فلسفة الشعب
للأستاذ عبد المنعم المليجي
- ٢ -
يقول حكيم الشعب: (اعمل خيرًا وارمه في البحر). فماذا يملي عليه هذا القول؟ إنه يرى فناء كل حي، وزوال كل نعمة، وضياع كل مجد؛ ويرى إلى ذلك أن ذكرى العمل الصالح تبقى حية في الأذهان والقلوب والضمائر، وأن لفعل الخير حلاوة تجعل منه غاية جديرة بأن تُطلب لذاتها وكفيلة وحدها أن تحقق السعادة في نظره ليست في جاه نبلغه، أو صيت نذيعه، أو مال نصيبه، إنما هو في راحة الضمير وهدوء النفس، ولا سبيل إلى ذلك بغير سلامة النية وصفاء الطوية وهما لا يتفقان مع طلب الخير لغير الخير. اعمل خيرًا وألق به في البحر، وترقب السعادة بعد ذلك تأتك طوعًا من حيث لا تدري ولا تحتسب.
أيختلف هذا الاتجاه المثالي في شيء عن اتجاه الشاعر الفيلسوف (جوته) في قصة (فاوست)؟. لقد جاهد فاوست جهادًا طويلًا مريرًا دون أن يظفر بشيء، ولكن حياته لم تضع هدرًا إذ رفعه المؤلف إلى جنات ربه، وما ذلك إلا لأنه قد أحس بالحق والخير والجمال فجاهد في سبيلها وكان في جهاده هذا خلاصه. نعم إن معنى تلك الحياة والأثر الذي خلفته خطى فاوست على صفحات الزمن هو أنه علينا أن ندأب ما استطعنا في سبيل المثل العليا، وسيان بعد ذلك أأصبنا نجاحًا أم إخفاقًا، فالجهاد نبل في ذاته). ذلك هو الاتجاه الفلسفي الذي تنطوي عليه قصة فاوست وهو نفسه الاتجاه الذي تنطوي عليه عبارة حكيم الشعب (اعمل خيرًا وألق به في البحر). أي هدوء تحس به النفوس الخيرة إذ تتمثل هذا الدرس فتغالب بقوته السحرية تيار الجشع والاستهتار. حقًا إن الفلسفة الشعبية الساذجة لتساهم مع الفن والدين في التخفيف من أعباء الحياة.
وبعد، أليس ما ذهب إليه الشعب في حكمته أو (جوته) في قصته، من اعتبار الخير غاية تُقصد لذاتها، هو في جوهره عين ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني العظيم (عمانوئيل كنط) في مذهبه الأخلاقي الذي يرى أن الخير الأسمى الذي يتعين علينا أن نخضع له هو
[ ٨٤٥ / ٢٧ ]
(الواجب) المجرد الذي يمليه علينا (أمر مطلق) يصدر من تلك القوة الذاتية الخفيفة التي ندعوها (الضمير)، تلك القوة التي تعتبر صورة الله في نفوسنا، فالله في الأبدية والضمير في أعماق النفس البشرية؟ إن السعادة في نظر كنط إنما هي في الخضوع للأمر المطلق الصادر من الضمير، والعمل للواجب لذاته وأمر يتفق تمامًا مع ما ذهب إليه كل من جوته والحكيم الشعبي. . .
ويعرض أرسطو لنفس المسألة فيحصر الخيرات في ثلاثة: إما اللذة، وإما المجد، وإما الحكمة. ويُعمل عقله أيها يختار على اعتبار أنه الخير الأسمة؟ فيرى اللذة شعورًا نفسيًا يصاحب فعلًا من الأفعال أو وظيفة من الوظائف، وعليه فلا يمكن أن تكون غاية في ذاتها؛ وإنما هي عرض يزول بانتهاء الفعل أو الوظيفة، ويرى المجد لمال نصيبه، أو شهوة تنالها، أو تكريم نحصل عليه، فليس المجد هو الغاية القصوى، إنما الغاية المال أو الشهرة أو التكريم. وهكذا تنتهي فلسفة أرسطو الأخلاقية إلى اعتبار الحكمة هي الخير الأسمى الذي ينبغي أن نطلبه ونعمل وفقًا له، وما الحكمة إلا تغلب قوى العقل على قوى الحس، وتفضيل السعادة الدائمة على اللذات المؤقتة، ونشدان الاتزان النفسي وراحة الضمير - وهل لأحدهما أو كليهما أن يتحقق ما لم (نفعل الخير ونلقه في البحر) كما يفعل الحكيم الشعبي، وما لم (ندأب ما استطعنا في سبيل المثل العليا) كما فعل (فاوست)، وما لم نصغ لصوت الضمير الكامن في أعماق نفوسنا شأن (عمانوئيل كنط)؟!
فن السعادة:
حلا للأستاذ الزيات أن يسأل قروية ساذجة: (كيف ترضى بالحياة وهي فقيرة، وتبسم للدنيا وهي منهوكة)؟ فأجابت: (الماء في الكوز والعيش مخبوز). ثم مضى أستاذنا يحاورها حتى ينتزع من فمها درسًا غاليًا في فن السعادة. قالت أم عامر:
(نشأتُ كما تنشأ القرويات الفقيرات، على التلول كالدجاج وأنا طفلة، وبين الحقول كالذئاب وأنا صبية؛ آكل العشب وأستمرئه، وأشرب الكدر وأستسيغه، وألبس الخشن وأستلينه، وأفترش المدر وأستوطئه، وأعالج الصعب وأستسهله. والذي أحلى المر في فمي، وجمَّل القبيح في عيني، وألان الغليظ لجانبي: صحي كصحة الظبي الشادن لم تجنح يومًا لراحة، ولم تحتج يومًا إلى دواء؛ ومرانة على عنف الطبيعة لا تفرق طاقتها بين صبح ومساء، ولا
[ ٨٤٥ / ٢٨ ]
بين صيف وشتاء؛ ونفس راضية تقنع بميسور العيش وتخضع لمكتوب القضاء. . .).
لقد استطاعت صاحبتنا بجهد ذاتي أن تنتصر على أقسى ظروف الحياة وتنعم بالرضا والهدوء، ذلك أنها (مرنت على عنف الطبيعة، وقنعت بميسور العيش، وخضعت لمكتوب القضاء.) هي إذن ببصيرة نافذة وبملكة الحكم السليم ترى السعادة أمرًا شخصيًا وليس رهنًا بالظروف الخارجية، هي شأن من شئون الذات بمقدور كل إنسان أن يحققها على رغم قسوة الظروف الخارجية.
تلك فلسفة نستشفها من ثنايا العبارات الصادقة على سذاجتها يفوه بها نفر من البسطاء وهي لا تفترق في جوهرها عن فلسفة الرواقيين التي سادت الفكر اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد وسيطرت على العقلية الرومانية بعد ذلك، وكان لها أثر فعال في الفلسفة المسيحية، وتقترب هذه الفلسفة من الفلسفة البوذية. عرض لجميع هؤلاء سؤال واحد: (كيف السبيل إلى السعادة رغم قساوة الظروف الخارجية، وهل يمكن بلوغها مع ذلك؟) واتفق الجميع على إمكان الوصول إلى السعادة رغم قساوة الظروف ورسموا طريقًا واحدة، وجاء تعريفهم للسعادة واحدًا في معناه رغم اختلاف الألفاظ. فقال أم عامر: هي (مرانة على عنف الطبيعة ونفس راضية تقنع بميسور العيش وتخضع لمكتوب القضاء.) وقال الرواقي: هي أن تمتلك نفسك امتلاكًا حرًا، وتتحرر النفس من قيود الظروف الخارجية، وتخضع إرادتك الجزئية لإرادة الكون الكلية، تلك الإرادة الكلية الخيرة المنبثة في أرجاء الكون جميعًا.) وقال البوذي: (هي أن تعرف كل شيء، وتفهم كل شيء. تنطلق من عبء الحدث وعبء الوجود، لا تشعر بأية حاجة، تسافر منفردًا لا يعنيك اللوم ولا المديح، تقود الغير ولا يقودك أحد.
دعوة مخلصة:
قد يعجب البعض كيف أقارن بين الحكمة الشعبية وبين المذاهب الفلسفية الكبرى، وقد يرى بعض المهتمين بالدراسات الفلسفية من القحة والتهجم على قدسية الفلسفة أن أحاول التقريب في مجال الأخلاق بين الحكمة الشعبية وبين المذاهب الفلسفية الكبرى. فلهؤلاء أؤكد أن بذور التفكير الفلسفي مغروسة في جميع العقول تقضي عليها لدى البعض ظروف معينة، وتنميها لدى آخرين ظروف مواتية. ليست الفلسفة ركامًا من المعارف المختزنة،
[ ٨٤٥ / ٢٩ ]
إنما هي اتجاه فكري، إحساس بمشكلة تعترض الذهن وتأملها تأملًا حرًا بغية الاهتداء إلى سرها عن طريق العقل والمنطق. وإذا فهمت الفلسفة على هذا النحو قرَّ في نفوسنا أن الواجب يقضي علينا أن نتعمق حياة العامة ونغوص على حكمهم السائرة، ونجيل البصر في كتب الشعراء والأدباء، لتبرز بدايات التفكير الفلسفي. ويقضي علينا أيضًا أن نكشف عن بساطة المذاهب الفلسفية وكيف أنها تنبغ على نحو طبيعي من نفس المنابع التي تنبع منها الحكم الشعبية مع فرق في درجة الإتقان والتوفيق. حينئذ يتحقق الوئام بين الحكمة الشعبية والفلسفة المذهبية برفعنا من مقام الأولى وردنا الحياة إلى الثانية، وتندمج عقول العامة وعقول العباقرة في وحدة فكرية نبيلة لا تنفصم عراها.
تلك رسالتي أدعو إليها بكل ما أوتيت من قوة، وأجهد في سبيلها حتى تتلاشى الحواجز الصناعية التي يقيمها نفر من المثقفين. وأؤكد لهؤلاء أن أعقد المذاهب الفلسفية لا يفهم بفهم الألفاظ التي تنقله إلينا، ولكن تفهم المذهب عندما تلمس المشكلة التي اعترضت ذهن صاحبه وتتمثل الكفاح الفكري الذي قام به حتى توصَّل إلى حل المشكلة وتفسيرها بمذهبه، أي عندما تعيش اللحظات الفكرية التي عاشها حينئذ تكتشف أن المشكلة ذاتها قد تعترض أي ذهن، حتى ليمكننا في أحوال كثيرة أن نوفق في رد بعض المذاهب الكبرى إلى أصول في الحكمة الشعبية. إن الفلسفة حركة فكرية طبيعية قبل أن تكون معرضًا لفظيًا لمصطلحات مبتسرة، وهي بهذا المعنى بسيطة كما رآها ديكارت وغير واحد من فلاسفة الفرنسيين.
وفيما أنا مشغول بالتفكير في هذه المحاولة، أقرأ رسالة صغيرة أهداها إلينا أستاذنا الدكتور عثمان أمين يحلل فيها خصائص العقلية الفرنسية، إذا بي أجد ما يؤيد محاولتي. وكم كان سروري عظيمًا عندما بلغت قوله: (ليست عبقرية الفلاسفة والمفكرين الفرنسيين إلا كمال ذلك المعنى الذي نجده متحليًا عند فلاحي فرنسا ملموسًا في أعمالهم اليومية.) وعندما ردد مع (برجسون) (ليس هنالك فكرة فلسفية مهما يكن حظها من العمق والدقة إلا ويستطاع - بل يحسن - التعبير عنها بلغة الناس المتداولة البسيطة.) ومع (بوالو):
(إن ما أجد تصوره استطعنا أن نعبر عنه تعبيرًا واضحًا، وجاءتنا الألفاظ عنه طائعة مختارة.) وعندما علق على قولي برجسون وبوالو بعبارة ساخرة تحفزني إلى المضي في
[ ٨٤٥ / ٣٠ ]
طريقي وتعتبر خير سند لفكرة التقريب بين عقول الفلاسفة وعقول المستنيرين من البشر: (ليست كل المياه الملوثة بالطين مياهًا عميقة، ولا كل المياه الصافية مياهًا سطحية).
لست إذن أدعو إلى المستحيل، ولا أنا أطلب بدعًا، فالفلاسفة الفرنسيون أنفسهم مهدوا السبيل أمامنا فلم يشحنوا مؤلفاتهم بتلك المصطلحات الفنية التي تعتبر ستارًا صفيقًا يحول بين الكثيرين وبين فهمها، بل عرضوا أفكارهم في بساطة ووضوح، ولم يعمدوا إلى غموض هو كما قال برجسون: (في منزلة القناع يلقيه المؤلف على فكر لم يوفق بعد إلى أن يستبين ذاته تمام الاستبانة.) وتوجهوا بفلسفتهم إلى الجمهور كله بل إلى الإنسانية جمعاء؛ ذلك أن الفلسفة في رأيهم حق للبشر جميعًا، وليست امتيازًا لطبقة على أخرى. وعليَّ بيان ذلك في العدد القادم إن شاء الله.
(الإسكندرية)
عبد المنعم المليجي
[ ٨٤٥ / ٣١ ]