للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي
٧٦١ - فإن شهدت عليه بالمعصية فاشهد له بالطاعة
الفصول والغايات لأبي العلاء المعري:
اعلم - أيها المسكين - أن الأيام شهود لك وعليك، فإن تمالأت على تزكيتك فأنت السعيد، وإن توافقت على تكفيرك فأنت حامل العبء الثقيل، وإن جرح بعضها شهادة بعض فإن الله كريم. أيها اليوم الحاضر، إن أمس ذهب وأنت أقرب الأيام إليه، وقد حمل عني كتابًا يشتمل على الغفلة والتفريط، فدراكه دراك، إن فاتك فأنا أحد الهالكين. وإن عجزت أن تلحقه فإن الغد أعجز منك. وكيف تدركه وغداتك لا ترى ضحاك، وأصيلك لا يتفق مع الهجير، والله على الممتنعات مقيت. فناد في أثره عليه بإذن الله يسمع دعاء الداعين، فإن أجابك فقل: إن البائس فلانا يسألك أن تلقي الصحيفة من يدك. ولو نطق لحلف لا أستطيع، أنا أمين عالم الدفين، ولو فعلت لرهبت من المعصية كما تخاف، ولكن أنا وأنت عند الله كفرسي رهان، فإذا شهدت عليه بالمعصية فاشهد له بالطاعة.
٧٦٢ - بعد فهمهم وتأخر معرفتهم
كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري:
قد رأينا الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطًا. فمما خاطب به أهل مكة قوله سبحانه (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب) وقوله تعالى: (إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) وقوله تعالى: (أو ألقى السمع وهو شهيد) في أشباه لهذا كثيرة. وقلما تجد قصة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطولة مشروحة ومكررة في مواضع معادة لبعد فهمهم، وتأخر معرفتهم.
٧٦٣ - إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال
كان أبو بكر الباقلاني (العالم المتكلم المشهور) كثير التطويل في المناظرة مشهورًا بذلك
[ ٦٧٥ / ٤٣ ]
عند الجماعة، وجرى يومًا بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة، فأكثر القاضي أبو بكر الكلام ووسع العبارة وزاد في الإسهاب ثم التفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا علي، إنه إن أعاد ما قلت لا غير لم أطالبه بالجواب.
فقال الهاروني: اشهدوا علي، إنه إن أعاد كلام نفسه، سلمت له ما قال.
٧٦٤ - الحياء، الخجل، الوقاحة
(الذريعة) للراغب: الحياء انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان. والخجل حيرة النفس لفرط الحياء، ويحمد في النساء والصبيان، ويذم باتفاق من الرجال. والوقاحة مذمومة بكل إنسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية، وحقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيح، واشتقاقها من حافر وقاح أي صلب، وبهذه المناسبة قال الشاعر:
يا ليت لي من جلد وجهك رقعة فأقد منها حافرًا للأشهب
٧٦٥ - اسمه غازي
(وفيات الأعيان):
كان أبو الفتح غازي بن صلاح الدين صاحب حلب ملكًا مهيبًا عالي الهمة حسن التدبير والسياسة.
يحكى عن سرعة إدراكه أشياء حسنة، منها أنه جلس يومًا لعرض العسكر وديوان الجيش بين يديه، وكان كلما حضر أحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه لينزلوه حتى حضر واحد فسأله عن اسمه فقبل الأرض، فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد، فعادوا إلى سؤاله فقال الملك: اسمه غازي، وكان كذلك؛ وتأدب الجندي أن يذكر اسمه لما كان موافقًا لاسم السلطان، وعرف هو مقصودة.
٧٦٦ - وجه المليح أطل من شباك
قال القاضي محيي الدين بن قرناص:
وحديقة غناء ينتظم الندى بفروعها كالدر في الأسلاك
والبدر في خلل الغصون كأنه وجه المليح أطل من شباك
٧٦٧ - ليس هذا من سؤال القضاة
[ ٦٧٥ / ٤٤ ]
في (نفح الطيب):
خرج أبو حازم القاضي من داره إلى المسجد يريد الصلاة، وإذا بسكران يمشي في الشارع فقال الناس: سكران سكران!
فوقف القاضي وقال هاتوه فأدنوه منه.
فقال له القاضي: من ربك؟ (يريد امتحانه)
فقال له السكران: ليس هذا من سؤال القضاة (أصلحك الله) إنه من سؤال منكر ونكير.
فغلب القاضي الضحك وقال: خلوا سبيله.
٧٦٨ - عواد المرضى
عاد رجل مريضًا فقال له ما تشتكي؟ قال: وجع الخاصرة. قال والله كانت علة أبي فمات منها، فعليك بالوصية يا أخي. فدعا المريض ولده وقال يا بني أوصيك بهذا لا تدعه يدخل علي بعد هذه.
عاد رجل مريضًا فلما خرج قال لأهله لا تفعلوا في هذا كما فعلتم في الآخر، مات وما أعلمتموني.
عاد بعضهم مريضًا فلما خرج قال لأهله: أحسن الله عزاءكم! فقالوا إنه لم يمت، قال: قد عرفت، ولكني شيخ كبير لا أستطيع النهوض في كل وقت، وأخاف أن يموت فأعجز عن المجيء لأعزيكم به.
دخل قوم على مريض فأطالوا. ثم قالوا: أوصنا. فقال: أوصيكم ألا تطيلوا الجلوس عند المريض إذا عدتموه.
[ ٦٧٥ / ٤٥ ]