تعبه أجرًا. وعند الناشر (معلم) يعرض عليه كتابًا في القراءة والمطالعة كل عمله فيه انه نسخ من كتب الأدب قصصًا وأحاديث كتبها في أوراق
[ ٦٧٧ / ٧ ]
ثم جمعها فخاطها فجعلها بأذن الله كتاب مطالعة للصفوف الثانوية، وهذا المؤلف يأبى إلا أن يكون أربعون في المائة من النسخ المطبوعة ثمن (تعبه. . .)!
وقد مرت ألان سنوات على هذه المقابلة طبع فيها هذا الناشر مائة كتاب مدرسي، وكتاب المثنى لا يزال مخطوطًا في دار أبي قيس.
أدباء المجالس:
من الأدباء من كنت أقرأ له فلا أبتغي بلاغة ولا لسنًا ولا بيانًا إلا وجدت عنده فوق ما ابتغي، فأتخيل شخصه، واتوهمه على أوفي ما يكون عليه المتفوه اللسن، ثم ألقاه فألقى الرجل الساكت الصموت، الذي لا يكاد يتكلم حتى تكون أنت الذي يسأله ويدفعه إلى الكلام، وإذا تكلم اخفي صوته، ولطف حروفه، حتى لا يسمع منه ولا يفهم عنه. . ومن الأدباء من ألقاه في مجلس فأجد المحاضر الفياض الذي ينتقل من نكته إلى نكتة، ومن قصة إلى أبيات من الشعر، فيبتدع لها المناسبات، ويلقيها بصوت قوي، ويتكئ على الحروف، ويعظم مخارجها، فأكبره وأعظمه وأساله أن يكتب مقالة، أو ينشئ فصلًا، فيفر منه فرارًا، وسوف يعتذر. . . فإذا أحرج وكتب جاء بشيء أشبه (بسفرة المسحر) فيها من كل طعام لقمة، ولكن الحلو مع الحامض، والحار مع البارد، وكل طعام مع طعام.
وقد تتبعت أحوال هؤلاء، فوجدت أكثرهم على غير علم ولا اختصاص، ولا يطالع بجد، ولا يبحث بإمعان، ولا تدع له (المجالس) وقتًا لدرس ولا بحث، وإنما يحفظ الرجل منهم طائفة من الأخبار الأدبية والنوادر فيحملها معه أيامًا يعرضها في كل مجلس، ويعيدها بعينها، ترث وتبلى وتصبح كالثوب الخلق، فيعمد إلى غيرها فيصنع به مثلما صنع بها، ولا يدرك الناس الفرق بينه وبين الأديب المبدع الباحث، فيطلقون على الاثنين اسم الأديب. . فمتى الناس بين الأديب الحق، وبين (أديب المجالس)؟
مجمع الشريعة الإسلامية:
اخبروني أن عالمًا في دمشق يفتي الناس بان الورق السوري (البنكنوت) لا تجب فيه الزكاةلأنه ليس بذهب ولا فضة، ويقول بان هذا هو الحكم في المذهب الشافعي مع أن النقد في سورية كله من هذا الورق، وان الفضة فقدت خلال الحرب، وان التعامل بالذهب
[ ٦٧٧ / ٨ ]
ممنوع، فتكون فتوى هذا العالم الفقيه. . . إنما هي فتوى بمنع الزكاة، وهذه الفتوى على فسادها وضلالها وانه لا يقول بها مذهب شافعي ولا مالكي ولا يقول بها مسلم عاقل، وان هذا الشيخ الفاضل الذي ينكر أن يكون الورق السوري مالًا يقبض في آخر الشهر راتبه ورقًا سوريًا، ويشتري به خبزه وجبنته، ويقاتل أن منع عنه. . . إنها على هذا كله قد وجدت من يأخذ بها لتخلص من الزكاة ومن يرد عليها وخبروني أن عالمًا آخر أفتى بسقوط فريضة الحج في هذه الأيام. . . ونسب الفتوى إلى مذهب الشافعية، ورحم الله الشافعي كم ينسب إليه.
وخبروني بان المناقشات قائمة بشأن الربا، وهل تعد المعاملات المصرفية منه أو لا تعد؟! وبشأن رؤية الهلال وكيف يثبت دخول الشهر، وبشأن التوسل، وكرامات الأولياء، وبشأن الطلاق. . . إلى غير ذلك من المشاكل الفقهية التي تحتاج إلى مرجع يرجه أليه فيها.
وكنت قد سمعت من الأستاذ الشافعي القاضي العالم الشيخ فرج السنهوري لما زرت مصر ان الملك فؤادًا ﵀، كان عازمًا على إنشاء مجمع للشريعة على نحو مجمع اللغة العربية، يكون من عمله رد الشبهات، وحل المشكلات، والإفتاء، ووضع مشروعات القوانين، فلماذا لا يلتمس علماء مصر من جلالة الفاروق حفظه الله أن يأمر بإنشائه فيضم هذه المنقبة إلى مناقبه الكثيرة، فيرضى بذلك ربه، ويحقق رغبة ابيه، ويجدد للمسلمين دينهم، ويسن سنة في الاصطلاح يكون له اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وينقذنا من هذه المناقشات، وهذه المجادلات، وهذه الجرأة على الإفتاء؟
(دمشق)
علي الطنطاوي
[ ٦٧٧ / ٩ ]