للأستاذ عباس خضر
تأبين الصحفيين للمازني:
هنا في هذه القاعة، قاعة فاروق الأول بنادي نقابة الصحفيين، كان المازني يؤبن الريحاني من نحو ثلاثة أشهر، وها قد أصبح هو اليوم يؤبن. . . هذا هو ما جال بخاطري وأنا آخذ مكان في القاعة قبيل ابتداء حفلة التأبين التي أقامتها نقابة الصحفيين اليوم الثلاثاء الماضي لتأبين المغفور له إبراهيم عبد القادر المازني. وقد كانت كلمته - ﵀ - خير ما قيل في تأبين الريحاني، فقد أبرز فيها فن الريحاني ممثلًا في صوته، وحلل ذلك تحليلًا دقيقًا كما ذكرت ذلك في حينه، واليوم في هذا الحفل الذي يقام لتأبين المازني لم نظفر بكلمة دراسية وافية دقيقة لأدب المازني.
تحدث الأستاذ فكري أباظة بك نقيب الصحفيين والأستاذ محمد عبد القادر حمزة، عن الفقيد من حيث مكانته في الصحافة وزمالته في النقابة، وأثنيا على شمائله، ومما قاله الثاني أنه وقف إلى جانبه في تحرير (البلاغ) في وقت لم يكن من الميسور فيه أن تستوفي الجريدة حاجتها من المحررين والمترجمين والمخبرين، لأزمة وقعت فيها (البلاغ) إذ ذاك. فجعل الأستاذ المازني من نفسه محررًا ومترجمًا ومخبرًا بالجريدة، ودلل الأستاذ بذلك على تواضع المازني ومرونته قائلًا: إن ذلك لم يزده في نظرنا إلا رفعة قدر، وإنه على هذا التواضع كان من أحرص الناس على كرامته. وقد نبه في آخر كلمته على ما يجب على النقابة والحكومة نحو أسرة الفقيد التي ينبغي أن تشعر بنوع من عرفان الجميل.
وارتجل الدكتور محمد مندور كلمة عن مكانة الفقيد الأدبية ألمع فيها إلى مقال كتبه بجريدة البلاغ في (سخرية المازني) وقال إن هذه السخرية لم تكن حلوى تزجى إلى الجماهير إنما كانت عصارة نفسه، كانت سخرية مرة يسوقها في أسلوب النكتة، وكانت مرارتها مما لقيه في حياته، فالكاتب في الشرق يجنى من غرس القمح عشبًا. وكان مع استهانته بكل شيء حتى نفسه، يحرص على القيم الأخلاقية والاجتماعية، وكان حين يكتب يعرف ما يقول وهو مالك زمام نفسه.
وألقى الأستاذ محمد الحناوي مرئية جيدة، ولم يكن في حاجة إلى شاعر ينيبه كما قال:
[ ٨٤٨ / ٣١ ]
أيها الراثون، هل من شاعر عني أنيبه
إنني مما دهاني شارد اللب سليبه
ثم أجهش الشاعر وهو يقول:
دونكم دمعي فقد يغ ني عن القول صبيبه
ليس غير الدمع ما يم لك من مات حبيبه
وألقى الأستاذ صالح جودت قصيدة مؤثرة، تمتاز بمعانيها الرقيقة الهادئة وأدائها الطبيعي الصادق.
وفي ختام الحقل وقف الأستاذ أحمد المازني شقيق الفقيد، فألقى كلمة شكر فيها الحاضرين والنقابة، وقال إنه يزجي هذا الشكر على ما جرت به العادة وإن كان فقيدنا هو فقيدكم، وأنتم كما نحن أسرته.
ولعل من المفارقات أنه في الوقت الذي يشيد فيه الخطباء والشعراء بفضيلة التواضع في المازني، نرى أكثرهم يعمدون إلى شيء من إبراز الذات. فقد قال الأستاذ صالح جودت في قصيدته إنه كان يقصد المازني ويسمعه شعره فيثني عليه ويشيد بشاعريته، وقد يرخص للشاعر في الفجر، ولكن ما أظن ذلك لائقًا في الرثاء. وقال الدكتور مندور: إن أحد الوزراء أرسل إليه كتابًا أثنى فيه على مقاله عن المازني، أو لم يكفه أن نشر هذا الكتاب في البلاغ؟ وقال الأستاذ النقيب إنه عرض النقابة على المازني فأبى لتواضعه وقال إن غيره أولى منه. . . وقال الأستاذ محمد عبد القادر حمزة إن المازني كان زميلا له. فلماذا يكبر نفسه هكذا؟ إنما كان المازني زميلا للمغفور له عبد القادر حمزة باشا.
ولم يعجبني ما أشار إليه الأستاذ صالح جودت في قصيدته، والأستاذ محمد عبد القادر حمزة في كلمته، من أن المازني تقام له حفلة تأبين وتلقى في رثائه خطبة وتنشد قصيدته، ثم ينسى كما نسى غيره - لم يعجبني هذا وإن كانا يقصدان إلى ما جرت عليه هذه البلاد من إهمال ذكرى أعلامها الراحلين، فالمازني لا ينسى، لأنه إن كان قد انتقل جسمه إلى عالم الفناء، فقد انتقل اسمه إلى الخلود في تاريخ الأدب، ولن يستطيع هذا التاريخ أن ينسى واحدًا من هؤلاء الأساتذة الذين نقلوا الأدب في مصر وفي سائر العالم العربي من حال إلى حال.
[ ٨٤٨ / ٣٢ ]
غزل البنات:
هو الفلم الجديد الذي عرض هذا الأسبوع بسينما أستوديو مصر، فرأى فيه الناس نجيب الريحاني حيًا بعد موته، بعثه على الشاشة فنه الخالد، فعاد يضحك الناس ويمتعهم بعد أن خالوا البكاء عليه آخر العهد به.
إن الريحاني هو عصب هذا الفلم (غزل البنات) ولولاه ما كان شيئًا، فقد اشترك في التمثيل به ليلى مراد ويوسف وهبي، وأنور وجدي وسليمان نجيب وغني عبد الوهاب ولكن هؤلاء قامُوا بأدوار قصيرة، ما عدا ليلى مراد فهي بطلة الفلم أمام الريحاني. وقد أقحم أكثر أولئك الأعلام في الفلم لاستغلال أسمائهم، كما سنرى من عرض موضوع الرواية. ويخيل إلي أن انسجام الريحاني في هذا الفلم من أسبابه أنه وضع له الحوار، فضمنه فكاهاته الساخرة المعروفة، وبعث به الحياة في جسد القصة. ويقلل بعض النقاد من قيمة الحوار في الأفلام السينمائية، ذاهبين إلى أنها مناظر وصور أكثر منها كلامًا وحوارًا، وأنا لا أوافقهم على ذلك، فإن الصور والحركة إذا كانت من أدوات التعبير فالحوار هو الأصل في ذلك، وهو ذو أهمية في السينما كما هو مهم في المسرح.
ليلى (ليلى مراد) بنت مراد باشا (سليمان نجيب) تلهو بالغناء والرقص ورُكوب الخيل، وترسب بالامتحان في اللغة العربية، فيحضرون لها معلمًا بائسًا طرده ناظر المدرسة الأهلية التي كان يدرس بها، وهو الأستاذ حمام (الريحاني) فيستقبله الباشا وابنته استقبالا مهينًا في أول الأمر لبعض الأسباب الناشئة عن الغلط وسوء التفاهم ثم يسترضيانه ويكرمانه، وما يكاد يبدأ في التدريس لليلى حتى تبدأ هي في مغازلته وإبداء حبها له وإحاطته بأسباب قوية من الإغراء، فيستجيب لها في تردد وتحفظ وإن كان قد أحبها فعلًا ويرى نفسه أخيرًا قد وقع في حرج من هذه العلاقة، فيعتزم مبارحة الدار، وكان الباشا قد أمر بإقامته في القصر، فتفاجئه ليلى وهو يهم بالرحيل، وتمنعه وترغمه على مصاحبتها في السيارة وقد أوهمته أنهما يفرَّان معًا، وتقف السيارة أمام مرقص تلقى فيه ليلى شابًا تحبه (محمود المليجي) وهو يريد الاحتيال عليها، فيثور الأستاذ حمام محتجًا على هذا اللقاء، فيطرد من الرقص. ويرى ضابط طيران (أنور وجدي وهو واضع قصة الفلم ومخرجه) داخلًا، فيكلمه ويعرض عليه أن يدعي أنه ابن عم ليلى لينقذها من الشاب المحتال،
[ ٨٤٨ / ٣٣ ]
فيدخلان معًا، وتحدث معركة يتدخل فيها الضابط فيضرب الشاب ويستنقذ ليلى ويركبها السيارة إلى جانبه ويغازلها، فيحتج الأستاذ حمام الجالس خلفهما ويعمل على وقف السيارة وينزل بليلى هربًا من الضابط الذي أحب ليلى وأحبته. . . ويريد الأستاذ حمام أن يضلل الضابط، فيدعى أن المنزل المجاور هو منزل الباشا والد ليلى، ويطرق الباب ويتبين أنه منزل الأستاذ يوسف وهبي بك (يوسف وهبي) فيستقبلهما الممثل الكبير ولا يلح في معرفة السبب الذي من أجله طرقا بيته ليلًا، بل يغازل الفتاة غير عابئ باحتجاج الأستاذ حمام ويقول لهما إن المطرب الكبير محمد عبد الوهاب موجود في منزله وإنه سيغني أغنية من قصة يضعها (يوسف وهبي) موضوعها تضحية المحب بحبه لإسعاد حبيبه. ثم يقصدون إلى حيث يغني عبد الوهاب، فيسمعون غناءه الذي يجري في موضوع التضحية بالحب في سبيل إسعاد الحبيب، فيتأثر الأستاذ حمام إذ يجد نفسه ذلك المحب، فهو رجل كبير لا يُلائم ليلى التي أحبت ضابط الطيران الشاب، ثم يقبل هذا الضابط، فنراه يأخذ بيد ليلى وهي تهش له مقبلة عليه، والأستاذ حمام خلفهما راضيًا بالموقف على سبيل التضحية، ومنظره الحزين هو النهاية.
بدأ الفلم بمناظر ممتعة وظريفة، تخللها نقد اجتماعي فكاهي، فهذا الأستاذ حمام يقف في (الفصل) بين تلميذاته يطالعن موضوعًا عن الأسد، فتسأله تلميذة: هل يتكلم الأسد؟ فيقول لها: وزارة المعارف تريده يتكلم! وهذا هو يدخل منزل الباشا ويحدث مربي كلب الباشا ومعلمه فيعلم أنه يتقاضى ثلاثين جنيهًا، فيقول: إنه لو كان يعلم الكلاب من زمان لأصبح من الأغنياء. ثم تجري الحوادث بعد ذلك في نطاق خاص بين الأستاذ حمام وبين تلميذته ليلى التي صارت حبيبته. وعلى أي أساس قام هذا الحب رغم الفوارق الكبيرة بينهما التي أظهرُها تفاوت السن؟ تقول له إنها استظرفته وهي في نفس الوقت تحادث الشاب الذي تحبه بالتليفون، فتنتقل من مغازلة هذا إلى ذاك، وهي فتاة لاهية عابثة، تذهب إلى المراقص وتجالس الشبان هناك وتشرب معهم وتراقصهم، فليس مثلها بالذي يحب الأستاذ حمام، ولو لم تكن كذلك لأمكن أن نفهم أنها فتاة عاقلة تلمس فيه صفات إنسانية وتقدر شخصيته.
وظاهر أن المؤلف يرمي إلى فكرة التضحية بالحب من أجل سعادة الحبيب، وهي التي قال
[ ٨٤٨ / ٣٤ ]
يوسف وهبي إنه يعالجها في القصص التي يؤلفها! والتي تضمنتها أغنية عبد الوهاب. ولكن هل تنطبق هذه الفكرة على موقف بطلي الفلم؟ إن فكرة التضحية يمكن استساغتها إذا كان الحب من طرف واحد، والطرف الآخر لا يجد هذا الحب، بل يحب شخصًا آخر. ولكنا هنا إزاء اثنين يتبادلان الحب، فانحراف أحدهما عن صاحبه بعد طول التهافت عليه، بعد خيانة لا يستحق من أجلها التضحية الممزوجة بالرضى والغبطة لسعادته. . .
والفلم، رغم فخامة مناظره وما حشد فية من ألوان المتعة، مملوء بالمآخذ، فقد ظهر الباشا أول ما ظهر على فرع شجرة. . . لأنه يهوى جمع الأزهار، وليس في الشجرة أزهار! ويظهر أنه قصد بهذا التمهيد لمقابلته الأستاذ حمام وهو يحمل سلتين، فلا يعرف أنه الباشا، فيحدث سوء التفاهم المضحك. . . وليلى فتاة كبيرة ولم يقولوا في أي مرحلة هي من مراحل التعليم، ولكن من الدروس التي تتلقاها نفهم أنها لا تزال في السنة الثالثة الابتدائية!
وحدث أن خرج الأستاذ حمام من غرفته إلى الحديقة ليستمع إلى غناء ليلى، فينبحه الكلب، فيتسلق الجدار إلى غرفتها هربًا من الكلب، ويضطر في الغرفة إلى تمثيل الكلب بالنباح مثله وهو مختف خلف قطعة من الأثاث ليدفع شك المربية في وجود أحد، فلم يكن تسلقه اضطراريًا لأنه كان يستطيع أن ينجو من الكلب الذي يعرفه لأنه مقيم بالقصر. وعندما تدخل ضابط الطيران في المرقص لإنقاذ ليلى بدعوى أنه ابن عمها وأنكرته هي، صفعها وجرها من يدها إلى الخارج، فركب بها السيارة، ولم تنزل حتى كانت قد أحبته، وكنا نسمع عن الحب من أول نظرة، فهل هذا الحب من أول صفعة. . .؟ ولا أدري كيف دخل الضابط منزل يوسف وهبي دون أن يعلم به أحد. والفتيات اللاتي يرافقن ليلى في ركوب الخيل، كن يركبن الأفراس بطريقة مضحكة، وكان يجب تدريسهن واختيارهن بحيث يتحقق المراد من المنظر وهو المظهر الجمالي.
أما يوسف وهبي فقد أقحم في الفلم إقحامًا أو وضعت له فيه قطعة يظهر فيها، ليقال إنه اشترك في التمثيل، وهو يظهر بأسمه الحقيقي، فيشبع ميله إلى العظمة الفنية التي تأبى إلا الظهور بمظهر المؤلف الذي يعالج الموضوعات في رواياته.
والأغنية التي غناها عبد الوهاب كانت فاترة وأحسن ما فيها عادي، وكذلك موسيقاها، على خلاف بقية ألحان الفلم وموسيقاه التي وضعها عبد الوهاب نفسه، فهذه جيدة. وقد أجادت
[ ٨٤٨ / ٣٥ ]
ليلى مراد في الغناء، كما أجادت في التمثيل، وإن كان أكثر الأغاني غير معبر عن مواقف الفلم، بل هو يصلح في أي موقف!
إن الجهد الأكبر المثمر في هذا الفلم، لنجيب الريحاني، فقد قام عبء التمثيل عليه من الأول إلى الآخر، ونهضت معه بهذا العبء ليلى مراد، ولعل الريحاني هنا في خير أدواره على الإطلاق.
عباس خضر
[ ٨٤٨ / ٣٦ ]