كل أرض ضمتك فهي وساد
للأستاذ محمد عبد الغني حسن
يستوي الموتُ في المكان النائي ومكان الأجداد والآباءِ
يا غريب الممات ما نحنُ إلا غرباء في منزل الغرباءِ
كلُّ أَرض ضمتكَ فهي وسادٌ يستوي عندها مصيرُ الفناءِ
من دعته منيةٌ لبلاد مات فيها إجابةً للنداءِ
قدَرٌ حائن على المرء لم ينْ أقريبٌ عنه ولم ينجُ نأئي
من تفته المنونُ في بأساء لم تفته المنونُ في النَّعماءِ
أَخطأتك الأقدارُ والبأس يغلي في فلسطين والحمى في دماءِ
وأصابتك في مكانٍ أَمين رُبَّ أَمْن يجذُّ حبل الرَّجاءِ
لم تمت ميتة الجبان ولكن متَّ في العلم ميتة الشهداءِ
كُنت في ساحة العروبة سيفًا من نفاذ ومُنصلًا من مضاءِ
لم تُجاهد بالسيف فيها ولكن كُنت فيها مُجاهد الآراءِ
رُبَّ فكر أمضى من السيف في الذَّو د ورأىٍ أحمى من الهيجاءِ
حاجة الشرق للسيوف المواضي مثلُ حاجاته إلى العلماء. . .
لغة الضاد رُوِّعت فيك لما فقدت فيك واحد الأُدباءِ
كنت صدر الرُّواة في مجلس القو م وشيخ التقات في الأنبياءِ
كنت جيلا من الرواية ولىَّ بعد جيل الرُّواة والقرَّاءِ
وزمانًا في الحفظ غير خلاء ومكانًا في الفضل غير خواءِ
حافظًا للتراث في غير زهو كاختيال الغبيّ أو خُيلاءِ
كنت تروى كقارئ من كتاب عصبىَّ البيان فخم الأداءِ
تنشر المكرمات من عهد عدنا ن وتحي مكارم الصحراءِ
وتعيد الحديث عن كل ماض حافل بالفخار والعلياءِ
كُنت تتلوهُ في اعتزاز المباهي وافتخار البنين بالآباءِ
[ ٧٦٢ / ٣٥ ]
كانت العربُ كلها لك قومًا تنتمي عندها أعزَّ انتماءِ
لم تُكاثر إلا بهم وتفاخر لم تكاثر في مجلس بثراءِ
شهد اللهُ ما سمعتك يومًا مسرفًا في ظواهر الأشياءِ
شهد اللهُ ما رأيتك تُعنى بخداع المنى وزُور الثناءِ
تعس الناسُ فيم يشمخ منهم شامخ بالمظاهر الجوفاءِ؟
كيف يُزهى بالمال والجاه من لا يملك المالُ عنه ردَّ القضاءِ
كيف يُزهى بالمال والجاه من لا يتوقى في صحة من داءِ؟؟
يا دفينًا في أرض مصر وكانت لك في القدس أرحب الأرجاءِ
كيف ضنَّ الحمى عليك بشبر من تراب وحفنة من هباءِ؟
مصر ضمت ثرَاك وهي وعاء لكنوز مذخورة للِبقاءِ. .
قدًرٌ ساقك الغداة إلينا لِتلبى بمصر حُكم السماءِ
كلُّ شبر من العرُوبةِ مأوى لِوداد وَملجأ لإخاءِ. . .
لا أقولُ انتهت حياتك فينا أنت باق بالذكر في الأحياءِ
أنت على من الرثاء. . ولكن هذِه أدمعي. وهن رثائي
محمد عبد الغني حسن
ذكرى الرسول الكريم
للأستاذ مختار الوكيل
سيد الخلق وزين الأنبياء جئت في ساحك أستجدي الضياءْ
فأنلني غوثك المأمول يا موئل العاني وكهف الضعفاء
واعف عن ضعفي فما شعري سوى قطرة من فيض رب الفصحاء
الذي أدبه الله، فلم يعرف الهزل، ولم يدر الهُراءا
والذي علّمه الباري، فما خفيت عنه تهاويل الفضاء
والذي نزهه المولى، فلم يقل الهُجر، ولم يرو الهجاء
جئتك اليوم مُنيبسًا، لا أرى غير باب الطهر بابًا للنجاء
[ ٧٦٢ / ٣٦ ]
لائذًا بالستر أسعى مُهطعًا لشفيع صفحه كلُّ الرجاء
كانت الدنيا ظلامًا دامسًا والديانات بها محض هباء
فضعيفٌ من قويّ يشتكي وظلوم ليس يُعفى البؤساء
وأخو شرك على الأرض ظغى ولو اسطاع تمادي في السماء
وأخو كاس على الخمر ارتمى يرشف الراح ويحسو ما يشاء
وبغاة وعتاة أمعنوا في المعاصي وتمادوا في الدهاء
عُكّفٌ حول الذي قد نمقوا من شخوص وتماثيل خواء
عندما أقبلت موفور السنى حصحص الحق ونور العدل جاء
وأقمت الحكم شورى لم يكن حكم مُستعل ولا حكم افتراء
وسننت العدل قسطاسًا فما عرف البغي ضعيف في القضاء
مُذ دنا ركبك من (أم القرى) زهق الباطل والحق أضاء
يا رسول الله يا خير الورى نفحة منك بها يدنو الشفاء
عالم اليوم طغى فيه الألى سفَّهوا الدين وعابوا الأتقياء
زعموا قنبلة ذرية سوف تفني الكون، فالكون خلاء
ومضوا في غيهم إن خرجوا من شقاء سربلوا ثوب شقاء
ما العداوات التي نشهدها غير إرهاصات حرب ودماء
ما الدعايات التي نسمعها غير سم منه قد فاض الإناء
كفروا بالله، ياويحهمو واستهانوا بكلام الأنبياء
ومشوا في موكب من لهب سقطوا فيه ضحايا الخيلاء
قومك اليوم، رسول الله في محنة نكراء يشكون العناء
شتت الباغون إجماعهم وأحالوهم طيوفًا وذماء
مسلمو اليوم على أرضهم أصبحوا أحلاف ذل غرباء
سادة للكون كانوا، فغدوا غرضًا للطامعين السفهاء
يطلبون القوت، لا تحفزهم لطلاب المجد أحلام وضاء
قنعوا بالرسف في القيد فلم يسألوا غير كفاف الأجراء
[ ٧٦٢ / ٣٧ ]
كانت الدنيا لهم مذ حملوا سيفهم يبغون للدين العلاء
كانت الدنيا لهم فانقلبوا همهم كسرة خبز وكساء
يدَّعون الدين والدين براء من نفوس خاويات كالهواء
ويريدون جلاء ناجزًا أين من مستضعف نيل الجلاء
جوهر الدين نأوا عن هديه وأراهم زخرفوا منه الطلاء
ما ينال الحق بالعجز وما تهزم القطعان ذئب الصحراء
إنما الحق، له السيف يد وأرى الغفلة قبر البلهاء
ونبي الله بالسيف غزا وعدو الله بالخسران باء
فأقيموا الدين بالسيف، ولا تطلبوا المجد بمبذول الدعاء
أنقذوا أرض فلسطين، ولا ترهبوا الموت ففي الموت البقاء
واطلبوا المجد بسيف لهذم يدع العادين صرعى في العراء
وأقيلوا الدين من عثرته بجهاد يذهل الأرض الفضاء
نادت الدنيا بكم أن أقدموا فأصيخوا إن عقلتم للنداء
وأقيموا الملك بالدين كما كان في عصر نبي الأنبياء
واذكروا سيرته واقتبسوا من سناء يذهب الداء العياء
إن أخذتم قبسًا من هديه حزتم النصر، وإلا فالعفاء
يا أبا الزهراء يا رمز الإباء نحن للإسلام والعرب فداء
نفحة منك بها نحمي الحمى ونقي الأرض مغبات العداء
مختار الوكيل
[ ٧٦٢ / ٣٨ ]