حكمة القدر!
للأستاذ كامل محمود حبيب
يا لحكمة القدر! أفتؤمن يا من تسخر من قوانين الحياة وأنت في عنفوان الصبا، وتهزأ بتقاليد الأسرة وأنت في فورة الشباب، وتعبث بقواعد الأخلاق السامية وأنت في ريعان العمر. . . أفتؤمن يا من تفعل كل ذلك غرورًا منك وجهلًا بأن الحياة تمهلك حينًا لتنقْض عليك كالصاعقة الهوجاء فتستلبك من شبابك وقوتك وتذرك وحيدًا في ركن من الدار تأكلك الحسرة على أن انطوت سنوات عمرك المشرق عجافًا لم تلدن السعادة في الدار ولا اللذة في الولد، ولا الراحة في الزوجة؟
لقد ضننت بقلبك ومالك يوم أن كنت في الشباب النضير، والقوة العارمة، فصفرت حياتك - وأنت تحبو نحو الشيخوخة الباردة - من قلب ينبض بحبك، أو فؤاد يخفق بالعطف عليك! نشأ الفتى في كنف أبيه وهو يدلّله، ونما وأشتد غرسه في رعاية أمه وهي تحنو عليه، وعاش بينهما سعيدًا، رضىَّ البال، مطمئن الخاطر، يبذل جهد الطاقة في الدرس، ويستنفذ وسع النشاط في المدرسة، لا تشغله نوازع الحياة، ولا تفزعه مسارب الرزق، وأبوه رجل فيه العطف والحنان، وفيه الثراء والعقل. . .
وأحس الفتى بالعاطفة المشبوبة تتدفق من قلب أبويه فتفعم حياته بالنشوة والسعادة، فأحب أمه وعلق بأبيه على حين قد حمل لأخيه الأكبر لومًا وعتابًا لأنه طاوع شيطانيته الطائشة، فنبذ المدرسة ولمَّا ينل من العلم إلا قطرات لا تغنى من جهل ولا تدفع من سفه. . نبذ المدرسة ليكون موظفًا صغيرًا ينعم بالوظيفة الوضيعة، ويستمتع بالراتب الضئيل، ثم دفعه شبابه - بعد أن خلص من المدرسة - إلى أن يحدث أبويه حديث قلبه، فما تلبث الأب، ولا تعوَّقت الأم، فإذا هو ينتظر الزوجة لتزف إليه. . . والزوجة فتاة من بنات الجيل الفائت، فيها أثر النعمة، وعليها سمة الجمال. . . ورأى الفتى الفتاة وهيتزف إلى أخيه الأكبر. . . فاختلج قلبه، وأخذته روعة المنظر، وخلبته أنوار لزواج، فتمنى أن تنطوي السنوات في سرعة ليصبح هو الآخر زوجًا ورب أسرة. وأحس الأب بما يختلج في نفس ابنه الأصغر، فجلس إليه يحدثه بقلب الأب: (متى. . . متى يا بنى أسعد بزواجك أنت؟) فقال الفتى: (إن
[ ٨٤٩ / ١ ]
الزواج يا أبت يحول بين المرء وبين الدرس، فما يستطيع العقل أن يفرغ للدرس والقلب مشغول بالزوجة، وأنا أطمع أن أكون مهندسًا كبيرًا) قال الأب: (إن الأيام - يا بنى - تمر في غير تمهل، وغدًا تنال الشهادة العالية. حينذاكأستطيعأن أحبوك بما لم أبذله في سبيل أخيك). . .
واطمأنت نفس الفتى، ودفعته عزيمته إلى أن ينكب على الدرس في غير هوادة ولا لين ليخلص من الدرس إلى الزوجة، وتأججت الفكرة في خاطره، فأنطلق على سننه ليبلغ الغاية. . . فبلغ. . . ولكنه لم يصل إلى نهاية الشوط. . . إلى دبلوم الهندسة الملكية. . . إلا ليرى أباه يلفظ النفس الأخير!
لم يلمس الفتى فرحة النجاح، ولا نشوة الوظيفة، وإن قلبه لينتفض من أثر الأسى والضيق لموت أبيه، وإن أمه إلى جانبه تحس فراغ القلب، وفراغ الدار، لأنها فقدت الزوج والعائل!
أما أخوه الأكبر، فجاء يطلب نصيبه من ميراث أبيه ولما تجف العبرات في محجري أمه. . . جاء يطلب نصيبه ويلح في الطلب ليستعين به - كزعمه - على حاجات العيش وطلبات الدار. . .!
وحاول الفتى أن يملأ فراغ الدار، فلصق بأمه يعينها على أمرها ويهيئ لها رغباتها عسى أن يزيح عن قلبها بعض همه. وعز عليه أن يصر أخوه الأكبر على أن ينزع بعض تركة أبيه من بين يدي أمه، فاحتقر الزواج احتقارًا انجابت له أخيلته القديمة، وهي كانت لذيذة جذابة. . . انجابت حين أحس أن الزواج وحده هو الذي قذفه بأخيه إلى أن ينكأ جراح قلب أمه كلما أوشكت أن تندمل!
وأرادت الأم - بعد سنة - أن ترى ابنها الأصغر زوجًا ورب أسرة، فتحس فيه فرحة قلب صفعة الخوف، ولكن الألم كان ما يبرح يضرب الفتى ضربات قاسية كلما تراءى له الأخ الأكبر وهو ينزع بعض ميراث أبيه من بين يدي أمه، ثم يهجرها لا يعبأ بنزعات قلبها، ولا يرحم ضعفها. وخشي أن ترغمه الزوجة - يومًا - على أن يفعل ما فعله أخوه فيذر أمه وحيدة تحبس فقد الزواج والابن في وقت معًا!
وعاش الفتى أبن أمه المطيع، وخادمها الأمين، والأيام تمر سراعًا، حتى عصف بها الحزن، وقصمتها السنون فماتت. . . ماتت وخلفت له - فيما خلفت - خادمًا تقوم على
[ ٨٤٩ / ٢ ]
راحته، وترعى شأنه!
وأحس الفتى بفراغ داره، وفراغ قلبه، وفراغ حياته، وهو يدلف رويدًا رويدًا إلى الكهولة الفارغة، وإن الشعرات البيض لتأخذ طريقها إلى فوديه في غير ريث ولا مهل، وإن الضعف لينسرب إلى أوصاله في غير وناء ولا بطأ. . . فانطوى على نفسه وفيه الخجل والحياء، وسكن إلى عمله يجد فيه السلوى والهدوء، والخادم إلى جانبه تدرج إلى الشباب والنضوج، وهي فتاة من بنات الريف جاءت من القرية لتخدم سيدتها، ولتتعلم هنا - في القاهرة - أمورًا لا يرقى إليها عقل ابنة قرية. . . أمورًا فيها اللهو والعبث، وفيها الشرهة إلى المال، والكلب على الزينة، وفيها المكر والخداع!
وتيقظت الأنثى في قلب الفتاة، فانطلقت تتودد إلى سيدها في لطف، وتتقرب منه في رقة، والدار خواء إلاَّ منهما معًا. . .
واستشعر هو الدفء يشع من شبابها ومن أنوثتها، فهبت في نفسه دواعي الرجولة المكفوفة منذ زمان، فما ترفع عن أن يمد يده ولسانه على حين أنه يكبرها بسنوات وسنوات. . .
وابتسمت الفتاة لسيدها في لين، ولصقت به في تكسر، وعقلها يحدثها بأنها توشك أن تختله عن رجولته وماله، وأن تسيطر على الدار التي عاشت فيها - زمانًا - خادمًا لا تظفر إلا بالتافه، ولا تنال إلا الحقير. . وراحت الفتاة تمكر بسيدها وتخدعه عن نفسه حتى أسهل وأنقاد، وظلت إلى جانبه سنوات تسيطر على خواطره الحائرة وهو يستخذى، وتملك نوازعه الفاترة وهو يتصاغر، فتمادت في غوايتها تذيقه ألوانًا من الحرمان، وفنونًا من الضيق لتدخر ماله لنفسها وتعتقده لحاجتها!
يا عجبًا! لقد أصبح الرجل مهندسًا كبيرًا في وزارة الأشغال، له من منصبه الجاه والثراء، وله في عمله العزة والسلطان، ولكنه يحس الضياع ويستشعر الضيق لأنه يعيش في داره غريبًا وهي خواء إلامن خادم لعوب تسيطر عليه فتسلبه المتعة في ماله وتحرمه السعادة في قلبه.
لقد طوت السنون كل آماله، فمات الحنان في قلب أبويه، وطار عنه العطف في قلب أخيه الأكبر، وذوت أمانيه جميعًا فغدا محرومًا من أحبائه: الزوجة والولد ز والدار، لايجد السبيل إليهم وإن جهد.
[ ٨٤٩ / ٣ ]
وأرادت الأيام أن تسخر من المهندس الكبير مرة أخرى فسولت للخادم اللعوب أن تلصق به - ذات مرة - وتحدثه حديث أملها هي، وتوحي إليه بأمر، قالت. (وأنا أخشى أن تتناولك الألسن، فتصبح مضغة في الأفواه فتنهار كرامتك، وينحط قدرك، فدعني أبحث عن عمل آخر) وأحس المهندس الكبير بالصدمة تكاد تذهله فهو لا يطيق أن يعيش وحده بعد أن حطمته السنون، فقال (وأنا؟. . . افأعيش هنا وحيدًا؟) قالت (فإن استشعرت الألم لفراقي فدعني أتزوج من فلان، وهو خادم في المنزل المجاور، فأكون له زوجة بالليل وأكون لك خادمًا بالنهار!) وتهلل وجه الرجل للخاطر، واطمأن قلبه.
وهم الرجل يهيئ لزواج الخادمين وينفق من ماله عن سعة ويبذل في سخاء، ثم زفّت الزوجة - ذات ليلة - إلى زوجها. . .
وفي الصباح بكر المهندس إلى دار الزوجين، وبين يديه هدية ثمينة يطمع أن يخطف بها قلب الزوجة وأن يسترضى الزوج. ولكن لشد ما أصابه الذهول حين رأى الدار خاوية إلا من أشياء تافهة متناثرة هنا وهنالك. لقد طارت الزوجة بين ذراعي زوجها إلى حيث لا يعلم بعد أن سلبته ماله وقوته.
وارتد الرجل إلى داره يجرر أذيال الخيبة والحسرة. ارتد ليرى داره خالية إلا منه وهو يتهالك ضعفًا وفتورًا تأكله الوحدة وتلتهمه الوحشة.
فيا لحكمة القدر. . . يا لحكمة القدر!.
كامل محمود حبيب
[ ٨٤٩ / ٤ ]