قصة الساحر والتاجر
(مهداة إلى أعلام السياسة وأساطين الاقتصاد)
للأستاذ كامل كيلاني
ننقل القصة التالية عن المقدمة النفيسة التي افتتح بها (أبو الغصن جحا) خواطره التي أهداها إلى ولديه (جحوان) و(جحيّة). وقد ضمها مخطوط جحوّي نفيس، لعله مكتوب بخط أحد معاصريه أو بخط ابن أخيه: أبي السّبهلل: (طارق بن بهلل بن ثابت).
وسيرى قارئ القصة كيف استطاع الساحر أن يحول الدنانير الذهبية ذات الرنين الفاتن والبريق الخلاب، - منذ مائتين وألف من السنين - ورقًا عاديًا لا قيمة له ولا خطر، قبل أن يهتدي إلى ذلك أعلام السياسة وأساطين الاقتصاد في هذا العصر، الذين استطاعوا - بفنون سحرهم - أن يحولوا الملايين من أموال حلفائهم ورقًا لا نفع فيه ولا غناء، ولا قدرة له على البيع ولا الشراء. كما استطاعوا من قبل - بفنون حقدهم - أن يحولوا ثروة العالم وصواعق ومهلكات تدمر الدنيا بمن فيها، وتنسف المدن بساكنيها، وتحيل الجبال الشم أودية ووهادًا، والأحياء - من الحيوان والإنسان - فحمًا ورمادًا.
قال (أبو الغصن عبد الله دجين بن الثابت) الملقب بجحا:
(كنت في زمن الطفولة الباكر حين وقعت حوادث هذه القصة لأبي عويف بن جعفر، وكان تاجرًا أمينًا معروفًا بين الناس بالورع والتقوى، موصوفًا بالبر والإحسان، وهو من جيراننا الأقربين، وكان جزارًا ناجحًا في تجارته، فلم يلبث أن ذاع صيته، واستفاضت الأحاديث الحسنة عما يسديه إلى الفقراء والمعوزين من فنون البر سرًا وعلانية.
وذا صباح وفد عليه شيخ وقور مهيب الطلعة رائع السّمت يدعى (أبا تميم بن زهير) قد جلل المشيب رأسه ولحيته، وتألق وجهه بشرًا ونورًا، حتى ليحسب من يراه - أول وهلة - أنه من أولياء الله الصالحين.
ولم يكد يحييه حتى خفّ إليه التاجر مرحّبًا بمقدمه، متبركًا بلثم يده، يسأله أن يأمر فيطاع.
فهمس الشيخ (أبو تميم) في أذن التاجر يخبره بما اجتمع عليه أمره من بذل في سبيل الله.
[ ٦٧٥ / ١٣ ]
فقد اعتزم أن يشتري منه كل صباح لحم خروف بدينار ليفرقه على طائفة من المحتاجين. ثم أعطاه - من فوره - دينارًا لامعًا مشرق الجدة. وانتهزها التاجر فرصة للتبرك بنقود هذا الشيخ الصالح، فاعتزم أن يدّخر ديناره حتى ينتهي العام، فيشتري بها ما يحتاج إليه من ماشية وأغنام، فأسقط الدينار من ثقب في أعلى درج خفي. وجرى كلاهما على عادته: يشتري الشيخ كل يوم خروفًا بدينار، ويضعه الجزار في صندوقه، حتى إذا أشرف العام على نهايته، فتح التاجر درج النقود المدّخرة، فهاله ما رأى، وفزعه أن يجد أوراقًا صفرًا مستديرة - بعدد أيام السنة - مكان الدنانير الصفر الجديدة التي أخذها من الشيخ.
وسرعان ما تبين التاجر جلية الأمر، وعرف حقيقة الشيخ وأدرك أنه مدلس كبير وساحر خطير، فتربص به وهو يكاد يتميز من الغيظ، حتى إذا أقبل (أبو تميم) اندفع إليه الجزار صاخبًا لاعنًا مشّهرًا بسوء فعلته.
وثمة عرف الساحر أن أمره افتضح، وسره وضح. فهمس في أذن التاجر مستعطفًا يرجوه أن يخفض من صوته حتى لا يسيء إلى سمعته، واعدًا إياه بمكافأة سنية عاجلة إذا صفح عن زلته، وتجاوز عن إساءته. فلم يزد الجزار إلا تماديًا في صياحه وتشهيره، ووعيده ونكيره. وأقبل الناس يحاولون أن يهدئوا من ثورته الجامحة وهو آخذ بتلابيب خصمه، ممعن في هياجه، متماد في لجاجه، حتى إذا يئس الشيخ من صفح التاجر قال له منذرًا متوعدًا بصوت ثائر، مجلجل في أجواز الفضاء كأنه الرعد القاصف:
(لقد صبرت عليك طويلًا، فلم تزد إلا تماديًا وإصرارًا، فاعلم أن لكل شيء اَخرًا، وأن للحلم حدًا لا سبيل إلى تجاوزه. وإني منذرك - على ملأ من الحاضرين - أنني معلن ما خفي من أمرك، ومذيع ما بطن من سرك، إذا لم تكف عن هذيانك وخرافاتك، وتقلع عن إساءتك وترّهاتك) فاشتد غيظ التاجر على الساحر وقال له في تهكم الساخر:
(وأيّ تهمة يستطيع مثلك أن يعزوها إليّ؟).
فأجابه الساحر في جرأة سافرة، ووقاحة فاجرة، وقد جمع كيده وسحره، وحشد مكره وغدره:
(أستطيع أن أعلن لهم حقيقتك وأفضي إليهم بما تقترفه من فنون الإجرام وكبائر الآثام، فأدلهم على ما تخفيه في الصندوق من رءوس الآدميين الذين تذبحهم كل يوم لتبيع الناس لحومهم بعد أن تخفي رءوسهم).
[ ٦٧٥ / ١٤ ]
ولم يكد الساحر يتم فريته حتى أسرع الناس إلى دكان الجزار فرأوا مصداق ما افتراه الساحر بعد أن خيل لهم سحره أن لحوم الخراف المعلقة لحوم بشرية، والرؤوس التي في الصندوق رؤوس آدمية. ولم يتمالكوا من فرط غيظهم أن ينهالوا على التاجر سبًا وشتمًا وضربًا ولكمًا، حتى إذا أغمي عليه رآها الساحر فرصة سانحة للهرب، فتسلل إلى بيته ناجيًا بعد أن أفلحت مكيدته ونجحت دسيسته.
وذاعت قصة التاجر، فأقبل القاضي عليه، بعد أن زال سحر الساحر، فلم ير إلا خرافًا معلقة لحومها على باب الدكان. فلما فتح الصندوق لم ير إلا رؤوسها. ولما أفاق التاجر عرف القاضي منه تفصيل ما حدث. فأدرك - حينئذ - براءته من تلك التهمة النكراء، والخزية الشنعاء، بعد أن هدم شرفه ولوثت سمعته. ولم يلبث أن ذاع صيت هذا التاجر بين الناس، بعد أن رأوا من المظاهر الكاذبة ما أقنعهم بأن الشيخ جان أثيم، وشيطان رجيم، وإن دلّ مخبره على أنه محسن رحيم وملك كريم.
مات هذا التاجر المحسن اليوم - بعد أن مرّ على قصته ربع قرن - وكان مشيّعوه إلى قبره يذكرونها متعجبين لما أصابه من كيد الساحر الأفاك. أما أنا فقد وعيت قصته منذ طفولتي، فلم أقع في مثل هذه الورطة مع أحد من الأشرار - وما أكثر ما لقيت منهم - فقد وجدت في التغابي مهربًا من الاشتباك معهم في صراع قلّ أن ينتهي بخير.
وقد آثرت أن يتهمني الأغرار بالغفلة على أن أزج بنفسي في محرجات لا أدري كيف أخرج منها.
وطالما ذكرت ما دار بين عمرو بن العاص ومعاوية من حوار معجب حين قال أولهما للثاني مفاخرًا بلباقته وسرعة خاطره: (أما أنا فما دخلت مأزقًا قط).
إلا عرفت كيف أخرج منه وكيف أجابه معاوية بقولته الحكيمة: (أما أنا فما دخلت مأزقًا قط).
وقد وعيت قصة الساحر وحكمة (معاوية)، منذ عرفت الحياة، فانتفعت بهما أيما انتفاع.
أذكر على سبيل المثال أنني كنت أمشي - ذات يوم - في الفلاة، فأحسست وقع خطوات تقترب مني، فأرهفت أذني - دون أن ألتفت إلى الوراء - فسمعت همسًا أدركت منه: أن لصين يأتمران بسرقتي. وليس معي شيء يسرق غير الحمار. فلم ألتفت إليهما خشية أن
[ ٦٧٥ / ١٥ ]
يصيبني منهما مكروه، وتشاغلت بمحادثة نفسي تارة وبالغناء تارة أخرى، حتى أهيئ لهما الفرصة لسرقة الحمار. وشعرت أن أحد اللصين يفك مقود حماري، ثم يضعه في عنقه ويسلم الحمار إلى صاحبه.
فتغاضيت ومشيت - على عادتي - متبالهًا حتى دانيت المدينة واقتربت من العمران. فالتفت إلى الخلف، وإذا باللص الخبيث مكان حماري الطيب القلب، والمقود في عنقه، وهو يمشي خلفي.
فتظاهرت بالحيرة والدهش، وسألته متبالهًا لأهيئ له الجواب:
(من أنت؟ وأين حماري؟ وكيف حللت مكانه؟).
فأجابني متخابثًا: (إن قصتي أيها السيد الكريم، لا تكاد تصدق لغرابتها، فأنا آدمي مثلك، ولكني غلوت في الإساءة إلى أمي - فيما مضى من الزمان - فلما نفذ صبرها، واشتد غيظها علىّ، ابتهلت إلى الله داعية أن يمسخني حمارًا فاستجاب الله دعاءها.
فخرجت من البيت هائمًا في الطريق، فلقيني بعض الأشرار، فأسرع بي إلى السوق وباعني لك. وما زلت أخدمك - في أمانة وإخلاص - إلى اليوم، ولعلي بذلك قد كفرت عما أسلفته لأمي من إساءة.
وقد رأيتني الآن أسترد آدميتي، فمشيت خلفك مطرقًا مفكرًا فيما لقيت من عجائب الحياة. وأغلب الظن أن أمي قد عاودها رضاها عني، فراحت تستغفر الله لي حتى استجاب دعاءها مرة أخرى، فخلعت عني ثوب الحمارية، واسترددت من فوري ثوب الآدمية.
ترى كيف أجيب هذا الألعبان؟
تمثلت في الحال قصة الساحر والتاجر، فلم أجد لي مندوحة عن التظاهر بتصديق هذا الكيذبان الماكر. فقلت له متبالها:
(حسبك ما لقيت من عقاب إلهي، فهل تعاهدني على أن تتحرى مرضاة أمك، وأن تبذل في هذا السبيل قصارى جهدك) فعاهدني اللص على ذلك، وهو يحسبني - لغباوته - أكبر مغفل لقيه في حياته.
ثم لقيت حماري بعد أيام يبيعه اللصان، ولم أكد أدانيه حتى اختفى أولهما الذي لقيته منذ أيام، وأسلم الحمار إلى شريكه ليتم بيعه.
[ ٦٧٥ / ١٦ ]
فدنوت من الحمار ثم تظاهرت بأنني أسرّ في أذنه حديثًا موجزًا.
فاشتدت دهشة الناس مما رأوا. ودفعهم الفضول إلى سؤالي عما همست به في أذن الحمار. فقصصت عليهم قصتي بمسمع من اللص، ثم ختمتها قائلًا:
وهاأنذا أجد صاحبي قد خالف عهده، وأغضب أمه مرة أخرى، فلم يلبث أن عاودته حماريته وزايلته آدميته. فلم أتمالك أن أسررت في أذنه معاتبًا:
(لقد حذرتك - يا صاحبي - هذه العاقبة، فلم تسمع. فلا تلومن إلا نفسك). ولم يكد الحاضرون يستمعون إلى هذه القصة حتى استغربوا (أي: أغرقوا في الضحك).
وشعر اللص الأفاك بالحرج، فتسلل هاربًا وترك لي حماري، فعدت به إلى داري، وقضيت يومي راضيًا محبورًا، قرير العين مسرورًا.
وسرق بعض الأشرار مقود حماري، فبحثت عنه طويلًا فلم أجده. وبعد أيام رأيته معلقًا في رأس حمار أكبر من حماري. فلم أكد اقترب منه حتى رأيت صاحب الحمار - وكان شريرًا فاتكًا معروفًا - ينظر إليّ شزرًا.
فتذكرت قصة الساحر والتاجر، وقلت متظاهرًا بأنني أحدث نفسي: (يا للعجب العاجب! هذا رأس حماري، ولكن ما بال جسمه قد تغير).
فكاد اللص يستلقي على قفاه من شدة الضحك، وتجاوز لي عن المقود طائعًا مختارًا.
واستيقظت قبيل الفجر ذات ليلة على صوت لص، فصبرت عليه حتى سرق كل ما في البيت من متاع، وتسللت في أثره مقتفيًا خطواته - وهو لا يراني - حتى بلغ داره. فلم يكد يراني حتى تملكه الدهش والحيرة. فنظر إليّ يسألني: كيف جئت إلى هنا؟
فقلت له مداعبًا: (جئت لأعرف الدار الجديدة التي انتقلت إليها).
فاستظرف إجابتي، واستحسن دعابتي، ورد إلي أثاث بيتي ولم ينلني منه أذى بعد ذلك اليوم.
وشعرت ذات ليلة بلص يقتحم داري فاستولى عليّ الخوف، وأسرعت إلى خزانة صغيرة فاختبأت فيها بين ثنايا الفرش، وكنت أعلم أن الدار خالية والحمد لله مما يسرق. وقد بحث اللص طويلًا فلم يظفر من بحثه بطاثل. وهم بالخروج، ولكن خاطرًا دفعه إلى فتح الخزانة، فلما رآني صاح فيّ غاضبًا:
[ ٦٧٥ / ١٧ ]
(مالي أراك مختبئًا؟) فلجأت إلى الدعابة قائلًا: (لقد أخجلني أنك لم تظفر بما يستحق السرقة في داري فاختبأت في هذه الخزانة ولم أجرؤ على مواجهتك).
فضحك اللص مما سمع وكفاني شره وأذاه.
وشعرت بلص من الأشرار يسرق متاع داري ذات ليلة، فتشجعت وقلت له مداعبًا:
(ما أضيع بحثك أيها السيد الكريم! إنك تحاول عبثًا أن تعثر في ظلام الليل الحالك على شيء تسرقه من داري. ولقد حاولت ذلك من قبلك في رائعة النهار، فلم أر شيئًا في الدار).
ألا ليت الناس يذكرون دائمًا قولة صديقي الألمعي الحكيم عبد الله بن المقفع: (إن الماء يبلغ - مع ليونته - ما لا تبلغ النار مع شدتها).
عبد الله جحا
وفق الأصل
كامل كيلاني
[ ٦٧٥ / ١٨ ]