للآنسة الفاضلة فدوى عبد الفتاح طوقان
(في السفح الغربي من جبل (جرزيم) حيث تملأ مغارس الزيتون القلوب والعيون، هناك، ألفت القعود في أصيل كل يوم عند زيتونة مباركة، تحنو على نفسي ظلالها، وتمسح على رأسي عذبات أغصانها؛ وطالما خيل إلي أنها تبادلني الألفة والمحبة، فتحسن بإحساني، وتشعر بشعوري.
وفي ظلال هذه الزيتونة الشاعرة كم حلمت أحلامًا ووهمت أوهامًا).
هنا، هنا، في ظل زيتزنتي تحطم الروحُ قيودَ الثرى
وتخلد النفس إلى عزلة يخنق فيها الصمتُ لغوَ الورى
هنا، هنا، في ظل زيتونتي في عدوة الوادي، بسفح الجبل
أصغي إلى الكون ولما تزل آياته تروي حديثَ الأزل
هنا يهيم القلب في عالم تخلقه أحلاميَ المبهمة
لأفقه في ناظري روعة وللرؤى في مسمعي هيمنة
عالم أشواق سماويى تطلق روحي في الرحاب الفساح
خفيفةً، لا الأرض تثنى لها خطوًا، ولا الجسم يهيض الجناح
واهًا! هنا يهفو على مجلسي من عالم الأشواق روح حبيب
لم تره عيناي، لكنه في خاطري، يا للبعيد القريب
أكاد بالوهم أراه معي يغمر قلبي بالحنان الدفيق
يمضي به نحو سماء الهوى على جناح من شعاع طليق
زيتونتي، لله كم هاجس أوحت به أشواقي الحائرة. . .
وكم خيالات وعى خاطري تدري بها أغصانك الشاعره!
نجيتي أنت وقد عزَّني نجيُّ روحي يا عروس الجبل
دعي فؤادي يشتكي بثَّه لعل في النجوى شفاءً، لعل
يا ليت شعري إن مضت بي غدًا عنك يدُ الموت إلى حفرتي
تراك تنسين مقامي هنا وأنت تحنين على مهجتي؟
[ ٨٤٧ / ٢٤ ]
ترك تنسين فؤادًا وَعتْ أسراره أغصانك الراحمات
باركها الله، لكم ناغمت وهدهدت أشواقه الصارخات!
زيتونتي، بالله إما هفت نحوك بعدي النسمة الهائمة
فأذَّكري كم نفحتنا مهًا عطورها الغامرة الفاغمة
وحين يستهويك طيرُ الربى بنغمة ترعش منك الغصون
فأذَّكري، كم طائر شاعر ألهمه شدوي شجيَّ اللحون!
تذكريني كلما شعشعت أوراقك الخضراَء شمس الأصيل
فكم أصيل فيه شيعتها بمهجة حرَّى، وطرف كليل
إن يزوِها المغربُ عن عرشها فالمشرق الزاهي بها يرجع
لكنني، آهًا، غدًا تنزوي شمس حياتي ثم لا تطلع!
ويحي، أتطويني الليالي غدًا وتحتويني داجيات القبور؟
فأين تمضي حفقاتُ الهوى وأين تمضي خلجات الشعور؟!
ونور قلبي، والرؤى، والمنى وهذه النار بأعماقيه. . .
هل تتلاشى بددًا كلها كأنها ما ألهبت ذاتيه!. . .
أما لهذا القلب من رجعة للوجد، للشعر، لوحي الخيال؟
أيخمد المشبوب من ناره واشقوة القلب بهذا المآل!.
يا رب إما حان حين الردى وانعتقت روحي من هيكلي
وأعنقت نحوك مشتاقة تهفو إلى ينبوعها الأول. . .
وبات هذا الجسم رهن الثرى لقيَ على أيدي البلى الجائره
فلتبعث القدرة من تربتي زيتونة ملهمة. . . شاعره. . .
جذورها تمتص من هيكلي ولم يزل بعد طريًا رطيب
تعبُّ من قلبي أنواره ومنه تستلهم سرَّ اللهيب!
حتى إذا يا خالقي أفعمت عناصري أعصابها والجذور
انتفضت تهتز أوراقها من وقدة الحسَّ ووهج الشعور
وأفرعت غيناَء فينانةً مما تروَّت من رحيق الحياه
[ ٨٤٧ / ٢٥ ]
نشوى بهذا البعث، ما تأتي تذكر حلمًا قد نلاشت رؤاه
حلم حياة سربت وانطوت طفاحة بالوهم. . . بالنشوةِ
لم تك إلا نغمًا شاجيًا على رباب الشوق والصبوةِ!
(نابلس)
فدوى عبد الفتاح طوقان
[ ٨٤٧ / ٢٦ ]