للأستاذ شكري فيصل
(منذ عام حطمت أقلامي التي كنت ألقى بها الناس، وعشت
بين أحزاني وأصدقائي. . . هذه تغزوني وأولئك يعزونني. .
. واليوم أفيق على نحيب الذكرى ولوعة المصاب. وتختلط
علي الصور والأشياء. . . فإلى الروح التي تسبح في أعلى
عليين. . . إلى روح خالي الذي علمني وأدبني. . . هذه
النفحات).
- ١ -
حين جزت ضفة النيل. . . من هذه الخضرة الخضراء والبساتين الممروعة إلى الضفة الأخرى التي تستريح على راعها الرمال الصفراء وتخفق على جنباتها الأمواج الزرق في (رأس البر) كنت في مثل ذهول المأخوذ وغيبوبة المنتشي. . . كانت الساعة قرابة السادسة، والشمس تميل عن سمائها التي عاشت فيها، وتنحدر في شيء من البطئ وفي كثير من الأسى نحو الأفق البعيد الذي يبسط لها جناحان من ضباب ونور.
ولم يكن في وسع الإنسان، إذ يتجرد من كل ما حوله من حركة الناس، أن يدرك أكانت تلك ساعة من ساعات الصباح الفتي أو لحظة من لحظات المساء المتداعي. . . فقد كانت هذه الأستار العريضة التي تلقيها السماء هنا وهناك علامة من علامات الظلمة، وكانت الشعاعات الرضية التي تند عن الشمس شارة من شارات النور. . . كان هناك هذا المزيج الذي يغشى بعضه بعضا من الليل والنهار، وهذا الخليط المتشابك من الأخلاط والضباب، وكان في ذلك كله تناسق أصيل محبب.
- ٢ -
وألقيت أقدامي في الطريق إلى البحر. . . وأدرت ظهري إلى الشارع الذي يطفح بالناس
[ ٨٤٨ / ١٥ ]
على ضفة النيل، ولم أحاول أن أستجيب إلى شيء مما حوله من جلبة الأشياء وحياة الأحياء، وخلفت من ورائي في نظرة عابرة كل هذه الحركة التي يتحرك بها هذا الشارع الأنيق وهذه الزينة التي يزدان بها. . . ولم يكن من بأس أن أخاف عن عادة الناس، هنا في رأس البر، حين يقسمون وقتهم قسمة مناصفة بين البحر والنهر. . . فإذا كان الضحى لجئوا إلى البحر، وأخلد بعضهم إلى رماله وانتهى بعضهم يصارع أمواجه. . . وإذا كان الأصيل لجئوا إلى النهر فانسابوا على شاطئه، عين إلى صفحته الهادئة، وعين إلى الصفحات الأسيلة التي لوحتها الشمسفي الصباح وخففتها الأصباغ في الأصيل.
وجزت طريقًا من هذه الطرق المتعارضة وحدي. . . كنت أشبه بالضال أو كذلك خيل إلى. . . فقد كانت الأنظار التي تمر بي كأنما تتحدث إلى، بعضها يتحدث مشفقًا علي وبعضها هازئًا مني. . . ولكني كنت أنا مشفقًا عليها دائمًا رائيًا لها أبدًا. وإلا فكيف يخلي هؤلاء الناس بينهم وبين هذه اللحظات التي لا تنسى من عمر الشمس. . . كيف يبيحون أن يجلسوا إليها أكثر النهار يستمدون منها القوة ويستجدون العافية ويتقلبون في مهاد من أشعتها الحلوة، حتى إذا غلبها على أمرها الفلك الدوار وانحنت تودع هذا الشاطئ انصرفوا عنها. . . لم يكن في وداعها إلا ثلاثة: شاعر حالم، ومحب مستخف، وحارس كهل من حراس الشاطئ ينتظر موعد الصلاة؟!
ولكن ما ينفع العجب؟. . . وهل هذا إلا صورة من وفاء الناس للناس، يتجاوز الأحياء إلى الأشياء.
. . . وانتهيت إلى البحر من أقرب طرقه - وكل الطرق إليه قريب - فأنا مع هذا القرص المتوهج الذي يبقى من الشمس على ميعاد، في كل يوم، لا أخلفه إلا مكرها على إخلافه، ولا أنصرف عنه إلا أن يحول بيني وبينه ما لا قبل لي بدفعه، فإن فاتني أن أراه عشت معه أتخيله، حتى تطويه لغة الأفق في لحن سماوي من الألوان، حزين.
- ٣ -
ورأيتني أشهد الشمس الهاوية في استغراق، وغشى عيني دمع ثر، كأنما استعار من الموج تدفقه. . . ولم أحس لهذه الصورة التي أراها كل يوم مثل الذي أحسسته لها اليوم. . . كنت أحس بعض هذا الاستغراق غير أني لم أكن أضل ذاتي. . . كان حاجز رقيق أو صفيق
[ ٨٤٨ / ١٦ ]
يحول بيني وبين الفناء ويبقي علي شيئًا من كياني، ولكني في هذه اللحظات لم أعرف أين أنا ومن أنا فقد اشتملني جناح رفيق رقيق، وطار بي في هذا الأفق الموغل المترامي ليتركني بين وجيب الشمس المحتضرة وثنايا السحب المنتصرة:
كان من أمامي صراع. . . الليل الزاحف كالموت، والأفق الذي ينبسط في مهوى الشمس المنحدرة كالحد، والسحب الكثيفة التي تصرفها الريح فتغطي بها على النور كسكرات النزع. . . ثم وجدتني في صميم هذا الصراع جزءًا منه. . . كان يبدو لعيني من بعيد فآسى له، أما الآن فأنا في ظلماته الطاغية وأنواره الخافتة أبكي منه. . . كان حلمًا مزعجًا يثيرني، ولكنه اليوم واقع يأسرني ويدميني. . . كان مشهدًا أستمد منه ألوانه وأنغامه، أما الساعة فألوانه من دم قلبي وأنغامه من أناتي.
- ٤ -
وفي صميم المعركة لا يملك المجروح أن يعي ما كان. . . يفنى فيما حوله وتفنيه الأشياء التي حوله. . يستغرق فيها وتغرقه. . . لا يدرك أكان هو الذي استوعبها أم هي التي استوعبته. . . ولكنه حين يفيق، يفيق على السكون الحزين الذي لا يفسده إلا نض الجرح بالدم ونبض الصدر بالأنين.
. . . وكأنما استيقظت، حين نظرت من حولي فلم أجد شيئًا ولم أحس حركة ولم أبصر إنسانًا. . . لم يبق إلا سكون الموت وأنين الموج. . . أما هناك، في الأفق، حيث كان الصراع فقد انطوى البحر على الحطام الباقي من الشمس. . . لم تبق من الشعاعات الأخيرة إلا ظلالها. . ثم نحلت هذه الظلال فلم يبق إلا انطباعها على بعض السحب. . . ثم محت أنفاس الظلمة المنتصرة هذا الانطباع فلم يبق شيء.
- ٥ -
لقد زايلتني كل هذه الصور التي كانت من حولي، وخفتت كل الأصوات التي كانت في أذني. . . هدأ الموج الذي كان يتكسر على الشاطئ، واختفت الغلالات التي توشي السماء، وركدت الريح التي كانت تطرز البحر. . . لقد طمس الموت الصور فأحالها ظلالا، وامتص الحركة فأحالها سكونًا وعمقًا. . . فلم يبق إلا الذكريات أعيش بها وأعيش عليها، ومن وراء هذه الذكريات أرى الألوان الزاهية والجوانب المتوردة والصفحات المشرقة،
[ ٨٤٨ / ١٧ ]
ومن وراء هذه الذكريات أستمع إلى الأصوات النشيطة والحركة الحية. . . السكون والظلام والذكرى كل ما أنا فيه، وما أقسى ما أنا فيه.
- ٦ -
وارتددت إلى البيت. . . كان في طريقي حين استقبلت البحر شعاعات وظلال وأغصان خضر لها براعم توشك إن تتفتح عنها. كان في طريقي، في هذه المرحلة، أنوار وآمال. . . أما الآن فأنا لن أرى، حين أستقبل البيت إلا الأشباح التي تتشح بالسواد ويلي من هذا السواد. . . لقد غام النور الذي كان هنا، ولكنه ترك هذه الدفقة المتدفقة التي تتوهج في أعماقنا.
. . . غروب ومعركة وموت. . . لقد غيب الليل كل شيء، وتركنا للذعة الوحدة وصهر الآلام. . . وما أطول الليل. . . أما الشمس التي غابت عن عيوننا فكل عزائنا أنها دائمًا في قلوبنا.
(القاهرة)
شكري فيصل
[ ٨٤٨ / ١٨ ]