للشاعر الإيطالي (جاكو مولييو باردي)
ترجمة الأستاذ عبد الموجود عبد الحافظ
(صحب الشاعر في إحدى رحلاته أحد الرعاة فأوحت إليه هذه الصحبة روائع من الشعر. هذه القصيدة إحداها. ويعد شعره نموذجًا للإبداع والرقة والرشاقة الجذابة والعواطف المتأججة، ولم يكن شاعرًا فحسب، بل كان عالمًا فاضلًا متقنًا لعدة لغات (العبرية واللاتينية والأسبانية وغيرها) وقد ولد في ١٨٩٨ بمدينة (ريكانتي) ومات في نابولي ١٩٣٩م).
. . . أيها القمر ما عملك في السماء؟ خبرني ماذا تعمل أيها الوحيد الصامت؟ إنك تظهر ليلًا وتسير مشاهدًا البوادي ثم تختفي
ما حل بك التعب من مرورك دومًا في هذا الفضاء الخالد؟ ألم يعترك الضجر والملل؟ ألا زلت ترغب في مشاهدة هذه الوديان؟
ما أشبه حياة الرعاة بحياتك! إنهم يستيقظون في تباشير السحر يسوقون أغنامهم إلى الحقول، فيرون أمامهم قطعانًا ومروجًا واسعة وعيونًا نابعة. . . فإذا ما حل بهم التعب من الطواف طول النهار، ناموا في المساء ولا أمل لهم غير الراحة.
أيها البدر! خبرني ماذا ينفع العيش وماذا تجدي الحياة؟
ليت شعري ما الفائدة من عبورنا السريع لهذه الحياة، وما الغرض من مسيرك المتواصل دائمًا؟
ها أنت ذا ترى الواحد من الرعاة شيخًا مسكينًا معُهًا يكاد ثوبه البالي لا يستر بعض جسمه، حافي القدمين، مشعث الشعر، يحمل على عاتقه عبئًا ثقيلًا لا يفارقه. . . فهو تارة يتسلق الجبال العالية وطورًا تسوخ قدماه في الرمال، يخترق الخمائل الملفتة ويسير في العواصف الهوجاء، يقاسي قر البرد وهجير الحر، يواصل جريه فلا يعوقه مستنقع يخوضه ولا صخرة يتسلقها. تراه يكبو ثم ينهض فيسرع في جريه دون توقف ليستريح ولو تمزق جسمه وانبثقت منه الدماء إلى أن يبلغ نهاية الطريق التي حددها له النصب والعناء، وهناك تتلقفه هاوية سحيقة يهوى فيها، فينسى كل ما لقيه من هم وبلاء. هذا مثل الحياة الفانية أيها البدر المنير
[ ٨٤٦ / ٢٣ ]
أيها المتفرد في عليائه؛ يولد الإنسان بالتعب والعناء، فيكون عرضة للعرض، ثم طعمة للموت. يحس أول حياته الألم والشقاء، فيبدأ أبواه يعزبانه عن ميلاده من يوم أن يوجد في المهد، فإذا نما وترعرع شرعا في مساعدته حتى يكبر، فيبذلان جهدهما في إعداده لما ينتظره من هموم الحياة، بالأقوال والأفعال، فإذا أصبح رجلًا تركاه ليحمل نصيبه من أعباء الحياة.
أخبرني لماذا نولد ونوهب الحياة ما دمنا سنسلَبُها؟ وما دام الوجود هما وشفاء فلماذا نعمل على تقوية دعائمه؟ هذه حالنا نحن الفانين. . .
أما أنت أيها القمر فلست عرضة للموت، لذلك لا تحفل بما أفضيت لك به.
أيها الساري في الليل! ربما تعلم سر الحياة وسر ما ينتابنا من آلام وما تذرف من دموع. ربما تعرف سر الموت، وشدة شحوب ألوان وجوهما عندما تودع الحياة، والحزن الذي يلم بنا عند مفارقة خلان أوفياء ومحبين أمناء.
إنك لتعلم علة الأشياء وتعرف فائدة الصباح والمساء ومسير الزمن الذي لا نهاية له.
أنت الذي تدرك سر تبسم الزهر في الربيع وذبوله في الخريف، وما فائدة الصيف المحرق والشتاء القارس. إنك تعرف آلافًا من الأسرار وتكشف فيها عن أشياء لا تخطر لنا على بال.
إنني حينما أراك صامتًا محلقًا فوق السهول المقفرة والجبال العالية، وكلما أراك تتبعني أينما سرت خطوة خطوة، وكلما نظرت الكواكب تتلألأ في السماء، أقول وأنا سابح في بحار من التفكير لم هذا الضوء الساطع والنور الكثير؟ وما معنى هذه الوحدة العظيمة! ومن أكون أنا؟
هذا ما يجول فيهفكري. . . أما المقام العظيم الذي لا تقاس مدته، والكائنات التي اختلفت أنواعها وتعددت فضائلها. . . والنشاط المستمر والحركات المتعددة التي تصدر عن الأجرام السماوية والأجسام الأرضية، تدور بغير توقف وتسير بلا انقطاع ثم إلى مصدرها الأول، فلا أستطيع أن أفهم أي غرض لها، ولا أية فائدة تقوم بها.
أما أنت أيها المختال بشبابه، المدل بجماله، فإنك لا تجهل منها شيئًا. وأما أنا فجل ما يصل إليه علمي، أن هذه الحركة المستمرة والدوران الدائم ووجدي الواهي، ربما كان فيهما خير
[ ٨٤٦ / ٢٤ ]
أو إرضاء شيء آخر، ولكن حياتي كلها شقاء وشر
ما أسعدك أيتها الشياه فأنت سعيدة مستريحة، لأنك لا تعرفين البؤس والشقاء، ولا تحسين لذع الهموم والأحزان وكثيرًا ما نظرت إليك بعين الحسد، كلما نزلت بي الهموم والأحزان، لأنك لست عرضة لها.
إنك حينما تضطجعين تحت ظل الأشجار فوق العشب الأخضر النامي تكونين مطمئنة مسرورة، تقضين معظم أيام حياتك خلية البال مرتاحة الفكر.
إنني أنام كما تنامين تحت الأفياء وفوق الكلأ، ولكن لا يلبث الضيق أن يغمر نفسي، ويخيل إلي أن أشواكا تخزني وإبرًا تغرز في جسمي، وأكون وأنا على هذه الحال بعيدًا عن الراحة والدعة.
أما أنت فسعيدة في كل حال. وأنا قليل السرور وليس هذا كل ما أشكوه.
آه أيها الصامت إلى الأبد! لو أنك تستطيع النطق لسألتك: لم تسترح كل بهيمة كيفما تريد في حالة السكون، بينما أنا يكاد يقتلني الضيق والسأم كلما ركنت إلى الراحة والهدوء.
آه أيها القمر الزاهر! لو كان لي جناحان فاحلق بهما فوق السحاب وأعد النجوم واحدة واحدة والكواكب كوكبًا كوكبًا، وأطوف من ذروة لأخرى، لكنت أسعد حظًا وأهنأ بالا أيها الكوكب الفضي.
وربما كنت أنعم بالحياة وأسعد بالعيش مما أنا فيه.
إن عقلي يكاد يضل كلما حاولت النظر في حظوظ الكائنات.
إنه يخيل إلي أن يوم الميلاد يوم مشئوم لكل محلوق من المخلوقات مهما كانت فصيلته التي ينتسب إليها والحالة التي يكون عليها سواء أكانت في المهود أم في الزرائب.
فهل جانبني الصواب أيها الساحر على تعاقب الأجيال.
(أسيوط)
عبد الموجود عبد الحافظ
[ ٨٤٦ / ٢٥ ]