في مقبرة ريفية. .!
لتومانس جراي بتصرف
للأستاذ محمد رجب البيومي
الظلام الرهيب يطغى على الكو ن كجيش يسد عرض الفضاءِ
حام فوق القبور يُرخى سدولًا حجبتْها فما تلوح لرائي
حيث أصحابها يتيهون في النو م سكارى كشاربي الصهباءِ
سئموا ظلمة القبور فحلَّت ظلمة الليل فوقها كالوباء
لا يرون الضياء يبدو مع الشم س وضيئا كطلعة الحسناءِ
لا ولا البدر حين يشرق في الأ فق على الكون نائبا عن ذُكاءِ
يوقط الديك كل غافٍ على الأر ض وهمْ مثل الصخرة الصمّاءِ
لا حنين الناعورة الحلو يشجيه م وإن هزَّ مسمع الجوزاء
لا نسيمُ المراوح العذبُ غادٍ حين يحمى الهجير في الرمضاء
لا ولا الموقد الدفئُ يسرّي عنهمو ما جناه برد الشتاء
كل هذا قد شاهدوه عيانا حين كانوا في عالم الأحياء
هذه الأرض منذ عهد قريب لم تكن غير بقعة جرداءِ
فمشى القُّوم بالمحاريث والفأ س يشقونها بكل اعتناء
يبذرون النبات فيها جنينًا ثم يعطونه شهى الغذاء
فإذا الأرض بعد وقت يسير تتراءى كجنة فيحاءِ
وْيحها لم تَصُنْ جميلا فألقتْ أهلها في قرارة الظلماء
ثم عادت فبدَّدّتهمْ جميعًا لم يكن عندها أقل الوفاء
رب شيخ قضى الحياة مع الر يف إلى أن مضى على الحدباء
كان جمّ الذًّكاء لكن أتى الحق لُ على ما في رأسه من ذكاء
آه لو كان قد تعلمَّ حتى يرفع العلم قدره في السماء
[ ٦٧٨ / ٤٣ ]
علَّه مثل شكسبير نبوغا أو كملتون سيد الشعراء
فهو كالدرة الثمينة ضاعتْ في القرار السحيق تحت الماء
أو كزهر نما بعيدًا عن النا س فولَّى عبيره في الهواء
قُتلَ الحظ كيف حارب ذا العق ل وأرخى العنان للأغبياء
ها هو المضجع الوثير مهَّيا للذي يستريح بعد العناء
هو كالواحة الخصبة يسعى نحوها من يضيق بالصحراء
حلَّ فيه جماعة ما استفادوا من لذيذ الحياة غير الغثاء
لا الوسام الأنيق يسطع في الص در جميلا كبسمة العذراء
لا النياشين ضاحكاتٌ عليهم كأزاهير روضةٍ غنَّاء
رُبَّ ذي رُتبةٍ أحالته وحشًا مجرمًا لا يمل سفك الدماء
كان من قبلها ملاكا وديعًا فغدا مثل حيَّة رقطاء
خبّروني ماذا يلوح لعيني فوق تلك المقابر الخرساء
كل قبر عليه لوحٌ عريض مُثقلٌ بالنعوت والأسماء
ينظر الزائر المحبّ إليه ثم يبكى على الحبيب النَّائي
كم ثكول أتتْ تزور ضريحًا قد ثوى فيه صفوة الأبناء
وصديق يصيح أين صديقي كيف أرنو لوجهه الوضَّاء
يقرأ اللوحَ ما على اللوح إلا جمراتٌ تشب في الأحشاء
ليت شعري ماذا سيكتب عنى حين أغفو في باطن الغبراء
سيقولون عاشق ضَّيع العمر وراء الطبيعة الحسناء
يجتلى حسنها الأنيق طروبًا حيث تبدو في بهجةٍ ورواء
في ابتسام الصباح إذ يتجلى في احمرار الأصيل عند المساء
في شطوط البحار والماء ساج في المروج الفسيحة الخضراء
تخذ الكون مسرحًا يتسلَّى فيه عمَّا به من الأدواء
لا ينال القوت الضروريّ إلا بشقاءِ ما بَعده من شقاء
قطع العمر في الحياة فقيرًا مثل باقي أفرادها الفقراء
[ ٦٧٨ / ٤٤ ]
يبذل الدمع للمساكين حتى لم تعدْ في عينيه قطرة ماء
لم تُنله الحياة غير صديق كان في لُيلها كبدر السمَّاء
كان ريحانة الفؤاد ولكن وْيلتا! قد مضى لدار البقاء
محمد رجب البيومي
[ ٦٧٨ / ٤٥ ]